الفوز الذي حققه الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يوم الأحد الماضي، استطاع أن يكشف الغطاء عن غموض طال مداه للإجابة عن سؤالين محوريين يتجاوزان البرازيل وكل دول أمريكا اللاتينية، وربما يشغلان عقول الملايين من شعوب العالم.
السؤال الأول يتعلق بمستقبل حركة «اليسار العالمي» الذي ظهر كمعادل موضوعي لتغول جماعات «اليمين المحافظ»، وصعود اليمين الأكثر عنصرية وتشدداً، على نحو ما يحدث الآن في أوروبا. هل إلى انحسار أم إلى انكسار أم مازال يحمل أمل الصعود؟.
أما السؤال الثاني، فلا يقل أهمية، ويعتبر شديد الارتباط بالسؤال الأول وهو: أي مستقبل ينتظر «الترامبية السياسية»، إذا جاز التعبير، ليس فقط في أمريكا اللاتينية بل في الداخل الأمريكي نفسه؟
لقد خاض الرئيس البرازيلي معركة ولاية انتخابية رئاسية رابعة شديدة الصعوبة لسببين، أولهما الصعوبة الشديدة في الحكم الناتجة عن كم هائل من المشاكل والصعوبات الاقتصادية والتحولات الاجتماعية الناتجة عن ثورة التطور التكنولوجي والمعلومات العالمية، وتغير معالم سوق العمل، مع تغير طبيعة وخصوصيات «الاقتصاد الجديد»، ما أدى إلى انحسار الدعم الشعبي للمقولات التقليدية اليسارية للرئيس لولا، لصالح جماعات اليمين وأنصارها ومرشحها الرئاسي ورمزها الصاعد فلافيو بولسونارو الساعي إلى استرداد إرث أبيه جايير بولسونارو الرئيس البرازيلي السابق.
أما السبب الثاني، فهو أن تحولات الرأي العام البرازيلي لصالح تيار اليمين المدعوم من الكنيسة الإنجيلية والشركات الاقتصادية ورجال الأعمال المنخرطين في سوق العمل الدولي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة والرأسمالية التكنولوجية العالمية، جاءت متزامنة ومدعومة من الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب الذي جعل شعار «فلنجعل أمريكا عظيمة مجدداً» يرتكز على سياسة نهب ثروات الأمم والشعوب الأخرى، وخاصة دول أمريكا اللاتينية، على نحو ما فعل في فنزويلا، باختطاف رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، ووضع فنزويلا وثروتها النفطية تحت سيطرة واشنطن، حيث أكد ترامب هذا بنفسه عندما أعلن بأن الولايات المتحدة أبرمت اتفاقاً نفطياً كبيراً مع كراكاس يمنحها السيطرة على غالبية احتياطيات نفطية مؤكدة تتجاوز 65 مليار برميل نفط.
فعلى مدى الأعوام القليلة الماضية عملت إدارة ترامب جاهدة من أجل بناء كتلة محافظة موالية لواشنطن في أمريكا الوسطى والجنوبية، ضمن تفعيل النصوص الواردة في الاستراتيجية الأمنية الأمريكية الجديدة، التي أعادت إحياء وتفعيل «مبدأ مونرو» الذي يعطي للولايات المتحدة وحدها، السيطرة الكاملة على القارة الأمريكية اللاتينية، والتعامل معها على أنها «حديقة خلفية». وقد استهدفت هذه المهمة إسقاط الحكومات اليسارية غير الموالية لواشنطن الملتزمة بأفكار السيادة الوطنية، مثل فنزويلا وكوبا والبرازيل وكولومبيا.
رغم كل ذلك حقق الرئيس لولا دا سيلفا فوزاً غير مسبوق قلب كل الموازين والتوقعات، خاصة بعد أن تفوق المرشح اليميني المنافس السيناتور فلافيو بولسونارو في الجولة الأولى، حيث دخل جولة الإعادة بثقة كبيرة،، لكن لولا فعلها وانقلب بدعم شعبي هائل على النتائج وفاز بالرئاسة لأربعة أعوام قادمة.
فوز مهم، لكنه مفعم بالمخاطر الداخلية والتحديات الخارجية، وبالذات الأمريكية، ابتداءً من تشكيك المرشح الخاسر في نتائج الانتخابات، وامتداداً إلى ضخامة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تفرض على الرئيس لولا إبداعات جديدة لإيجاد حلول لها، وتُعيد مجدداً الدعم الشعبي، واستعادة الثقة بحركة «اليسار اللاتيني» واليسار العالمي.
فوز الرئيس لولا دا سيلفا قد يؤدي إلى تغيير بعض السياسات، لكنه لن يزيل بالضرورة جذور المشكلات إذا ظلت المؤسسات والقواعد والحوافز التي تحكم النظام السياسي والقضائي على حالها. فهذه التحديات باتت تفرض مراجعات حتمية من جانب الرئيس لولا دا سيلفا، ليس فقط لإنقاذ حكمه الجديد، بل وأيضاً الانتصار لتيار «اليسار اللاتيني»، الذي تتابعه بشغف شعوب عالم الجنوب، ثم مواجهة ما يضمره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي تحدث عن تزوير في الانتخابات.
