يتابع العالم اليوم مسار التفاوض بين أمريكا وإيران، بنفس اللهفة التي تابع بها حرب الأربعين يوماً، وقبلها حرب الاثني عشر يوماً. كل يوم في الحربين حمل للمتابعين مفاجآت وأصابهم بصدمات، نتيجة المشاهد المرعبة للتفجير والتخريب والقتل والتدمير التي اجتاحت الشاشات والفضاء الإلكتروني خلالها، وتركت يقيناً عند مؤيدي ومعارضي كلا الطرفين، أن غرور السلطة وتوحش القوة، هما أكبر مهدد للكوكب وللبقاء الإنساني.
ومن يتابع اليوم مسار التفاوض الذي انطلق قبل شهرين يجد في مفاجآته وصدماته، ما لا يختلف عن مفاجآت وصدمات الحرب، وبدلاً من أن يعيد بناء جدار الثقة المتهدم بين الطرفين، يزيده تهدماً بتصريحات الطرفين التي تسودها لغة التهديد والوعيد، والتي تزداد حدة بمرور الوقت، وبعد أن كانت قد بدأت في ظل حصار بحري أمريكي لإيران، وتحكم إيراني مرفوض وغير مسبوق دولياً في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، فقد تطور الأمر خلال الفترة الماضية، ووصل إلى عودة القصف المتقطع.
التفاوض ليس دائماً بحث عن سلام مثل الحالة الإيرانية ــ الأمريكية، ولا هو هدنة من الحرب مثل الحالة الروسية ـــ الأوكرانية والممتدة المفاوضات بشأنها على مدار أربع سنوات من القصف المتبادل، من دون أن تسفر عن جديد، سوى تبادل أسرى وحلول لبعض القضايا الإنسانية، واتفاق بشأن سلاسل الإمداد.
أيضاً هناك المفاوضات اللبنانية ــ الاسرائيلية التي انطلقت في واشنطن برعاية أمريكية من دون أن تقيد ضربات إسرائيل على لبنان، الخارقة لاتفاقيات الهدنة ولمفاوضات ومساعي السلام، من دون إرادة حقيقية ولا نوايا مخلصة، فإسرائيل تريد سلاماً مع لبنان مجرداً من السيادة، ولبنان يريد سلاماً يلجم الجموح العدواني الإسرائيلي، الذي تجاوز كل الأعراف والقوانين، ووصل إلى حد التهديد باجتياح بيروت.
ورغم كشف وسائل إعلام إسرائيلية، بأن التهديد بقصف بيروت ومكالمة ترامب تمثيلية متفق عليها، إلا أنها لا تنفي أن كل خيوط التحكم في مصير المنطقة مازالت في يد الولايات المتحدة، وأنها الأقدر على التواصل مع الحلفاء والأعداء في المنطقة، وصاحبة الكلمة المسموعة عند الجميع. الغضب الإسرائيلي من منع ترامب لنتنياهو من قصف بيروت، يؤكد أن أطماع إسرائيل في السيطرة على المقدرات اللبنانية لن يحد منها لا تفاوض ولا اتفاقات أمنية، ولا حتى اتفاق سلام.
التفاوض بشأن الحروب الثلاث سالفة الذكر هو تفاوض بالإجبار، تفاوض لإدارة صراعات قائمة وليس حلها، ولكل طرف أهدافه من هذا التفاوض، أمريكا تريد كسب الوقت وإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية قبل الانتخابات النصفية، ولا تقبل بالخروج من هذه الأزمة سوى باتفاق يفوق في مكاسبه، اتفاق أوباما بشأن النووي الإيراني الذي تم توقيعه عام 2015 ، ليلغيه ترامب خلال فترته الأولى 2018 وانتقده مئات المرات واصفاً إياه دوماً بالأسوأ، وهو ما يفرض عليه أمام الأمريكيين أن يأتي لهم بالأحسن، وإلا فإن خسارته والحزب الجمهوري كبيرة.
الكل يتفاوض، أمريكا وإيران وروسيا وأوكرانيا ولبنان وإسرائيل، ولكن السؤال هو مَنْ بين هؤلاء يتفاوض بحسن نوايا، ومَنْ منهم يريد سلاماً وأماناً، ومَنْ يضيع الوقت ولا يقبل سوى جني مكاسب، من دون تقديم تنازلات، وهو يعلم أن التفاوض من دون تقديم تنازلات لن يصل إلى نتيجة؟.
