محمود حسونة

نظرياً، الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة توقفت منذ توقيع اتفاق شرم الشيخ، من خلال توقيع زعماء أمريكا ومصر وتركيا وقطر عليه، ولكن واقعياً فإن الحرب لم تتوقف بشكل كامل، توقفت جزئياً واتخذت شكلاً آخر وهو اعتداءات إسرائيلية متقطعة، أدت إلى أكثر من مئة ضحية مدنية.
لم لا، فإسرائيل تجيد خلق المبررات لسلوكياتها العدوانية ضد الفلسطينيين وغيرهم من الجوار، وهي أكثر دولة تروّج أنها مستهدفة وأن المحيطين بها يتربصون بها ويريدون إزالتها من الوجود، وأنها لا تنعم بالأمان المكفول لغيرها. توهم العالم بأن نوايا الآخرين تجاهها غير طيبة، وليتها تحارب النوايا بالنوايا، ولكنها تحاربها بأعتى الأسلحة، وتسعى لإقناع الكوكب بأنها صاحبة حق وأنها تقاتل الإرهاب بالنيابة عن العالم كله، ولكن روايتها انتهت فصولها ولم تعد تفاصيلها تقنع أحداً بعد أن كشفت ممارساتها خلال حرب العامين أنها رواية مزيفة ومضلِلة.
مثلما روت إسرائيل حكايتها الخادعة للعالم بالأكاذيب لتستثير الشفقة، جسدت أيضاً بنفسها حكايتها الحقيقية التي كشفت عن عنصريتها ورغبتها في إزالة الآخر من الوجود واستباحتها القتل والإبادة والتهجير القسري ونهب الحقوق والسطو على الثروات، وكان فصل الحرب على غزة أكثر الفصول الكاشفة لجوهر الصهيونية، جاءت الرواية الثانية الأكثر صدقاً لتناقض كل مضامين الرواية الأولى التي اعتمدت على خيال زعماء ومنظري الصهيونية، واتخذت من الدعاية وسيلة لنشرها عالمياً وساعدها على ذلك سيطرة أقطابها على الإعلام العالمي، والرواية الثانية خرجت إلى العالم رغماً عنها، رواها الإعلاميون الفلسطينيون ودفع 251 منهم حياتهم ثمناً لنقلهم الحقيقة بالصوت والصورة إلى العالم عبر وسائل إعلام ووسائل تواصل اجتماعي، اغتالتهم الآلة العسكرية عقاباً لهم على فضحهم جرائم الجيش الإسرائيلي في حق الشعب الفلسطيني وترهيباً لغيرهم، وأسهم في بعض فصول الرواية الثانية فلسطينيون مدنيون قاموا بتصوير مشاهد مآسي ذويهم وجيرانهم ونشروها على السوشيال ميديا.
لم تتوقف الحرب بإرادة إسرائيلية، واتفاق شرم الشيخ فرضته الإدارة الأمريكية، بعد أن أدركت أن إسرائيل لم تعد في خصومة مع الفلسطينيين وبعض العرب فقط ولكنها أصبحت في خصومة مع العالم كله، وأن أقرب حلفائها تخلوا عنها واعترفوا بالدولة الفلسطينية ليس حباً في فلسطين ولكن عقاباً لها وخوفاً على مستقبلها وحفاظاً على ما تبقى من هيبة القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
عقب توقف الحرب خرج قادة إسرائيل يتقدمهم رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو يعلنون أن الحرب لم تنته، ويهددون ويتوعدون ويفرغون مبادرة ترامب من جوهرها، وهي التصريحات التي وضعت الإدارة الأمريكية وعلى رأسها دونالد ترامب في حرج فرض عليها إجبار إسرائيل على الإذعان لوقف الحرب، ورغم ذلك ما زالت الضربات المتقطعة مستمرة بل وطالت تقريباً كل مناطق القطاع، والغريب أن بعضها نال موافقة أمريكية، ومازالت إسرائيل تضع العراقيل أمام إدخال المساعدات، وخرج الكنيست على العالم بقرار الموافقة على فرض سيادة إسرائيل على الضفة في خرق صريح لما وعد به ترامب القادة العرب وتحدٍ صارخ للإرادة الدولية.
أمريكا لم تجد مفراً من أن تتحول من مجرّد وسيط إلى رقيب لسلوكيات كل من الإسرائيليين والفلسطينيين لضمان استمرار الهدوء، تراقب الخروقات والتجاوزات التي يمكن أن تحدث من أي من الطرفين وتراقب مدى جدية البحث عن جثامين الرهائن الإسرائيليين وتحاول إزالة العراقيل لإدخال المساعدات،
إسرائيل تواصل الحرب أيضاً على لبنان والذي أصبح يتعرض لضربات شبه يومية من الجيش الإسرائيلي، ولا يقتصر الأمر على الضربات الجوية بل يدخل الجيش براً الأراضي اللبنانية من وقت لآخر لإرسال رسائل تثير انقسامات لبنانية، وكل ذلك يحمل تجاوزاً إسرائيلياً لاتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله الذي مر عليه ما يقرب من عام، ويضعف من الجهود التي تبذلها الدولة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله وحصر السلاح في يد الدولة، سوريا أيضاً ما زالت هدفاً للضربات والتجاوزات الإسرائيلية رغم إعلانها نية عدم مهاجمة أي من جيرانها.
الخروقات الإسرائيلية لاتفاقات وقف الحرب تؤكد أن إسرائيل لا تريد سلاماً ولا استقراراً للمنطقة، وأن إرادة الحرب تفوق إرادة السلام.