الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
محمود حسونة
كاتب صحفي
أحدث مقالات محمود حسونة
19 أبريل 2026
مضيق التفاوض وفرص السلام

عاش العالم 40 يوماً على وقع حرب جسدت الخروج على الشرعية الدولية وتجاوز القوانين الدولية والأعراف الإنسانية والاعتداء على حقوق الجار. الضربة الأولى التي وجهتها الولايات المتحدة وإسرائيل إلى طهران فاجأت العالم، قتلت حالة تفاؤل سائدة في ظل تصريحات متبادلة عن تقدم في مباحثات جنيف بين الأمريكيين والإيرانيين، أشعلت حرباً من وراء ظهر العالم ومن دون علم المنظمة الدولية والحلفاء لتكون انتهاكاً جديداً للقانون الدولي.

إيران ردت على هذه الضربة بضربات على دول الخليج التي قاومت الحرب وحذرت من عواقبها وبذلت كل جهد دبلوماسي ممكن لمنعها، ليجسد العدوان الإيراني أسوأ صور الانتهاك للقيم والأعراف والقوانين، عدوان على جيران لم يكونوا أبداً دعاة حرب وظلوا دوماً صناع سلام، وجاء رد الفعل الخليجي مخيباً لظنون من كانوا يستهدفون إحراق الأخضر واليابس وإشاعة الفوضى، دفاع وصمود عسكري وشعبي يعكس حكمة صنّاع القرار ووعي الشعوب.

40 يوماً حبس العالم فيها أنفاسه، مشدوهاً أمام الشاشات متابعاً لضربات وأهوال تستهدف تخريب وتدمير منجزات وأحلام شعوب، متوجساً من خروج الأمور عن السيطرة، متحملاً أثماناً اقتصادية تفوق إمكانياته، وعندما تم الإعلان عن الهدنة وبدء مرحلة التفاوض تنفس العالم الصعداء، واستعادت أسواق المال بعض الأمل المفقود، وتراجعت أسعار النفط، وبدأ الناس ينتظرون في مختلف بقاع الأرض انعكاس ذلك على حياتهم، ولكن سرعان ما عاد التوجس والخوف من القادم أمام إصرار إسرائيل على عدم شمول لبنان بأي اتفاق ليبقى وحيداً في مواجهة القوة الغاشمة، وجاءت ضربة الثامن من إبريل/ نيسان بأكثر من 100 ضربة على 100 موقع مدني في لبنان في 10 دقائق تم خلالها قتل وإصابة المئات، لتسرق الأمل الذي بدد بقاياه انهيار مفاوضات إسلام آباد.

التفاوض بين أمريكا وإيران لم يتوقف منذ ثورة الخوميني، ولكنه في ذات الوقت لم يغير من حدة العداء بينهما شيئاً، وظل مجرد أداة لتخدير الرأي العام والعبث بالدبلوماسية، ومن يستعيد محطات التفاوض بين الدولتين يدرك أنه كان دوماً محكوماً بالفشل سواءً العاجل أم الآجل، مثل أزمة الرهائن التي طال التفاوض حولها ليتم الإفراج عنهم بعد 444 يوماً، واتفاق 2015 بشأن النووي والذي تم توقيعه في عهد أوباما لتنسحب منه أمريكا في فترة ترامب الأولى.

هذه الرحلة الطويلة من التفاوض العقيم والذي ضاقت فيه آفاق السلام ضيق مضيق هرمز لم يغير في علاقات البلدين شيئاً كان متوقعاً، أن ينتهي بحرب عنيفة لا تنفي أن الهدف لدى الطرفين في النهاية هو الاتفاق، ولأن عقيدة الرئيس ترامب هي أن السلام لا يتحقق سوى بالقوة فقد كانت هذه الحرب المأساوية التي استعرضت خلالها القوى الثلاث المتحاربة قدراتها العسكرية، واستنزفت بعضها البعض ومن استطاع التدمير لم يكتف بالمواقع العسكرية بل تجاوزها إلى بنى تحتية ومؤسسات علمية وصناعية ونفطية وملاحية، وحاولت إيران استغلال الحرب للنيل من استقرار ورفاه دول خليجية وعربية.