هم ونحن والعالم، ندرك أن العداء بين الأطراف المتفاوضة في الحالات الثلاث لن ينهيه الوصول إلى توقيع اتفاق، وأن هذه الدول شعوباً وحكومات، لن تتحول إلى أصدقاء بتوقيع حكوماتهم على اتفاقيات، وأن الاتفاق بينهم لن يكون اتفاق سلام بقدر كونه اتفاقاً أمنياً عسكرياً يلزم كل طرف فيه بما عليه، حتى يتوقف الدمار والخراب والقتل، وأنها حال توقيعها ستكون اتفاقيات هشة.
التفاوض ليس هدفه دوماً تحقيق السلام ولا القضاء على الصراع، بل وأحياناً لا يهدف إلى منع عودة الحرب، إنما قد يهدف فقط إلى منع توسيع الصراع، أو منع الأمور من الخروج عن السيطرة، أو يكون نتيجة نقص في الأسلحة والعتاد، وعدم رغبة في الانكشاف أمام الآخر، وقد يكون استجابة لضغوط اقتصادية، أو رضوخاً لإرادة الرأي العام.
[email protected]
منذ نحو نصف قرن، ولبنان يبحث عن الاستقرار ولا يجده، منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، وحتى اليوم، وهو يعاني الانقسام الداخلي والاستهداف الخارجي، حالة من التيه بين الحرب والسلام عجزت عن وضع نهاية لها، بل إنها تتعمق، وتزيد الدولة ضياعاً، والجيران طمعاً وشراسة، والمواطن تشتتاً، وملوك الطوائف فساداً وإفساداً، وإلقاء بالوطن في قلب صراعات الآخرين، ومعارك الإقليم، وكأن قدر لبنان أن يدفع فواتير غيره، وقدر المواطن اللبناني أن يعاني بسبب جموح بعض أهله.
لبنان الرسمي اليوم يسعى إلى سلام لا يجد سواه سبيلاً لوقف إسرائيل عن استهداف شعبه، وأرضه، وجسوره، وطرقه، وقراه، ومدنه، وليس سواه سبيلاً لاستعادة 602 كيلو متر تمثل 5% من مساحته، والانسحاب من 68 قرية جنوب الليطاني فجّرت منازلها، وقتلت ما استطاعت من أهلها، وشرّدت مئات الآلاف، ولبنان الأحزاب والطوائف منقسم بين من ينشدون السلام ويحلمون بالاستقرار، وبين من يريدون الحرب، ولا يفوّتون فرصة إلا ويقحمون أنفسهم فيها، ولا تشغلهم العواقب التي دائماً ما تكون كارثية على الوطن والشعب.
الأوطان لا تتجزأ، ولكن قدر لبنان أنه دولة معطّلة، منقوصة الصلاحيات، مؤجلة الاكتمال منذ الحرب الأهلية، التي أفرزت ديمقراطية محاصصة لا تصلح نمطاً للحكم، وأكدت أن الانتماء عندما يكون لطائفة، أو حزب، أو ميليشيات، أو زعيم، وليس للوطن، فإنه الوسيلة لإضعاف الدولة، وتهديد وجودها، ليس من الطامعين والمتربصين والأعداء في الخارج، ولكن أيضاً من الداخل.
عندما يريد اللبنانيون خداع أنفسهم يروّجون أن التنوع في بلدهم الذي يضم 18 طائفة هو سرّ فرادته وتميّزه، وكأنهم لا يدركون سرّ ضعفه وهشاشته، . يختلفون في أوقات السلم وفي أوقات الحرب، يختلفون حول الماضي والحاضر والمستقبل، سياسيوهم وقادة الرأي والكلمة فيه يتنابذون سراً في المجالس، وعلانية على أوراق الصحف، وشاشات التلفاز، ومواقع التواصل، القرار لديهم يستغرق أشهراً، وربما سنوات، تتساوى في ذلك قرارات الترشيحات، والانتخابات، والتوافق على رئيس الجمهورية، أو رئيس الحكومة، ثم على تشكيل الحكومة، والتعيينات الأمنية والعسكرية، وبعد التوافق على ذلك، يبدأ الاختلاف حول برنامج الحكومة، والتنابذ قبل، وبعد اتخاذها أيّ قرار.
