منذ بدايات القرن العشرين، لم تعرف السياسة العالمية شخصية جمعت بين الفكر الاستراتيجي والرؤية الأخلاقية مثلما فعل زبغنيو بريجنسكي، أحد أبرز العقول التي صاغت ملامح السياسة الخارجية الأمريكية خلال الحرب الباردة وما بعدها. وقد جاء كتاب «زبِغ: حياة زبغنيو بريجنسكي، نبيّ القوة العظمى الأمريكية» للكاتب والصحفي البريطاني إدوارد لوس ليقدّم قراءة معمّقة في سيرة هذا المفكر والسياسي، الذي تحوّل من طفلٍ هارب من ويلات أوروبا إلى أحد أبرز مهندسي سقوط الاتحاد السوفييتي وصعود الولايات المتحدة كقوة عظمى.
يستعيد لوس في كتابه مسيرة بريجنسكي منذ نشأته في وارسو عام 1928، في قلب أوروبا التي مزّقتها النازية والحروب، حيث شكّلت مآسي وطنه بولندا واحتلالها المزدوج من قبل ألمانيا والاتحاد السوفييتي البذرة الأولى لوعيه السياسي. حمل الشاب المهاجر إلى أمريكا شعوراً عميقاً بالانتماء إلى الحرية، فحوّل تجربته الشخصية إلى مشروع فكري يقـــوم علـــى مقاومة الاستبداد بكل أشكاله، مؤمناً بأنّ القوة العظمى لا تكتمل من دون بوصلة أخلاقية.
يقول المؤلف إنه في التاسع من مايو/أيار عام 1945، وبينما كانت المدن الأوروبية والكندية تغمرها الأعلام احتفالاً بنهاية الحرب العالمية الثانية، كان الشاب ذو السبعة عشر عاماً زبغنيو بريجنسكي يعيش شعوراً متناقضاً بين الفرح والمرارة. 
كتب في مذكّراته يومها: «أعلنت ألمانيا استسلامها! المدينة مملوءة بالأعلام والزهور والفرح، غير أن البولنديين وحدهم لا يشاركون في هذا النصر». لم يكن ذلك الموقف مجرّد انفعال لحظيّ، بل تعبيراً عن وعي مبكر لطالب بولندي أدرك أن نهاية الحرب لا تعني بالضرورة بداية الحرية، وأن خلف فرحة العالم بالنصر تختبئ مأساة وطنٍ سُلِّم مجدداً إلى قبضة السوفييت. كانت تلك اللحظة، كما يقول المؤلف، الشرارة التي أيقظت في بريجنسكي شعوراً مبكراً بالرسالة والمسؤولية، وجعلته يربط بين المصير الشخصي والواجب التاريخي تجاه بلاده وأوروبا.
لم يكن موقفه من موسكو وليد الأيديولوجيا بقدر ما كان نتيجة تجربة حيّة مع الاحتلال والخذلان. فقد شهد بريجنسكي في طفولته انتفاضة وارسو عام 1944، حين دمّر الألمان العاصمة البولندية تحت أنظار الجيش الأحمر الذي امتنع عن التدخل. كتب لاحقاً: «لقد اجتاح السوفييت وارسو، ويدرك جميع البولنديين أن ما جرى ليس تحريراً، بل شكل آخر من الرعب».


