لم تحلْ كل حشود الحزب الجمهوري الأمريكي دون فوز زهران ممداني بمنصب رئيس بلدية نيويورك، ذلك أن هذا الفوز يعني أن أكبر مدينة أمريكية سقطت بأيدي الديمقراطيين، وهي المدينة التي كانت الرافعة المالية والسياسية للجمهوريين، عدا ما تمثله من ثقل للوجود اليهودي في الولايات المتحدة، إذ تضم لوحدها نحو مليون يهودي ما يجعلها أكبر جالية يهودية في العالم خارج إسرائيل.

لذلك شكلت انتخابات رئاسة بلدية نيويورك المفصل الأهم في الانتخابات التي شملت ثلاثة سباقات انتخابية: في فرجينيا، حيث فازت الديمقراطية أبيغيل سبانبرغر، وفي نيوجيرسي، حيث فازت الديمقراطية ميكي شيريل في انتخابات حاكم الولاية، ما اعتبر خسارة لترامب الذي برر هذه الهزائم بالقول: «عدم وجود ترامب على ورقة الاقتراع، والإغلاق الحكومي هما السببان وراء خسارة الجمهوريين انتخابات الليلة».

هذه الانتخابات أعطت الحزب الديمقراطي الذي يترنح تحت الانقسام زخماً كبيراً مع تطلعه إلى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس العام المقبل، لكن معركة ممداني في نيويورك كانت مختلفة تماماً، إذ تعرض لحملة ضغوط على خلفية معتقده الديني بصفته مسلماً، وبصفته كذلك مهاجراً من أصول هندية، ولكن جاءت أفكاره الاشتراكية التي طرحها في إطار برنامجه الانتخابي وفاز على أساسها، باعتباره تقدمياً صريحاً وصوتاً من جيل جديد.

الرئيس الأمريكي وصفه ب«شيوعي»، كما وجه نداء إلى يهود نيويورك لمنع وصوله إلى منصب رئيس البلدية، وكتب على منصة تروث سوشيال: إن أي يهودي يصوت لزهران هو «شخص غبي»، وأضاف أن ممداني المعروف بدفاعه عن القضية الفلسطينية «يكره اليهود».

وقبل يوم واحد من الاقتراع هدد ترامب بحجب التمويل الفيدرالي عن المدينة في حال فوز ممداني، وقال: «لن أسمح لهذا المجنون الشيوعي بإدارة نيويورك.. تأكدوا أنني أتحكم بجميع الأزرار وأمتلك جميع الأوراق».

بعد فوزه وجه ممداني في خطاب النصر رسالة تحدٍ إلى ترامب قال فيها إن «المدينة التي أنشأت ترامب هي ذاتها القادرة على هزيمته»، وأضاف متوجهاً إلى ترامب: «أعلم أنك تشاهدني، لدي أربع كلمات أوجهها إليك: ارفع الصوت!»، مشدداً على أن إدارته ستعمل على محاسبة الملاك الجشعين للعقارات قائلاً: «المليارديرات يتهربون من الضرائب ويستغلون الإعفاءات الضريبية». وأضاف: «إن نيويورك ستبقى مدينة المهاجرين، مدينة بنيت بالمهاجرين وتدار بهم»، وقال «ومن هذه الليلة فصاعداً، تقاد من قبل مهاجر».

وكان ممداني تعهد في حملته الانتخابية بسلسلة من الخطوات لتحسين الأوضاع المعيشية لمواطني نيويورك، حيث «يعاني ربع سكانها من الفقر، وهناك نحو 500 ألف طفل ينامون جائعين كل ليلة»، كما قال، ومن هذه الخطوات، توفير خدمة مجانية بالحافلات بين جميع أنحاء المدينة، وتجميد الإيجارات، وإنشاء سلسلة من متاجر البقالة المملوكة للمدينة تركّز على توفير الأسعار في متناول المستهلك، ورعاية شاملة للأطفال من عمر ستة أسابيع حتى خمسة أعوام، ومضاعفة إنتاج المساكن مستقرة الإيجار المبنية بأيدٍ نقابية ثلاث مرات.

يبدو أن هناك معركة حامية مقبلة بين الرئيس ترامب وممداني، إذ من المتوقع أن تكثف إدارة ترامب تطبيق قوانين الهجرة في مدينة نيويورك كما فعلت في لوس أنجلوس وشيكاغو، كما قد يلجأ ترامب إلى الطعن أمام المحاكم في سياسة ممداني، وحجب التمويل الفيدرالي عن المدينة إذا لم يلتزم بشروط التعاون مع وكالة الهجرة، وربما نشر قوات فيدرالية بذريعة تنفيذ أجندة مقاومة الجريمة، وذلك من أجل تعقيد مهمة ممداني وإفشال مشروعه.