وليد عثمان

لم يرُق لجماعات الشر في المنطقة أن تهدأ النار في غزة بقدر يسمح، ولو بالحد الأدنى، بتعافي أهلها وعودة مظاهر الحياة التي غابت عنهم خلال حرب العامين. لهذا، اجتهدت هذه الجماعات في نقل شرورها إلى ساحة عربية جديدة خرج فيها الصراع فجأة عن حدود المقبول إنسانياً، وبدلاً من التركيز على إحياء مسارات سعت كثيراً إلى تطويق النار المشتعلة في السودان ومنع تمددها بما يفاقم الخسائر، خاصة البشرية، خرج من يحرف الأنظار عن المأساة الحقيقية ومسبباتها بتوزيع الاتهامات وتقديم قراءات مختلقة للوقائع غايتها الإساءة إلى من يتصدى للشر وجماعاته. والأنكى من ذلك التعامي عن تسمية الأطراف الرئيسية المتورطة في صراع السودان، مع خطورة ما ينطوي عليه ذلك من إطالة أمده والفرار من المحاسبة اللازمة وإدراك كل طرف لمسؤولياته وأخطائه، أو جرائمه، التي وصلت بالأمر إلى ما هو عليه الآن.
ذلك ديدن هذه الجماعات في كل ساحة صراع، فتعاملها مع الأزمات ليس عشوائياً، بل ترجمة لمصالح إقليمية ودولية تتغذى على الأزمات من جهة، ومن أخرى تزوّر الوقائع وتعيد ترتيب المقدمات والنتائج وخلط الوجوه الفاعلة، ليتفرق دم الضحايا بين الجميع، وتزج بأطراف أخرى من باب الابتزاز الإنساني والسياسي.
هذا النهج الشرير في التعامل مع أزمات المنطقة ليست خطورته في الاتهامات المغرضة، بل في إطالة مراحلها، والنكوص عن الاتفاقات، ما يعيد في كل مرة إلى نقطة البدء، لكن مع تضاعف أعداد الضحايا وتوسع رقعة المعاناة الإنسانية التي لا تستوقف كثيراً جماعات الشر، إنما تستغلها في تجارتها الملعونة.
بهذا النهج، تضيع الفرص وتذهب جهود لجم الفتنة السودانية سدى، ويمكن، من باب التحسر، تقدير ما كان يمكن تلافيه من خسائر على الأقل منذ توقيع ما عرف بإعلان المبادئ في جدة منتصف 2023، أو الإنصات إلى كل دعوات وقف استهداف السلاح السوداني للسوداني وبيان ما يترتب على ذلك من نتائج كارثية هي، للأسف، واقع أمام أعين الجميع الآن.
ومرة أخرى، في ساحة جديدة، تنتشي جماعات الشر بالدم الذي يغري بالمزيد، ولا يعنيها إلا تشتيت الانتباه عن ذلك، وتصور أن اتهاماتها وأكاذيبها ستمنع الانشغال بأصل المأساة وجذورها التي حاولت خريطة الطريق الرباعية بيانها، ووضع تصور واضح لتجاوزها والانطلاق نحو المستقبل السوداني الذي عطله الصراع.
البيان الرباعي للإمارات ومصر والسعودية والولايات المتحدة الأمريكية في سبتمبر/أيلول الماضي، كان أحد المساعي التي حاولت قطع الطريق على اتساع رقعة الدم في السودان، محذراً من عبثية الرهان على السلاح وسيلة لحسم الصراع المرادف لأسوأ أزمة إنسانية في العالم. طالب البيان بهدنة تسمح بمد يد الغوث للمكتوين بنار الأزمة السودانية، وهذا أولوية في كل وقت، ثم البدء في مسار مدني ينهيها ويبعد عن الساحة جماعات التطرف والتهديد لأمن المنطقة والعالم، لكن يبدو أن استمرار شرها يخدم البعض.

[email protected]