التاريخ المعاصر يؤكد أن الحروب تخرب وتدمر لكنها لا تضع حلولاً، ولكل حرب نهاية، ومثل الكثير من الحروب التي عايشناها في العقود الماضية تخرج كل الأطراف المتحاربة لتعلن انتصارها وكأنها كانت مجرد حروب على الفراغ، ولا سبيل لحل الأزمات سوى الجلوس على موائد المفاوضات، التي يعني فشلها المزيد من الخراب والانهيار، وينقذ نجاحها ما تبقى من مقومات الحياة من أجل الأجيال المقبلة.

مشكلة المفاوضات الأمريكية الإيرانية أن كل طرف منهما ذهب إلى إسلام آباد للجلوس مع الآخر بمنطق المنتصر القادم لجني الثمار ونيل المغانم، ذهب ليفرض شروطه على الآخر من دون أن يقدم تنازلات، وهذه أوهام المتحاربين، ناهيك عن انعدام الثقة بين الطرفين، ولو تولدت بعض الثقة فإن وجود إسرائيل في الموضوع واستمرار قصفها للبنان كفيلان بتبديدها لدى الإيرانيين.

نجاح المفاوضات يستلزم وقتاً وجهداً، ولن يتم الاتفاق خلال جولة او اثنتين ولكنه سيتم بعد جولات، ويفرض التخفيف من حدة التهديد والوعيد المتبادل، وفي النهاية لا بد من الاتفاق، الذي لا نتمناه أن يكون هدنة طويلة الأمد، بل نهاية للحرب، وخصوصاً أن الموروث بين الأطراف الثلاثة لا يبشر بسلام دائم، وأياً كان الاتفاق المنتظر فإن الوصول إليه أفضل من استمرار الحرب التي فقدت فيها الأطراف العقل وتخلت عن الحكمة وتجاوزت الشرعية، وهددت استقرار الإقليم وهددت الملاحة والتجارة العالمية وألقت بظلال قاتمة على الاقتصاد العالمي ورفعت معاناة البشر في أربع جهات الأرض.