مكانة بريجنسكي 


يتتبّع الكتاب مراحل صعود بريجنسكي في النخـــبة الأكاديمــية والســياسة الأمريكيــة، مــن دراســاته في جـــامعــة هارفارد إلــى عــمــله فــي جامعــة كولومبيا، حــيث تميــّز بقــدرته عــلى قراءة العقل السوفييتي وفهم نقاط ضعفـــه الداخليـــة، خصوصاً التناقضات القومية داخل الاتحاد بين الروس والأوكرانيين والبولنديين وسواهم. ومع تولّيه منصب مستشار الأمن القــومي في إدارة الرئيس جيـــمي كارتــر، تحــوّل من باحــثٍ في شؤون الشرق إلــى أحد صُــنّاع الـقـــرار العـــالميــين.
يركّز لوس على اللحظات المفصلية التي رسّخت مكانة بريجنسكي في تاريخ السياسة الأمريكية: من دعمه للمجاهدين الأفغان ضدّ الغزو السوفييتي في أواخر السبعينات، إلى علاقته المعقّدة مع الكرملين ومـــع البابـــا يوحنـــا بولس الثاني البولندي الأصل، الذي تقاطع معه في الرؤية حول حرية الشعوب الشرقية.
ويرى المؤلف أنّ هذه العلاقة بين المستشار والسيّد الروحي كانت واحدة من الأدوات الخفية التي مهّدت لانهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية.
كما يتناول الكتاب الصراع الفكري الذي جمع بين بريجنسكي وهنري كيسنجر، وهما رمزان متقابلان لمدرستين في فهم السياسة الدولية: كيسنجر الواقعي الذي ينظر إلى التوازن بوصفه أداة للهيمنة، وبريجنسكي الذي يرى في الحرية جوهر القيادة الأمريكية. هذه الخصومة الفكرية، التي امتدت لعقود، شكّلت ما يشبه المسرح الخلفي للصراع على معنى «الدور الأمريكي» في العالم.
يبرز بريجنسكي في الكتاب كمفكر مستقلّ لا ينتمي بالكامل إلى أي حزب أو تيار. فقد كان ناقداً شرساً لحرب العراق عام 2003، وواحداً من أوائل المؤيدين لباراك أوباما في 2008، إيماناً منه بضرورة استعادة الدبلوماسية الأمريكية لعقلانيتها بعد سنوات من الحروب. هذا الاستقلال جعله، كما يقول لوس، «يتيم التاريخ»، إذ لم تحتضنه المؤسّسات الحزبية رغم تأثيره العميق في تفكيرها.
يتميّز الكتاب ببنية سردية تجمع بين التوثيق التاريخي والسيرة الفكرية. لا يقدّم لوس بريجنسكي بوصفه بطلاً أو خصماً، بل كمرآة لتاريخ القرن الأمريكي، من الحرب الباردة إلى ما بعد العولمة.
في حياته التي بدأت مع صعود ستالين وانتهت مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض، تتجلّى دورة كاملة من صعود الإمبراطوريات وسقوطها، ومن تحوّلات السياسة إلى أزمات الهوية العالمية.
يرى المؤلف أنّ بريجنسكي كان أكثر من صانع قرار؛ كان مفكراً يحاول التوفيق بين الأخلاق والسياسة، وبين المثالية والواقعية.
لقد آمن بأنّ الولايات المتحدة لا تستطيع قيادة العالم إلا إذا وعت مسؤوليتها تجاه القيم التي تدّعي الدفاع عنها، وأنّ الخطر الأكبر عليها لا يأتي من خصومها الخارجيين بل من غياب رؤيتها الأخلاقية الداخلية.


تحليل السياق التاريخي


تتوزّع فصول الكتاب في أحد عشر فصلاً تسبقها مقدّمة تمهيدية يضع فيها المؤلف إدوارد لوس الإطار العام للسيرة وتحليل السياق التاريخي الذي نشأ فيه بريجنسكي. يبدأ الكتاب بفصل «وارسو بين الحربين» الذي يرسم ملامـــح وارسو في الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث تبلـــورت شخصية بريجنسكي في بيئة أوروبية مضطربــــة سياسياً وثقافيــاً. ثــــم ينتقل الفصل الثانــــي «بين عالمين» إلــــى طفولته وتجربته فــــي المنفى بين أوروبا وكندا، وما حملته من انقســـام بين الذاكرة والهوية الجديدة.
أما الفصل الثالـــث «بولندي في كامبريدج»، فيتناول انتقاله إلى جامعة هارفارد وبداياته الأكاديمية، حيث بدأ بتشكيل رؤيته الفكرية حول التوازن بين القوة والحرية. ويعرض الفصل الرابع «السقـــوط نحـــو واشنطن» مسيرته في العاصمة الأمريكية وتحوله من باحثٍ أكاديمي إلى أحد أبرز العقول الاستراتيجية في السياسة الأمريكية، في حين يتناول الفصل الخامس «الحمامة المحاربة» فلسفته السياسية التي جمعت بين الواقعية والحزم في مواجهة الاتحاد السوفييتي.
أما الفصول اللاحقة، فتتناول محطات النضج والتأثير في مسيرته، إذ يتناول الفصل السادس «سماء زبيغ» سنوات النفوذ الذهبي في إدارة الرئيس جيمي كارتر، ويعرض الفصل السابع «رمال أوغادين» مواقفه من التدخل الأمريكي في القرن الإفريقي في أواخر السبعينات.
وفي الفصل الثامن «غروب الحمائم»، يرصد الكاتب تحوّل المناخ السياسي في نهاية الحرب الباردة وصعود النزعات المحافظة في الولايات المتحدة. ثم يأتي الفصل التاسع «الآية والبابا» ليتناول علاقته المعقدة مع كل من الثورة الإيرانية والبابا يوحنا بولس الثاني، ودورهما المتباين في تفكيك النظام السوفييتي.
ويتناول الفصل العاشر «السنوات المحافظة» مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حين أصبح بريجنسكي صوتاً نقدياً ضد الحروب الجديدة وسياسات الهيمنة. 
ويُختتم الكتاب بفصل «معارك الخريف» الذي يتأمل فيه المؤلف إرث بريجنسكي الفكري والسياسي في سنواته الأخيرة، مسلطاً الضوء على صراعه مع تحولات العالم وصعود الشعبوية والانعزال الأمريكي.
في الختام، يقدّم هذا العمل صورة متكاملة لعقلٍ سياسي صاغ نصف قرن من العلاقات الدولية، واستشرف التحولات التي ما زالت ترسم ملامح القرن الحادي والعشرين.
ينجح إدوارد لوس في إعادة اكتشاف بريجنسكي كواحد من أعمدة الفكر الاستراتيجي في العالم المعاصر، وكصوتٍ ظلّ يذكّر واشنطن بأنّ القوة لا تكفي من دون وعيٍ يضبط مسارها.