لبنان الحاضر في كل الحروب الغائب في كل التحالفات، الواقف وحيداً في مواجهة الطامعين، عاش حرباً أهلية امتدت عقداً ونصف العقد، بفضل دعم جهات أجنبية لفرقاء الداخل، حرب تركت جراحاً في نفس كل لبناني عاش فصولها المأساوية، تم خلالها تقسيم مناطق النفوذ، واقتتال شركاء الوطن، والقتل على الهوية، وحسب الطائفة والديانة، وبعد الحرب اتفق أمراؤها على اقتسام السلطة والقرار على أساس طائفي، وليس على أساس وطني، لتتوالى الانقسامات والصراعات بأشكال مختلفة، منذ ما بعد الطائف وحتى اليوم، والنتيجة احتلال إسرائيل أجزاء من أراضيه، ومواصلة تدميره، رافضة، كعادتها، الانصياع للإرادة الدولية، أو اتفاقيات وقف النار.
«حزب الله» خلق لنفسه حالة من الاستقواء على الشركاء، والاستفزاز للأشقاء الرافضين علانية تسليحه، والمؤيدين لاستعادة الدولة قرارها وسيادتها على كل ربوع الوطن.
لبنان يتفاوض اليوم مع إسرائيل برعاية أمريكية على سلام مقبول رسمياً، ومرفوض من الحزب، سلام لو تحقق سيكون منقوصاً هشاً بفضل المخططات الإسرائيلية، ونيات الحزب المعلنة أمام العالم، والمتحدية لإرادة الرئيس، ورئيس الحكومة، والقطاع الأكبر من الشعب.
والسلام عندما تسعى إليه دولة منقوصة الصلاحيات أمام أخرى تتفاوض معها بقوة السلاح لتفرض فيه إرادتها أمام إرادة من لا يريد من ورائه سوى استعادة أرضه المحتلة، لابد أن يكون سلام الرضوخ والاستقواء، وكي يكون السلام متكافئاً ينبغي أن يتم التفاوض عليه ولبنان يمتلك قراره، وإسرائيل تحترم سيادته، و«حزب الله» يسلم سلاحه طوعاً، وبلا إراقة دماء، وإيران تبارك ذلك، وبالتالي، فإن لبنان سيظل تائهاً بين الحرب والسلام حتى يتوحد الشعب، ويتجاوز الطائفية المقيتة، وتستعيد الدولة قرارها، ويؤمن صنّاع القرار الدولي بأن الشعب اللبناني العاشق للحياة يستحق حياة مستقرة آمنة مطمئنة.
[email protected]
صحيح أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أعلن وقف إطلاق النار بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في الثامن من إبريل/ نيسان الماضي، ولكن الحرب لم تتوقف يوماً واحداً، ولكنها اتخذت أشكالاً أخرى قد تخفف بعض الآثار، وتقلل التكاليف على أطرافها، وفي الوقت نفسه لا تُخرج العالم من الأزمات التي وضعته فيها، بل تزيدها تأزماً. الرئيس ترامب نفسه أعلن، أكثر من مرّة، أن الحرب ستنتهي قريباً، وأن أمريكا انتصرت، وعاد وصرّح بعد 19 يوماً من وقف إطلاق النار بأن «الحرب مع إيران ستنتهي قريباً جداً، وسننتصر»، كأنه يقرّ بأن الانتصار لم يكتمل.
الأمر نفسه في إيران التي يعلن قادتها أنها هي التي ستنتصر، وأن أصابع جنودها على الزناد، أما إسرائيل فهي تحلم بساعة صفر جديدة يحدّدها الرئيس ترامب للعودة إلى القتال.
لم ينتصر أحد في الحرب العسكرية، ولن ينتصر أحد في الحرب الاقتصادية التي فرضت حصاراً على إيران التي تحاصر بدورها مضيق هرمز، وتفرض شروطاً مجحفة وغير مسبوقة، للمرور فيه، ولن ينتصر أحد في الحرب الدبلوماسية التي تجعل التفاوض عقيماً، وتُصوّر الطرفين أمام العالم كأنهما «توم وجيري»، اللذين يمارسان الكرّ والفرّ، من دون رغبة أيّ من الطرفين في استيعاب مطالب وهواجس الآخر.