5 أبريل 2026
دول الخليج.. صلابة وحكمة

كانت الحرب على غزة حرباً على حق الفلسطينيين في الوجود، واليوم نعيش يوميات حرب على حق شعوب المنطقة في الحياة والاستقرار، لن يدفع ثمنها جيل بل أجيال قادمة، حرب تجاوزت كونها نزاعاً عسكرياً بين دول اختارت أن تعيش العداء عقوداً من الزمن، إلى حرب تستهدف لقمة العيش وشربة الماء وكهرباء المنزل والشارع والمصنع ووقود السيارة وغاز البوتاغاز وعلاج المرضى ومدارس الأولاد، هي من تلك الحروب التي لا تبقي ولا تذر، تقتل الحاضر وتشوه التاريخ وتخلخل الجغرافيا وتشوش على المستقبل.
ليست حرب أمريكا وإسرائيل مع إيران فقط، ولكنها حرب إيران أيضاً على دول الخليج، وحرب الأطراف الثلاثة المتنازعة على المنطقة بأكملها، وحرب على الاقتصاد العالمي وعلى حرية الملاحة وحرية التجارة، على البر والبحر والجو وباطن الأرض، حرب تستهدف إصابة العالم بشلل يسلب منه حريته وأمانه ويهدد غذاءه ويهدم مقومات الحياة الإنسانية ويعيده إلى عصور ظلامية بعد أن تقضي على منجزاته الحضارية وتهدد منظومته القيمية وتتجاوز قوانينه الدولية وتبعثر كرامته الإنسانية.
قد يكون صاحب قرار الحرب غير مدرك لعواقبها، وكان يتوهمها نزهة تهدم دولاً وتستبدل أنظمة، ولكنه فوجئ بقراره يجلب الخراب على العالم، استهدف دولاً آمنة مطمئنة عبر تاريخها، فالنار التي أشعلها تمددت وتوسعت لتحرق إقليماً يرقد على أهم مصادر الطاقة العالمية وتعتز شعوبه بموقعها الجغرافي.
دول الخليج على مدار عقود من التاريخ كان العالم يراها موطن الأمن والأمان والاستقرار والازدهار، ووجد فيها الناس مساحة من التسامح المفقود على الكوكب بفعل التطرف والعنصرية، فاستضافت الحالمين من قارات الدنيا لتحقق لهم أحلامهم وتمنحهم فرص صناعة النجاح وتمهد لهم الطريق إلى الرفاهية، دول لم تنشغل سوى بالتنمية والبناء، زرعت داخل مواطنيها احترام الآخر، ونزعت من داخلها كل من اختارها مستقراً لميول التشدد والعنف واستباحة حقوق الغير، وتحولت بذلك إلى حاضنة للجميع من دون تفرقة على أساس الدين أو العرق أو اللون أو الجنس، فالكل سواء، طالما أنهم يحترمون بعضهم البعض ويلتزمون بالقيم الإنسانية ويستظلون بظل القانون، وها هي الإمارات يعيش في إماراتها السبع رجال وسيدات من 200 جنسية، يعملون سوياً وينجحون سوياً من دون أي نعرات تثير أياً منهم.
يبدو أن نجاح النموذج الإماراتي الخليجي أزعج بعضهم، فكان القرار بضربه أملاً في تشويهه والتشكيك في قدراته، حتى يصبح مثلهم منغلقاً عنيفاً فارغاً فاشلاً، ولكن انقلب مخططهم عليهم، وأدرك العالم كله أن هذا النموذج يحمي نفسه بنفسه، ويصون مكتسباته بالتحام مواطنيه والمقيمين على أرضه والوقوف خلفه صفاً واحداً، وأكد أنه عصي على السقوط قوي في مواجهة العدوان صامد بقيمه ومبادئه مصّرٌ على أن يظل مختلفاً متميزاً متألقاً صانعاً للنجاح ومصدراً للأمل.
وإذا كان النموذج الخليجي أثبت صلابته اجتماعياً، بوقوف كل من يعيشون على أرضه خلف قياداته وقراراتها الحكيمة في التصدي للعدوان الإيراني من دون الانخراط فيه والسقوط في وحله، حفاظاً على بقايا الإقليم، فقد أكَّد قوته السياسية بالتفاف العالم حوله وإدانته للاعتداءات الإيرانية سواء عبر رؤساء ودبلوماسيي دول العالم المختلفة أو عبر المنظمات الدولية، من مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان والمنظمات الأممية والإقليمية المختلفة.
واقتصادياً تمتلك دول الخليج أنظمة اقتصادية قوية تجعلها الأقدر على امتصاص خسائر القصف وتجاوزاته على أراضيها، في حين أن العالم كله اهتز اقتصادياً بسبب هذه الحرب الملعونة، التي التهمت الكثير من ميزانيات الأطراف الثلاثة المتصارعة ودمرت بنى تحتية كثيرة فيها، وخصوصاً في إيران التي ستحتاج إلى عقود لإعادة الإعمار، كما أدخلت العالم في رعب على مستقبل الطاقة والغذاء والملاحة والتجارة الدولية، وتضاعفت الأسعار في معظم دول العالم وارتفع التضخم وتراجعت التنمية ما سيلقي بظلال داكنة على الاقتصاد العالمي، وستدفع ثمنه الأجيال المقبلة بعد أن عجزت الأجيال الحالية في صون حقوقها باختلاقها حروباً لا تكتفي بأن تقتل وتدمر وتخرب بل وتنال من رصيد المستقبل.
من حق الشعوب أن تعيش في أمن وأمان، ومن حق الدول أن تحافظ على مكتسباتها، ومن حق الأجيال المقبلة أن تتسلم من الحالية عالماً مزدهراً لا مدمراً ومنهاراً، ومن حق الأجيال الحالية أن تعيش في سلام وألا تظل تعاني خوفاً وهلعاً وجوعاً وفقراً، ومن حق الكوكب أن يستريح ولا يظل ينتقل من حرب إلى أخرى أكثر شراسة، ومن حق الجيران أن يحافظوا على حقوق وأمان واستقرار جيرانهم، ولكنها كلها حقوق لا تشغل صناع الأزمات وخالقي الحروب ومشعلي الفتن الذين لا يريدون للعالم سوى خراباً ودماراً ولا يريدون للإنسان سوى هلاكاً ورعباً.

