كثيراً ما يتم استخدام مصطلحات سياسية في غير محلها أو لإخفاء المقصود منها، من خلال اللعب على الكلمات، وقد ازداد استخدام هذه المصطلحات في الآونة الأخيرة، خصوصاً خلال العامين الماضيين، رغم أن استخدامها ليس جديداً، بل شهدنا نماذج منها في كل الأزمات والحروب السابقة.
فالدول الغربية، خصوصاً الولايات المتحدة ومعها إسرائيل لا تبدأ الحرب بالسلاح بل بالكلام، وتسخير وسائل الإعلام والمسؤولين للقيام بمهمة التضليل من خلال التصريحات الملغومة التي لا تحمل معنى الحرب، بل المبطنة بمواقف تبدو أقرب إلى التهدئة فيما هي عكس ذلك.
وقد شاع مؤخراً مصطلح «الدفاع عن النفس» أو«عملية دفاعية» بدلاً من هجوم وعدوان، أو «تقديم مساعدات» بدلاً من التدخل أو «إعادة بناء الدولة» و«الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان» ويعني ذلك تدمير الدولة وإعادة بنائها بما يخدم مصالح وأهدافاً استعمارية وانتهاكاً لحقوق الإنسان، أو مصطلح استهداف «البنى التحتية»، أي تدمير منشآت ومؤسسات مدنية وقتل أبرياء لا علاقة لهم بالحرب، أو «الدعوة إلى المفاوضات» للتغطية على الاستعدادات للحرب، أو «الحرب على الإرهاب والمخدرات»، أي الغزو خارج القانون الدولي.
هذه المصطلحات تم استخدامها في السنوات الأخيرة لغزو واحتلال أفغانستان والعراق وتدميرهما ثم تركهما للفوضى والإرهاب، وكذلك في الحرب على قطاع غزة ولبنان وما حل بهما من كوارث، وفي العدوان على إيران، وفي محاصرة كوبا وفنزويلا وغيرهما، لتبرير العدوان وتصويره عملاً سياسياً أخلاقياً.
إنه منهج لغوي منظم للتضليل، فقبل إطلاق أول صاروخ، يتم إطلاق ألف مصطلح، وهو ما تحدث عنه اللغوي والمفكر الأمريكي نعوم تشومسكي حول المخاطر المذهلة للدعاية ودور وسائل الإعلام التي يتم استثمارها في تحقيق الأهداف والخطط التي تسبق أي عمل يخدم مصالح الدول والنخب من خلال الكذب وتكراره.
ففي كتابه «السيطرة على الإعلام» يفنّد تشومسكي حجم النفاق الذي يمارسه كبار الشخصيات والإعلام من خلال «البروباغندا»، وكيف أنها تستطيع تغيير أنظمة وإبادة شعوب، وإشعال حروب طاحنة عن طريق الترويج لمصطلحات وأخبار كاذبة، ونشر دعايات لا أساس لها من الصحة لتشكل مقدمة لعمل عسكري يكون قيد الإعداد، بهدف إقناع الناس بشرعيته وضرورته، وتشتيت رأي العامة عن القضايا الأساسية التي تهمها مثل البطالة والفقر والأزمات الاقتصادية وغياب العدالة الاجتماعية.
إن استراتيجية التضليل من خلال استخدام مصطلحات في غير محلها هي مثل القنابل الدخانية التي تُستخدم في المعارك للتمويه والتغطية على الجيوش والتحركات العسكرية، وهي تُمارس الآن على نطاق واسع في منطقتنا والعالم كجزء من صراع محتدم للسيطرة والهيمنة وإخضاع الشعوب لإرادة الأقوى والأكثر شراسة وبطشاً.
إن منطقتنا العربية هي الآن الأكثر معاناة من هذه المصطلحات، لأنها دخلت في بؤرة المخططات الإسرائيلية المدعومة أمريكياً للسيطرة عليها من خلال إعادة رسم جغرافيتها بما يحقق الأهداف الصهيونية التي تسعى حكومة نتنياهو المتطرفة إلى تحقيقها بالقوة بدعم معلن من الإدارة الأمريكية، تحت شعار مصطلح «القوة تصنع السلام»، أو «الحرب على الإرهاب»، أو «حرية الحركة».
ولعل المصطلح الأغرب والأكثر تضليلاً هو مصطلح «جيش الدفاع الإسرائيلي» وهو جيش للغزو والعدوان والتوسع وممارسة حروب الإبادة.
مصطلحات للتضليل
7 نوفمبر 2025 00:30 صباحًا
|
آخر تحديث:
7 نوفمبر 02:07 2025
شارك