رفع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استئناف بلاده التجارب النووية منسوب التوتر العالمي، وأعاد إلى الأذهان السباق المرعب للأسلحة النووية بين العملاقين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في أواسط القرن الماضي، قبل أن يتم تجميد المخاطر باتفاقيات بين البلدين تحظر التفجيرات النووية، وتحد من التسلح بذخائر الدمار الشامل، بضمانات من الأمم المتحدة لحماية الأمن والسلم الدوليين.
ذلك العصر يبدو أنه انقضى، وإذا كان الصراع قد اقتصر في السابق على قطبي العالم آنذاك، فإنه اليوم سيشمل جميع القوى النووية التقليدية، مثل الصين وفرنسا وبريطانيا، والمنتمية حديثاً إلى النادي النووي مثل الهند وباكستان وكوريا الشمالية، وقد يحفز دولاً أخرى على دخول السباق بتطوير مزيد من أسلحة الفتك والتدمير، وهو تطور بالغ الخطورة من الصعب على النظام الدولي بصيغته الراهنة تحمله، في ضوء ما يشهده من صراعات متفجرة وثأرات مكبوتة.
ويدفع إلى تقويض كل معاهدات حظر الأسلحة النووية، ويعيد العالم إلى ظلمات الحرب الباردة السابقة، حين كانت البشرية تحبس أنفاسها بشكل دوري مع إعلان الدول النووية الكبرى عن تفجيرات مرعبة في الفضاء وتحت الأرض وفي أعماق المحيطات، ومع كل تفجير يرتسم سيناريو مفترض لتدمير الحياة، مع شيوع نظريات الردع المتبادل عبر التدمير الشامل، ولم يتوقف ذلك الرعب إلا في منتصف تسعينيات القرن الماضي بعدما اتفقت الدول النووية الكبرى على وقف التجارب والعمل على إخلاء العالم من هذه الأسلحة الشيطانية التي لا تبقي ولا تذر.
عزم الولايات المتحدة العودة إلى التجارب النووية دليل آخر على تداعي النظام الدولي وارتباك القوة الأولى في العالم وخشيتها المتزايدة من فقدان الهيمنة والسطوة في مواجهة دولتين عظميين أخريين، هما الصين، التي بدأت تكتسح بشكل مدهش في المجال الاقتصادي والتكنولوجيا المتقدمة والتسلح، وروسيا، المنافس القديم لواشنطن، والعائدة إلى الساحة الدولية بعقلية مختلفة وترسانة ضخمة ومرعبة.
وإذا كانت الصين مازالت بعيدة من حيث المخزون النووي عن القوة الأمريكية، فإن روسيا تمتلك أكبر ذخيرة من أسلحة الدمار الشامل وتضاهي ما تمتلكه الدول الغربية مجتمعة. ونظراً لما تواجهه من تحديات جيوسياسية في أوكرانيا، فقد كثفت في الآونة الأخيرة تجربة عدد من الأسلحة فائقة القدرة، مثل صاروخ كروز وطوربيد يعملان بالطاقة النووية، وكلاهما قادر على ضرب أي نقطة في كوكب الأرض. وقد يكون هذان السلاحان قد استفزا الإدارة الأمريكية، وربما أوقعا ترامب في خلط بين الأسلحة التي تعمل بالطاقة النووية وتجارب القنابل النووية.
وسط السجال الواسع، يحاول المسؤولون الأمريكيون توضيح الموقف والدفاع عن قرار البيت الأبيض، معتبرين أن التجارب ستكون «مسؤولة»، وفي الوقت ذاته أعلنت روسيا والصين أنهما تتابعان الوضع، وقد تنضمان إلى المنافسة النووية.
وإذا بلغ الأمر تلك اللحظة، فسيكون العالم أمام فترة أكثر ظلمة وقلقاً مما سبق، وستكون التجارب منفلتة دون رقابة أو ردع، وهو ما سيخلق تحديات لا طاقة للبشرية بها، وإذا كانت الحرب النووية ستكون مستبعدة، فإن ما سينتج عن الاختبارات من نفايات نووية سيزيد من تضرر الغلاف الجوي، ويفاقم الاحتباس الحراري، ناهيك عن احتمال تسرب أمراض وفيروسات يكون خطرها طويلاً ولا تختلف تداعياتها عن أية حرب نووية.