[email protected]

15 مارس 2026
عدوان على صناع سلام

محمود حسونة

السلام خيار وقرار عند عديد من الدول، يتبنونه ويبذلون من الجهد الكثير كي يعم وينتشر، والحرب عند أخرى فرض وإجبار، وشتان بين من يصنعون الحرب وينشرون الخراب والدمار ويروجون للكراهية والتطرف، وبين من يصنعون السلام ويجدون أنفسهم أطرافاً في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، حرب فُرِضت عليهم، وليس أمامهم من مفر سوى الانخراط فيها بشكل كامل والرد على العدوان بأشد منه، أو الاكتفاء بالدفاع وإحباط هجمات المعتدي.
جميع دول الخليج وبعض الدول العربية وجدت نفسها طرفاً في حرب أشعــــلها غيــــرهم، حـــرب حـــــــاولوا مراراً منعها وحذروا كثيراً من عواقب نشوبها وتوسطوا لوأدها، وهي الحرب التي نعيش تفاصيلها المأساوية منذ أكثر من أسبــوعين، نتابع ضربات متبادلة بين أمريكا وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر، ويسعى كل طرف من خلالها من الانتقام من الآخر نتيجة تاريخ طويل من العداء والخوف والشك والارتياب، تاريخ يمتد إلى 48 عاماً هي عمر الثورة الإسلامية الإيرانية التي ناصبت أمريكا العداء وأسمتها في كل خطاب «الشيطان الأكبر» وناصبت إسرائيل العداء وهددتها بالفناء، وفي المقابل بذلت أمريكا وإسرائيل كل ممكن لمحاصرة إيران وإضعافها؛ بل وإسقاطها.
قصف إيران لدول الخليج لم يكن منتظراً ولا متوقعاً، انتهاك لحقوق الجار والشريك في الجغرافيا وفصول من التاريخ، وانقلاب على القيم والمبادئ السياسية والإنسانية، واستعداء لمن يسعى إلى نشر الاستقرار في المنطقة ويحاول على مدار عقود مضت منع هذه الحرب، وعبّرت بكل السبل عن رفضها للحرب ودعت إلى حل الأزمات بالحوار والدبلوماسية وتحكيم العقل.
عندما خرج الرئيس الإيراني بزشكيان معتذراً للجيران ومتعهداً بالتوقف عن قصفها، توهمنا وجود نهج جديد ستنهجه طهران في إدارتها للحرب، يفرض عليها الدفاع عن نفسها والرد على المعتدي من دون الاعتداء على الجيران والأشقاء، لكن يبدو أن من يديرون الحرب في إيران لم يرق لهم اعتذار رئيسهم وواصلوا العدوان.
دول الخليج بما لدى قادتها من حكمة ووعي سياسي وقدرة على استقراء ما وراء الأحداث، أدركت أن الهدف هو توريطها في حرب لا تبقي ولا تذر، وإشعال المنطقة بنيران غبية لا تفرق بين عربي وغير عربي، وتحويل دول الخليج من دول الأمن والأمان إلى بؤر قلقة غير مستقرة، ولذا اكتفت بالدفاع عن نفسها والتصدي للصواريخ والمسيرات، وأبلت قواتها المسلحة بلاء حسناً وأكدت قدرتها على حماية الأوطان وتأمين حياة المواطنين والمقيمين عليها.
الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران والصواريخ الإيرانية على الخليج لم تغير حقائق أن دول الخليج ستظل دول الأمن والأمان والاستقرار والرفاه، وستظل الحلم للشباب والمقصد للمستثمرين والمقر للأثرياء، والمتابع للسوشيال ميديا يدرك أن المقيمين في الإمارات لم يكونوا أقل انتماء وحرصاً وتشبثاً بها من أبنائها.
صاحبا السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، حرصا خلال الفترة الماضية على التواجد وسط الناس في أكثر من موقع وهو ما أسهم في نشر المزيد من الطمأنينة في نفوس المواطنين والزوار والمقيمين، وأكدا خلال لقائهما قبل أيام أن الإمارات ستظل واحة الأمن والأمان وأنها ستعود أقوى وأقوى.

[email protected]