فاتورة هذه الحرب لا تتحملها الأطراف المتصارعة فقط، ولكن يدفعها العالم كلّه مضطراً، بعد أن أصبح قدر أغلبية الدول والبشر في الكوكب تحمّل عواقب شطحات وجشع الأقلية التي تصنع الأزمات، وتشعل الحروب، وتثير الفتن، وتصّر على الاستحواذ على ما ليس حق لها.
الحرب العسكرية كانت خسائرها محصورة في إيران، وإسرائيل، والولايات المتحدة، ودول الخليج، والعراق، والأردن، ولبنان، وأسفرت القصف الصاروخي والطلعات الجوية عن انهيار الاقتصاد الإيراني، وتدمير مواقع عسكرية، وبنى تحتية، وجسور، ومصانع، ومدارس، ومنازل، ما يستلزم عقوداً لإعادة الإعمار، أما إسرائيل فتشير التقديرات إلى أن الحرب كلفتها 57 مليار دولار، بجانب ما تم تدميره من مواقع عسكرية ومدنية.
كما تشير التقديرات إلى أن الحرب كانت تكلف الميزانية الأمريكية مليار دولار يومياً، واختلفت التقديرات حول الكلفة الإجمالية التي حددتها هيئات بـ55 مليار دولار. والحقيقة أنها قد تزيد على ذلك، خصوصاً بعد أن طالب «البنتاغون» بتمويل إضافي يصل إلى 200 مليار دولار بسبب الحرب، ما فتح المجال أمام نقاشات واسعة داخل أمريكا حول كلفة الحرب، وجدواها، فضلاً عن الخسائر التي تعرّض لها العراق، ودول لم تكن أطرافاً في الحرب، وتعرضت لإرهاب المسيّرات والصواريخ الباليستية الإيرانية، مثل دول الخليج والأردن، أما لبنان فقد تم تفجير مبانٍ، وإحراق أراضي قرى جنوب الليطاني، بعد أن تم احتلالها وعزلها عن باقي الأرض اللبنانية، وبعدما طال التدمير أنحاء متفرقة من العاصمة بيروت، وكل قرية ومدينة تقع جنوبها.
السالف ذكره هو الخسائر المباشرة، أما الخسائر غير المباشرة فقد امتدت إلى جميع دول العالم، بعد أن ارتفع سعر الغاز بما يزيد على الضعف، خصوصاً في دول أوروبية، وارتفع النفط بنحو 49%، وعاش حالة من التأرجح، صعوداً وهبوطاً، حسب تصريحات قادة الدول المتحاربة. وحسب حالة مضيق هرمز الذي تحوّل من ممرّ مائي وملاحي عالمي، إلى ورقة تعبث بها الأيادي الإيرانية، وتطمع في السيطرة عليه الولايات المتحدة، ويلقي الصراع عليه بظلال قاتمة على الاقتصاد العالمي.
كان هدف الحرب في البداية هو القضاء على قدرات إيران النووية والباليستية وتغيير نظامها السياسي، وأصبح أهم أهداف الحرب اليوم هو مضيق هرمز، الذي تسبب الوضع فيه بخلخلة تحالفات كبرى، وأهمها دول حلف الناتو، والعلاقات الأمريكية الأوروبية التي ينتظرها مستقبل غامض.
إن وضع المضيق أصبح هو الخبر الأهم في كل نشرات الأخبار حول العالم، والبند الأهم في مفاوضات إسلام آباد، والموضوع الأهم في مباحثات قادة ورؤساء العالم، بعد أن أسفر العبث به إلى ارتفاع أسعار الوقود بنسب متفاوتة في مختلف الدول، خصوصاً بعد عرقلة نقل 20% من النفط العالمي، وتهديد تشغيل المصانع، وإنارة المدن والشوارع والمنازل؛ كما أدى الوضع في المضيق إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسب مختلفة في قارات الدنيا، بعد عرقلة نقل الأسمدة من منابع إنتاجها إلى الدول المستوردة لها، ما أثّر في المحاصيل الزراعية، وفي التبعية المواد الغذائيّة، بل وأعاد أكثر من 30 مليون شخص من المزارعين إلى الفقر، حسب تقديرات أممية.
