عندما تدلف إلى معرض الشارقة الدولي للكتاب، تشعر كأنك تخطو عبر بوابة زمنية، حيث تتلاقى العوالم وتتقاطع الحكايات، وحيث لكل كتاب رائحته الخاصة، وكل صفحة تنبض بروح مؤلفها.. هذه النسخة الـ44، بشعارها الملهم: «بينك وبين الكتاب»، تبدو دعوة لتجربة شخصية، لرحلة وجدانية في عالم المعرفة والإبداع. في هذا الفضاء، لا حدود للأماكن ولا قيود للخيال، إذ يجمع المعرض 118 دولة، وأكثر من 2350 ناشرًا وعارضًا، يقدمون ملايين العناوين بلغات العالم، لتصبح كل زاوية، كل ركن، مغامرة بصرية وذهنية.
وفي هذا الامتداد اللانهائي من الكلمات، يلتقي القارئ بأكثر من 250 مبدعًا وأديبًا ومفكرًا من 66 دولة، يشاركونه حكاياتهم وأفكارهم وأحلامهم، في أكثر من 1200 فعالية، كأنها شرايين حروف تبث الحياة في جسد المعرفة. هذا العام يحمل المعرض لمسات معاصرة مبتكرة، فهناك أكاديمية التواصل الاجتماعي «بوب أب»، حيث تتناغم التقنية مع الأدب والفن، ويصبح الزائر جزءًا من حوار حي ومباشر مع المؤثرين والخبراء، لا مجرد متلقٍ صامت.. أما متجر «صيدلة الشعر»، فهو عالم ملهم من الوصفات الشعرية المخصصة لكل فرد يبحث عن الكلمات التي تصافح شغاف قلبه، وهناك أيضًا محطة البودكاست الصوتي، حيث تتحول الكلمات إلى أصوات تنساب في فضاء المعرض، كأنها موسيقى تروي قصص المكان والزمان.
تتسع آفاق المعرض لتشمل العالم، إذ يحتفي باليونان كضيف شرف، فبين الجدران المليئة بالكتب، نفتح للزائر أبواب حضارة غنية بالفلسفة والفنون والمعمار، لتذكّرنا بأن المعرفة رحلة لا تعرف الحدود. تشارك 58 دار نشر ومؤسسة ثقافية يونانية، ويستعرض كتّاب وشعراء ومسرحيون عالميون جوانب حضارة عريقة، كأنهم يبعثون فينا نبض التاريخ والفكر، لتصبح القراءة تجربة حسية متكاملة، نراها ونسمعها ونلمسها.
وعندما تبحث عن مظاهر الغموض، يأخذك مهرجان الإثارة والتشويق من 8 إلى 11 نوفمبر إلى أعماق عالم الأدب البوليسي وأدب الغموض، حيث تتشابك الحبكات، وتتنقل الشخصيات بين الواقع والخيال، ويظل قلبك مشدودًا لكل صفحة، كأنك تلاحق خيط الحقيقة المخبأ بين السطور.
معرض الشارقة الدولي للكتاب رحلة روحانيّة، حيث تتعانق العقول وتلتقي القلوب، وحيث يجد القارئ نفسه بين صفحات كل كلمة فيها تلامس أعماقه.. إنه مكان يتحول فيه الكتاب إلى رفيق، والصفحة إلى نافذة، والحرف إلى شعاع ينير درب الإلهام.. هنا، يصبح الشعار «بينك وبين الكتاب» أكثر من كلمات، إنه وعد بأن كل خطوة بين أروقة المعرض هي اكتشاف جديد، وكل عنوان جديد هو رحلة في أعماق الذات الإنسانية.
في معرض الشارقة للكتاب تدرك أن القراءة حياة تُعاش، وحلم يُصنع، ورحلة لا تنتهي من الحروف التي تصنع عالمك الداخلي قبل أن تصنع العالم الخارجي.