1 مارس 2026
عندما يتكلم الفن سياسة

محمود حسونة

في شهر رمضان يحلو للفن أن يرتدي رداء السياسة من خلال بعض الأعمال الدرامية، وذلك استغلالاً للفن باعتباره الوسيلة الأكثر تأثيراً في الرأي العام بكل طبقاته الاجتماعية، بصرف النظر عن مستويات المشاهدين التعليمية أو الاقتصادية، وباعتباره الأداة الأجدى لتشكيل الوعي الجمعي وإطلاع الناس على المخفي والمعلن تجاه القضايا القومية والوطنية والصراعات الإقليمية.
التوظيف السياسي للفن ليس اختراعاً جديداً، ولكنه قديم متجدد. مسرح وليم شكسبير (1564- 1616) كان سياسياً بامتياز، وظف قدراته الإبداعية لتسليط الضوء على أشكال للاستبداد والصراع على العرش والاغتيال السياسي وهي قضايا عبّرت عنها العديد من مسرحياته مثل «ماكبث» و«هاملت» و«يوليوس قيصر» و«أنطونيو وكليوباترا» و«الملك لير» بلغة مسرحية بليغة ظلت خالدة في الوجدان الإنساني وتناولها المسرحيون حول العالم وفي مختلف العصور بمعالجات ورؤى مختلفة.
السينما الأمريكية كانت وستظل أداة من أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، ولعلها من أكثر الأدوات التي جعلت من الولايات المتحدة حلماً للشباب حول العالم، وقدمت الولايات المتحدة في صورة القوة التي لا تقهر ومركز الكون وأن تدميرها هو تدمير للكوكب، وأنها الحامية للعالم من قوى الشر المعادية للحضارة الغربية، ولعل كلمات الرئيس روزفلت «السينما مكون اقتصادي واجتماعي مهم في المشروع القومي الأمريكي»، كانت هي الأكثر اعترافاً بدور الفن في تصدير قيم الإمبراطورية خارجياً وصناعة التفوق الأمريكي.
الفن العربي أيضاً يرتدي رداء السياسة من وقت لآخر، ومن أكثر الأزمات التي صرخ الفن في وجهها وحاول عبر أعمال مختلفة فضحها وكشف نوايا عناصرها الإجرامية أزمة التطرف والعنف والإرهاب، وكان أحد الأسلحة التي تصدت بها مصر لهذه الآفة، وقبل ثورة 30 يونيو/ حزيران قدم الفن المصري الكثير من الأعمال المناهضة للإرهاب والارهابيين منها «الإرهاب والكباب» و«طيور الظلام» و«الإرهابي».
وأشار عدد من الأعمال إلى جماعة الاخوان باعتبارها المصدر الرئيسي لتفريخ الإرهاب مثل مسلسلي «العائلة» و«الجماعة»، وبعد 30 يونيو أصبحت مصر حريصة على تقديم أعمال فاضحة للجماعة وأشقائها من الجماعات الإرهابية، وقدمت في هذا الصدد أعمالاً مهمة مثل «الاختيار» بأجزائه الثلاثة، و«هجمة مرتدة» و«القاهرة - كابول» ولجأت للتاريخ بحثاً عن جماعات القتل والترهيب التي استوحت منها جماعات معاصرة نهجها مثل «الحشاشين»، وفي رمضان الحالي تتناول الدراما رحلة واحد من أخطر رجال الجماعة منذ شبابه وحتى القبض عليه عام 2020 مع الإرهاب وهو محمود عزت المرشد الحقيقي والخفيّ لجماعة الإخوان بعد ثورة 30 يونيو، والذي يتمحور حوله مسلسل «رأس الأفعى» وهو اللقب الذي أطلق عليه نتيجة الدور التخريبي الذي لعبه لتدمير مصر وتخريبها انتقاماً من خلع شعبها للحكم الإخواني.
وبجانب محمود عزت العقل المدبر للجماعة الإرهابية يكشف المسلسل سيرة شخصيات قيادية فيها كانت تلعب وتقود وتخطط في الظل، وهي التي تحرك القيادات المعروفة إعلامياً، ويضيء على دور ضباط الأمن الوطني في تعقب هؤلاء العناصر وإحباطهم للكثير من العمليات التي كان يمكن أن تضاعف أعداد ضحايا الإرهاب لولا اليقظة الأمنية، والمسلسل يعد واحداً من أهم الأعمال التي تعرض في الموسم الحالي.
وسيظل الصراع العربي الإسرائيلي مادة خصبة للتناول الفني سواء من خلال الدراما أو السينما، وقد وثقت أعمال مختلفة ستظل خالدة في الوجدان العربي، بطولات مخابراتية وعسكرية مصرية مثل «رأفت الهجان» و«جمعة الشوان» و«دموع في عيون وقحة»، و«فارس بني جواد» و«الطريق إلى إيلات» و«الممر» و«الرصاصة لاتزال في جيبي» و«أبناء الصمت».
وإذا كان الفن المصري ركز عبّر تاريخه على فصول الصراع المصري الإسرائيلي، فقد قام هذا العام بتوسيع الدائرة، ويتم حالياً عرض المسلسل الأهم وهو «صحاب الأرض» الذي يتمحور حول الحرب الإسرائيلية على غزة ويتناول الوضع الإنساني لسكان غزة في ظل الحرب التي امتدت لعامين، وهو المسلسل الي أثار استياء وغضب إسرائيل وتفرد قنوات وصحف إسرائيلية مساحات لديها لتناول ومناقشة حلقاته بشكل يومي. المسلسل يجمع بين مشاهد توثيقية حقيقية ومشاهد تمثيلية وقد أحيا صور بعض من مآسي الحرب الظالمة رغم أنها لم تغادر الذاكرة العربية.