الحرب التي تتلوّن كل يوم بلون لا نعرف لعواقبها نهاية، بعد أن تركت آثارها في الوقود والغذاء وحركة الصناعة والسياحة في دول مختلفة، ورفعت نسب البطالة والتضخم، وخفّضت مؤشرات النمو، وامتدت آثارها إلى أساس اقتصاد دول، كما أقرّ بذلك المستشار الألماني، وإذا كان الوضع كذلك في دولة مثل ألمانيا، فما بالكم بالدول الفقيرة والاقتصادات الناشئة؟.
[email protected]
عاش العالم 40 يوماً على وقع حرب جسدت الخروج على الشرعية الدولية وتجاوز القوانين الدولية والأعراف الإنسانية والاعتداء على حقوق الجار. الضربة الأولى التي وجهتها الولايات المتحدة وإسرائيل إلى طهران فاجأت العالم، قتلت حالة تفاؤل سائدة في ظل تصريحات متبادلة عن تقدم في مباحثات جنيف بين الأمريكيين والإيرانيين، أشعلت حرباً من وراء ظهر العالم ومن دون علم المنظمة الدولية والحلفاء لتكون انتهاكاً جديداً للقانون الدولي.
إيران ردت على هذه الضربة بضربات على دول الخليج التي قاومت الحرب وحذرت من عواقبها وبذلت كل جهد دبلوماسي ممكن لمنعها، ليجسد العدوان الإيراني أسوأ صور الانتهاك للقيم والأعراف والقوانين، عدوان على جيران لم يكونوا أبداً دعاة حرب وظلوا دوماً صناع سلام، وجاء رد الفعل الخليجي مخيباً لظنون من كانوا يستهدفون إحراق الأخضر واليابس وإشاعة الفوضى، دفاع وصمود عسكري وشعبي يعكس حكمة صنّاع القرار ووعي الشعوب.
40 يوماً حبس العالم فيها أنفاسه، مشدوهاً أمام الشاشات متابعاً لضربات وأهوال تستهدف تخريب وتدمير منجزات وأحلام شعوب، متوجساً من خروج الأمور عن السيطرة، متحملاً أثماناً اقتصادية تفوق إمكانياته، وعندما تم الإعلان عن الهدنة وبدء مرحلة التفاوض تنفس العالم الصعداء، واستعادت أسواق المال بعض الأمل المفقود، وتراجعت أسعار النفط، وبدأ الناس ينتظرون في مختلف بقاع الأرض انعكاس ذلك على حياتهم، ولكن سرعان ما عاد التوجس والخوف من القادم أمام إصرار إسرائيل على عدم شمول لبنان بأي اتفاق ليبقى وحيداً في مواجهة القوة الغاشمة، وجاءت ضربة الثامن من إبريل/ نيسان بأكثر من 100 ضربة على 100 موقع مدني في لبنان في 10 دقائق تم خلالها قتل وإصابة المئات، لتسرق الأمل الذي بدد بقاياه انهيار مفاوضات إسلام آباد.
التفاوض بين أمريكا وإيران لم يتوقف منذ ثورة الخوميني، ولكنه في ذات الوقت لم يغير من حدة العداء بينهما شيئاً، وظل مجرد أداة لتخدير الرأي العام والعبث بالدبلوماسية، ومن يستعيد محطات التفاوض بين الدولتين يدرك أنه كان دوماً محكوماً بالفشل سواءً العاجل أم الآجل، مثل أزمة الرهائن التي طال التفاوض حولها ليتم الإفراج عنهم بعد 444 يوماً، واتفاق 2015 بشأن النووي والذي تم توقيعه في عهد أوباما لتنسحب منه أمريكا في فترة ترامب الأولى.
هذه الرحلة الطويلة من التفاوض العقيم والذي ضاقت فيه آفاق السلام ضيق مضيق هرمز لم يغير في علاقات البلدين شيئاً كان متوقعاً، أن ينتهي بحرب عنيفة لا تنفي أن الهدف لدى الطرفين في النهاية هو الاتفاق، ولأن عقيدة الرئيس ترامب هي أن السلام لا يتحقق سوى بالقوة فقد كانت هذه الحرب المأساوية التي استعرضت خلالها القوى الثلاث المتحاربة قدراتها العسكرية، واستنزفت بعضها البعض ومن استطاع التدمير لم يكتف بالمواقع العسكرية بل تجاوزها إلى بنى تحتية ومؤسسات علمية وصناعية ونفطية وملاحية، وحاولت إيران استغلال الحرب للنيل من استقرار ورفاه دول خليجية وعربية.