[email protected]

15 فبراير 2026
الأزمات.. صناعة تزدهر

الاختلاف طبيعة بشرية، والتباين بين الناس أمر فطري، وكلاهما يبدأ من الشكل واللون ويمتد إلى الجوهر والعقل، والاختلاف بين البشر خلق بالتبعية اختلافاً بين الحكومات والدول، وهو ما ألقى بظلاله على الشعوب، ولعل ما نراه على مواقع التواصل الاجتماعي من تلاسن وتنابذ يكشف مساحة الاختلاف الكبيرة فكرياً وسياسياً بين الشعوب المختلفة، وهو اختلاف نلمسه بشكل أعمق بين صناع القرار في العالم.
ولو تأملنا تصريحات الكثير من السياسيين سنجدهم فرقاً مختلفة، فريق يعتاش ويصنع مجده بصناعة الأزمات وإثارة البلبلة وبث الكراهية، وآخر يسعى بكل ما يستطيع لحل هذه الأزمات ومحاولة الحيلولة دون اتساعها أملاً في أن يسود السلام، وفريق ثالث يلتزم الصمت ويكتفي بالتفرج سواءً نتيجة عجز أو خوف من بطش الفريق الأول الذي لا يرتضي للعالم سلاماً ولا استقراراً، ولا يرتضي للبشرية أمناً ولا أماناً، أو حيرة ورغبة في عدم وضعه ضمن تصنيفات تفرض عليه التزامات لا يقدر عليها.
خلال الفترة الأخيرة ازدهرت صناعة الأزمات في العالم، أزمات جديدة تولد من رحم أزمة قديمة، وأزمات يتم استحداثها من دون أي سابق إنذار، وكلما لاح في الأفق أمل بقرب انتهاء أزمة تجد بداية أخرى بل أخريات، قبل أن تنتهي حرب تطل أخرى برأسها، وكلما نجح الدبلوماسيون في وأد صراع ظهر غيره، وكلما بدأت بشائر القضاء على أزمة اقتصادية ظهرت بالتوازي ملامح أخرى أشد وطأة، وكلما نجح العلماء في اكتشاف علاج لمرض أو تحجيم وباء، تم الإعلان عن مرض جديد أو أطل وباء مهدداً ومتوعداً، وكأن الحياة من دون منغصات وقلاقل من المستحيلات ومفروض على الإنسان أن يظل عمره يلهث داخل دوائر الخوف والهلع.
صانع الأزمات في أي محيط، العائلة أو القبيلة أو البلدة أو الدولة أو الإقليم أو العالم، ليس بالضرورة أن يكون هو الأقوى بل قد يكون الأضعف، ولكنه الخبيث المأزوم المبتز والذي يملك بين يديه أوراق ضغط يضغط بها على الأقوى للتأثير على قراراته وإلزامه بدعمه وحمايته والانحياز إليه رغم إدراكه أن أطماعه لا حدود ولا نهاية لها.
جماعات الإرهاب التي تنتشر في طول الأرض وعرضها، هدفها الأوحد هو صناعة الأزمات ونشر الذعر وخلق الفتن والعمل على التفريق بين الأشقاء والأصدقاء من الدول، وللأسف فإن هذه الجماعات تعتاش على ما تتلقاه من دعم الذين يستخدمونها لزعزعة استقرار الرافضين السير في ركبها. الداعمون يخططون ويسلحون ويضعون الأجندات ويحددون الهدف والإرهابيون ليسوا سوى أدوات تنفيذ يفعلون ما يؤمرون، وللأسف أيضاً أن بعض هؤلاء يطمعون في السلطة ومستعدون لتدمير بلادهم وترويع ذويهم لنيل مرادهم، ولنا في ما أسموه «الربيع العربي» وتوابعه دروس وعبر.
قبل أربع سنوات انطلقت الحرب الروسية الأوكرانية، صنعتها أطراف مختلفة ودعمتها أوروبا وأمريكا، وتجاوزت آثارها المتحاربين والداعمين إلى دول العالم كله، أزمات اقتصادية واجتماعية وتحالفات سياسية واستعراضات للقدرات التسليحية والقوة العسكرية، وما زالت مستمرة.
حرب غزة استخدمتها إسرائيل لتدمر القطاع وإخلائه من أهله، وكان الموقف الأمريكي فيها مثيراً للجدل، فالولايات المتحدة تتحدث كثيراً عن السلام ولكنها في ذات الوقت تغذي استمرار الحرب حماية لإسرائيل، وفي النهاية توقفت بإرادة أمريكية، مؤكدة أن أمريكا باعتبارها القوة العظمى اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً هي الأقدر من غيرها على نشر السلام من عدمه عالمياً.
سيد البيت الأبيض هو الذي يحرك العالم وقراراته تمتد آثارها إلى أربع جهات الأرض، وبناءً على مواقفه يتخذ العديد من الزعماء قراراتهم. بعض الدول الأوروبية اتجهت نحو الصين وتعيد صياغة علاقاتها مع روسيا نتيجة قرارات أمريكية، ابتداءً من قرارات الجمارك مروراً بأزمة أوكرانيا والقرارات المتعلقة بالمنظمات الدولية وليس انتهاءً بأزمة غرينلاند، وأمريكا اللاتينية في حالة ترقب للرياح التي ستهب عليها بعد اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو.
العالم يعيش في حالة ترقب لما ستسفر عنه المفاوضات الأمريكية الإيرانية في مسقط، ولو استجاب صناع الأزمات للساعين لإطفائها لعم السلام والأمان الكوكب، ولكن هؤلاء يحاولون وأولئك يستطيعون.
[email protected]