التاريخ المعاصر يؤكد أن الحروب تخرب وتدمر لكنها لا تضع حلولاً، ولكل حرب نهاية، ومثل الكثير من الحروب التي عايشناها في العقود الماضية تخرج كل الأطراف المتحاربة لتعلن انتصارها وكأنها كانت مجرد حروب على الفراغ، ولا سبيل لحل الأزمات سوى الجلوس على موائد المفاوضات، التي يعني فشلها المزيد من الخراب والانهيار، وينقذ نجاحها ما تبقى من مقومات الحياة من أجل الأجيال المقبلة.
مشكلة المفاوضات الأمريكية الإيرانية أن كل طرف منهما ذهب إلى إسلام آباد للجلوس مع الآخر بمنطق المنتصر القادم لجني الثمار ونيل المغانم، ذهب ليفرض شروطه على الآخر من دون أن يقدم تنازلات، وهذه أوهام المتحاربين، ناهيك عن انعدام الثقة بين الطرفين، ولو تولدت بعض الثقة فإن وجود إسرائيل في الموضوع واستمرار قصفها للبنان كفيلان بتبديدها لدى الإيرانيين.
نجاح المفاوضات يستلزم وقتاً وجهداً، ولن يتم الاتفاق خلال جولة او اثنتين ولكنه سيتم بعد جولات، ويفرض التخفيف من حدة التهديد والوعيد المتبادل، وفي النهاية لا بد من الاتفاق، الذي لا نتمناه أن يكون هدنة طويلة الأمد، بل نهاية للحرب، وخصوصاً أن الموروث بين الأطراف الثلاثة لا يبشر بسلام دائم، وأياً كان الاتفاق المنتظر فإن الوصول إليه أفضل من استمرار الحرب التي فقدت فيها الأطراف العقل وتخلت عن الحكمة وتجاوزت الشرعية، وهددت استقرار الإقليم وهددت الملاحة والتجارة العالمية وألقت بظلال قاتمة على الاقتصاد العالمي ورفعت معاناة البشر في أربع جهات الأرض.
كانت الحرب على غزة حرباً على حق الفلسطينيين في الوجود، واليوم نعيش يوميات حرب على حق شعوب المنطقة في الحياة والاستقرار، لن يدفع ثمنها جيل بل أجيال قادمة، حرب تجاوزت كونها نزاعاً عسكرياً بين دول اختارت أن تعيش العداء عقوداً من الزمن، إلى حرب تستهدف لقمة العيش وشربة الماء وكهرباء المنزل والشارع والمصنع ووقود السيارة وغاز البوتاغاز وعلاج المرضى ومدارس الأولاد، هي من تلك الحروب التي لا تبقي ولا تذر، تقتل الحاضر وتشوه التاريخ وتخلخل الجغرافيا وتشوش على المستقبل.
ليست حرب أمريكا وإسرائيل مع إيران فقط، ولكنها حرب إيران أيضاً على دول الخليج، وحرب الأطراف الثلاثة المتنازعة على المنطقة بأكملها، وحرب على الاقتصاد العالمي وعلى حرية الملاحة وحرية التجارة، على البر والبحر والجو وباطن الأرض، حرب تستهدف إصابة العالم بشلل يسلب منه حريته وأمانه ويهدد غذاءه ويهدم مقومات الحياة الإنسانية ويعيده إلى عصور ظلامية بعد أن تقضي على منجزاته الحضارية وتهدد منظومته القيمية وتتجاوز قوانينه الدولية وتبعثر كرامته الإنسانية.
قد يكون صاحب قرار الحرب غير مدرك لعواقبها، وكان يتوهمها نزهة تهدم دولاً وتستبدل أنظمة، ولكنه فوجئ بقراره يجلب الخراب على العالم، استهدف دولاً آمنة مطمئنة عبر تاريخها، فالنار التي أشعلها تمددت وتوسعت لتحرق إقليماً يرقد على أهم مصادر الطاقة العالمية وتعتز شعوبه بموقعها الجغرافي.
دول الخليج على مدار عقود من التاريخ كان العالم يراها موطن الأمن والأمان والاستقرار والازدهار، ووجد فيها الناس مساحة من التسامح المفقود على الكوكب بفعل التطرف والعنصرية، فاستضافت الحالمين من قارات الدنيا لتحقق لهم أحلامهم وتمنحهم فرص صناعة النجاح وتمهد لهم الطريق إلى الرفاهية، دول لم تنشغل سوى بالتنمية والبناء، زرعت داخل مواطنيها احترام الآخر، ونزعت من داخلها كل من اختارها مستقراً لميول التشدد والعنف واستباحة حقوق الغير، وتحولت بذلك إلى حاضنة للجميع من دون تفرقة على أساس الدين أو العرق أو اللون أو الجنس، فالكل سواء، طالما أنهم يحترمون بعضهم البعض ويلتزمون بالقيم الإنسانية ويستظلون بظل القانون، وها هي الإمارات يعيش في إماراتها السبع رجال وسيدات من 200 جنسية، يعملون سوياً وينجحون سوياً من دون أي نعرات تثير أياً منهم.
يبدو أن نجاح النموذج الإماراتي الخليجي أزعج بعضهم، فكان القرار بضربه أملاً في تشويهه والتشكيك في قدراته، حتى يصبح مثلهم منغلقاً عنيفاً فارغاً فاشلاً، ولكن انقلب مخططهم عليهم، وأدرك العالم كله أن هذا النموذج يحمي نفسه بنفسه، ويصون مكتسباته بالتحام مواطنيه والمقيمين على أرضه والوقوف خلفه صفاً واحداً، وأكد أنه عصي على السقوط قوي في مواجهة العدوان صامد بقيمه ومبادئه مصّرٌ على أن يظل مختلفاً متميزاً متألقاً صانعاً للنجاح ومصدراً للأمل.
وإذا كان النموذج الخليجي أثبت صلابته اجتماعياً، بوقوف كل من يعيشون على أرضه خلف قياداته وقراراتها الحكيمة في التصدي للعدوان الإيراني من دون الانخراط فيه والسقوط في وحله، حفاظاً على بقايا الإقليم، فقد أكَّد قوته السياسية بالتفاف العالم حوله وإدانته للاعتداءات الإيرانية سواء عبر رؤساء ودبلوماسيي دول العالم المختلفة أو عبر المنظمات الدولية، من مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان والمنظمات الأممية والإقليمية المختلفة.
واقتصادياً تمتلك دول الخليج أنظمة اقتصادية قوية تجعلها الأقدر على امتصاص خسائر القصف وتجاوزاته على أراضيها، في حين أن العالم كله اهتز اقتصادياً بسبب هذه الحرب الملعونة، التي التهمت الكثير من ميزانيات الأطراف الثلاثة المتصارعة ودمرت بنى تحتية كثيرة فيها، وخصوصاً في إيران التي ستحتاج إلى عقود لإعادة الإعمار، كما أدخلت العالم في رعب على مستقبل الطاقة والغذاء والملاحة والتجارة الدولية، وتضاعفت الأسعار في معظم دول العالم وارتفع التضخم وتراجعت التنمية ما سيلقي بظلال داكنة على الاقتصاد العالمي، وستدفع ثمنه الأجيال المقبلة بعد أن عجزت الأجيال الحالية في صون حقوقها باختلاقها حروباً لا تكتفي بأن تقتل وتدمر وتخرب بل وتنال من رصيد المستقبل.
من حق الشعوب أن تعيش في أمن وأمان، ومن حق الدول أن تحافظ على مكتسباتها، ومن حق الأجيال المقبلة أن تتسلم من الحالية عالماً مزدهراً لا مدمراً ومنهاراً، ومن حق الأجيال الحالية أن تعيش في سلام وألا تظل تعاني خوفاً وهلعاً وجوعاً وفقراً، ومن حق الكوكب أن يستريح ولا يظل ينتقل من حرب إلى أخرى أكثر شراسة، ومن حق الجيران أن يحافظوا على حقوق وأمان واستقرار جيرانهم، ولكنها كلها حقوق لا تشغل صناع الأزمات وخالقي الحروب ومشعلي الفتن الذين لا يريدون للعالم سوى خراباً ودماراً ولا يريدون للإنسان سوى هلاكاً ورعباً.