1 فبراير 2026
الإمارات تصنع السلام

في مثل هذا الشهر من عام 2022 أطلقت روسيا ما أسمته «عملية عسكرية خاصة» في أوكرانيا، ومن اسمها الذي ما زالت موسكو تصرّ عليه، توقع المحللون والمعنيون حول العالم أنها ستستمر أياماً أو أسابيع، ولكنها امتدت وستتم عامها الرابع في الرابع والعشرين من فبراير/شباط الجاري، وخلال هذه المدة تناثرت شظاياها على العالم، وألقت بظلال قاتمة على الاقتصاد العالمي بعد أن تأثرت بها سلاسل الإمداد وممرات التجارة العالمية.
العملية الروسية الخاصة، استفزت أوروبا وأمريكا ليعلن الغرب حالة الاستنفار الاقتصادي وتمويل أوكرانيا حتى تواصل التصدي للقوات الروسية بل والهجوم أحياناً، بجانب توقيع العقوبات الاقتصادية على روسيا، والتي شملت مختلف المجالات ووصلت إلى الرياضة والفنون، كما أعلن الغرب حالة الاستنفار العسكري الذي تمثل في تنافس دوله على مد أوكرانيا بما تنتجه مصانعها وما تستورده من غيرها من أحدث الأسلحة، بجانب إعلان حلف الناتو استعداده للتدخل في حال تجاوز الضربات للحدود الأوكرانية، ناهيك عن الاستنفار الدبلوماسي الذي لم يدخر جهداً في مساعي محاصرة روسيا سياسياً بالقدر الممكن. تباينت مواقف دول العالم تجاه هذه الحرب، فمنها من انحاز إلى أوكرانيا ودعمها، ومنها من انحاز إلى روسيا واصطف بجانبها دبلوماسياً وسياسياً وعسكرياً، ومنها من وقف على الحياد السلبي الذي أغلق آذانه وعيونه ولجم لسانه عن الخوض فيها أو إعلان موقف بشأنها.
وعلى مدار السنوات الأربع غيرت بعض الدول مواقفها حسب مصالحها وحسب التغيرات في قياداتها وإداراتها، وعلى رأس هذه الدول الولايات المتحدة التي انقلبت على نفسها بعد عودة الرئيس دونالد ترامب للبيت الأبيض، وبعد أن كانت من أكبر الداعمين والممولين لإطالة الحرب أملاً في هزيمة روسيا، قررت بذل الجهود للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وإبرام اتفاقية سلام بين روسيا وأوكرانيا.
الدولة التي اختلفت عن غيرها، واتخذت موقفاً ثابتاً يتوافق ونهجها الدائم لنشر السلام وتحقيق الاستقرار في العالم هي الإمارات العربية المتحدة، وهو أمر من ثوابت الدولة منذ إنشائها، وأكدته في أحد مبادئ «وثيقة الخمسين» التي وضعتها مرجعاً لجميع هيئاتها ومؤسساتها للخمسين الثانية من عمرها المبارك وحتى الاحتفال بمئويتها في عام 2071، وينصّ على أن «الدعوة للسلم والسلام والمفاوضات والحوار لحل كافة الخلافات هو الأساس في السياسة الخارجية لدولة الإمارات، والسعي مع الشركاء الإقليميين والأصدقاء العالميين لترسيخ السلام والاستقرار الإقليمي والعالمي، يعتبر محركاً أساسياً للسياسة الخارجية»، ومن هذا المنطلق كانت الوساطة الإماراتية على مدار سنوات الحرب لتبادل الأسرى، والتي أسفرت عن 17 صفقة تبادل، أسفرت عن إطلاق آلاف الأسرى من الطرفين.