[email protected]
محمود حسونة
السلام خيار وقرار عند عديد من الدول، يتبنونه ويبذلون من الجهد الكثير كي يعم وينتشر، والحرب عند أخرى فرض وإجبار، وشتان بين من يصنعون الحرب وينشرون الخراب والدمار ويروجون للكراهية والتطرف، وبين من يصنعون السلام ويجدون أنفسهم أطرافاً في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، حرب فُرِضت عليهم، وليس أمامهم من مفر سوى الانخراط فيها بشكل كامل والرد على العدوان بأشد منه، أو الاكتفاء بالدفاع وإحباط هجمات المعتدي.
جميع دول الخليج وبعض الدول العربية وجدت نفسها طرفاً في حرب أشعــــلها غيــــرهم، حـــرب حـــــــاولوا مراراً منعها وحذروا كثيراً من عواقب نشوبها وتوسطوا لوأدها، وهي الحرب التي نعيش تفاصيلها المأساوية منذ أكثر من أسبــوعين، نتابع ضربات متبادلة بين أمريكا وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر، ويسعى كل طرف من خلالها من الانتقام من الآخر نتيجة تاريخ طويل من العداء والخوف والشك والارتياب، تاريخ يمتد إلى 48 عاماً هي عمر الثورة الإسلامية الإيرانية التي ناصبت أمريكا العداء وأسمتها في كل خطاب «الشيطان الأكبر» وناصبت إسرائيل العداء وهددتها بالفناء، وفي المقابل بذلت أمريكا وإسرائيل كل ممكن لمحاصرة إيران وإضعافها؛ بل وإسقاطها.
قصف إيران لدول الخليج لم يكن منتظراً ولا متوقعاً، انتهاك لحقوق الجار والشريك في الجغرافيا وفصول من التاريخ، وانقلاب على القيم والمبادئ السياسية والإنسانية، واستعداء لمن يسعى إلى نشر الاستقرار في المنطقة ويحاول على مدار عقود مضت منع هذه الحرب، وعبّرت بكل السبل عن رفضها للحرب ودعت إلى حل الأزمات بالحوار والدبلوماسية وتحكيم العقل.
عندما خرج الرئيس الإيراني بزشكيان معتذراً للجيران ومتعهداً بالتوقف عن قصفها، توهمنا وجود نهج جديد ستنهجه طهران في إدارتها للحرب، يفرض عليها الدفاع عن نفسها والرد على المعتدي من دون الاعتداء على الجيران والأشقاء، لكن يبدو أن من يديرون الحرب في إيران لم يرق لهم اعتذار رئيسهم وواصلوا العدوان.
دول الخليج بما لدى قادتها من حكمة ووعي سياسي وقدرة على استقراء ما وراء الأحداث، أدركت أن الهدف هو توريطها في حرب لا تبقي ولا تذر، وإشعال المنطقة بنيران غبية لا تفرق بين عربي وغير عربي، وتحويل دول الخليج من دول الأمن والأمان إلى بؤر قلقة غير مستقرة، ولذا اكتفت بالدفاع عن نفسها والتصدي للصواريخ والمسيرات، وأبلت قواتها المسلحة بلاء حسناً وأكدت قدرتها على حماية الأوطان وتأمين حياة المواطنين والمقيمين عليها.
الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران والصواريخ الإيرانية على الخليج لم تغير حقائق أن دول الخليج ستظل دول الأمن والأمان والاستقرار والرفاه، وستظل الحلم للشباب والمقصد للمستثمرين والمقر للأثرياء، والمتابع للسوشيال ميديا يدرك أن المقيمين في الإمارات لم يكونوا أقل انتماء وحرصاً وتشبثاً بها من أبنائها.
صاحبا السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، حرصا خلال الفترة الماضية على التواجد وسط الناس في أكثر من موقع وهو ما أسهم في نشر المزيد من الطمأنينة في نفوس المواطنين والزوار والمقيمين، وأكدا خلال لقائهما قبل أيام أن الإمارات ستظل واحة الأمن والأمان وأنها ستعود أقوى وأقوى.
[email protected]