الإمارات دولة تصنع السلام وتنبذ الصراع، تطفئ الحرائق وتناهض تجار الموت، لا تنحاز لأحد وترفض الوقوف في صفوف المتفرجين، ومواقفها تجاه الحرب الأوكرانية الروسية شاهدة عليها، ومواقفها الداعمة للحق الفلسطيني وجسورها الإنسانية لن تتوقف، وتصدرها لقائمة الدول المانحة للمساعدات الإنسانية في المؤشرات العالمية وثيقة تقدير للدور الإماراتي الإنساني.
بعد النجاحات التي حققتها الإمارات في ملف أسرى أوكرانيا وروسيا، كان طبيعياً أن يتوسع دورها ويزداد تأثيرها وتتخذ الدولتان ومعهما الوسيط الأمريكي من أبوظبي العاصمة مكاناً للتفاوض واللقاء بحثاً عن مخرج من هذه الأزمة التي طال أمدها، وهو ما يجعل الإمارات تسهم في صناعة الحدث وصياغة الخبر الذي تنتظره قارات الدنيا منذ اندلاع الحرب، خبر التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، بعد أن تحولت الولايات المتحدة من دولة منحازة إلى دولة محايدة تسعى بكل السبل للمساهمة في إخراج روسيا وأوكرانيا والعالم من هذه الأزمة.
ثم تلتقي وفود الدول الثلاث مرة أخرى في أبوظبي في جولة جديدة تبني على ما تم إحرازه من تقدم في الجولة الماضية، والتي وصفها الرئيس الأوكراني فولديمي زيلينسكي ب«البناءة» معرباً عن امتنانه للدور الإماراتي ولجهود صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عبر حسابه على منصة «إكس»: «أنا ممتن لدولة الإمارات، وشخصياً لرئيس الإمارات، على وساطتهم واستعدادهم لاستضافة المزيد من المحادثات».
أهم ما يميز الإمارات ويؤكد فاعلية دورها في هذا الملف، أنها تحظى بتقدير قيادات الدولتين المتصارعتين والوسيط الأمريكي، لذا لم تكتفِ بأن تكون أبوظبي مجرد مكان للقاء الوفود الثلاثة، ولكن رئيس الدولة حرص في أول أيام الجولة السابقة على استقبال المفاوضين من الدول الثلاث، وأكد «دعم دولة الإمارات لجميع الجهود والمبادرات الرامية إلى إيجاد حل للأزمة الأوكرانية يلبّي مصالح جميع الأطراف».
الإمارات دولة تؤمن بالحوار وسيلة لحل الأزمات الإقليمية والعالمية، ولا تدخر جهداً لنشر السلام وإرساء الاستقرار في جهات الأرض الأربع، واليوم تتجه أنظار العالم إلى أبوظبي بعد أن أصبحت الأمل والمدينة التي يمكن الإعلان منها عن التوصل إلى حل لصراع طال كثيراً.

[email protected]