د.أيمن سمير
هناك اتفاق على أن السلام يحتاج إلى أشخاص يفضلون بلادهم على مصالحهم الشخصية، لكن رفض حكومة بورتسودان مبادرة وقف إطلاق النار التي دعت إليها اللجنة الرباعية الدولية، يؤكد أن هناك حسابات خاصة للقوى التي تسيطر على مفاصل القرار في هذه الحكومة، وهي جماعة الإخوان والتيار الترابي، الذي ظل يحكم السودان على مدار 30 عاماً كاملة من 1989 حتى عام 2019، ورغم قبول قوات الدعم السريع مبادرة وقف إطلاق النار خرج الفريق أول عبد الفتاح البرهان ليرفض وقف إطلاق النار دون أي أسباب أو مبررات.

لتبرير المضي قدماً في الخيار العسكري، ورفض أي مقترحات أو مقاربات دبلوماسية، وفور سقوط الفاشر، انطلقت حملات تحريض غير مسبوقة من جانب سلطة بورتسودان وكل منتسبي التنظيم الدولي للإخوان على وسائل التواصل الاجتماعي ضد كل من يؤيد السلام ووقف الحرب، وتضمنت هذه الحملات التضليلية فيديوهات قديمة وقعت في نزاعات أخرى خارج السودان، وتوليد صور ومشاهد بالذكاء الاصطناعي بهدف إثارة نعرات الانتقام، وتغذية دورات العنف، وإطالة أمد الحرب، بهدف بناء حاضنة سياسية ترفض وقف إطلاق النار، وكل الشواهد تؤكد أن كل حملات التضليل هذه جرى تجهيزها وإعدادها قبل سقوط الفاشر التي تم محاصرتها لمدة 18 شهراً، وكان سقوطها حتمياً، وهو ما أتاح للتنظيم الدولي للإخوان خلال فترة الحصار التي امتدت لنحو 500 يوم رسم صور، وتصوير فيديوهات كشفت وكالات عالمية مثل وكالة الصحافة الفرنسية، وشبكة دويتش فيله، ومنصة المعلومات «يوراسيا» أنها مفبركة ومضللة بالكامل وليس لها علاقة بالواقع، وأن هذه الصور والفيديوهات خدعت الملايين حول العالم، والهدف منها ليس فقط تبرير الحرب بل تشويه الدول الداعية للسلام ووقف الحرب، التي ترفض منطلق وأكاذيب الإخوان في المنطقة العربية.

وتزامنت حملة التضليل التي اعتمدت على تكتيكات «الاستعطاف والاستضعاف» مع التخلص من أي شهود مستقلين على الأرض، ولهذا قام أنصار «كتيبة البراء» الإخوانية، والتيار المتطرف في السودان بطرد مديرة مكتب برنامج الغذاء العالمي في السودان، لوران بوكيرا، ومديرة قسم العمليات للبرنامج، سمانثا كاتراج رغم حاجة كل سوداني إلى دعم برنامج الغذاء العالمي حيث أشارت الكثير من الإحصائيات إلى حاجة نحو 30 مليون سوداني إلى مساعدات غذائية، وتشير تقارير أخرى إلى أن نحو 25 مليون شخص يواجهون «انعداماً حاداً» في الأمن الغذائي، وجاء طرد برنامج الغذاء العالمي لأنه أشار إلى تلوث الغذاء بأسلحة كيماوية في أكثر من موضع تسيطر عليها مجموعات البرهان العسكرية، وهو ما دفع الكثير من المنظمات الحقوقية السودانية لتجهيز ملف كامل عن استخدام كتائب الإخوان الأسلحة الكيماوية في الحرب، وكل هذا يطرح أسئلة كثيرة حول أهداف وغايات «استراتيجية العنف» التي يعتنقها تيار الإخوان والترابي في السودان، ودفعت البلاد إلى 4 حروب سابقة مع جنوب السودان، ودارفور، والنيل الأبيض، وقادت إلى مقتل نحو 2.3 مليون سوداني، بينما الحرب الحالية قتلت نحو 150 ألف شخص، وشردت 4 ملايين في دول الجوار. فما الأسباب التي دفعت حكومة بورتسودان لرفض المبادرة الرباعية؟ وما الأهداف والمصالح التي تجنيها من استمرار القتال رغم أن كل المؤشرات تقول إن هزيمة الفاشر يمكن أن تتكرر في كردفان، وربما في أم درمان والخرطوم؟
لماذا؟
هذه ليست المرة الأولى التي ترفض فيها جماعة الإخوان، التي يطلق عليها في السودان «الكيزان» وقف إطلاق النار، فمنذ 15 إبريل 2023 رفض البرهان، بتحريض من الإخوان وجماعات الترابي 20 مبادرة إقليمية ودولية أبرزها الانسحاب من مفاوضات جدة الأولى والثانية، ورفض مقررات مؤتمر دول جوار السودان في أغسطس عام 2023، وصولاً إلى رفض حكومة البرهان المشاركة في مفاوضات جنيف، وأخيراً رفض المبادرة الرباعية الأمريكية الإماراتية المصرية السعودية، وهناك سلسلة من الأسباب وراء تمسك مجموعة بورتسودان بإطالة زمن الحرب، وهذه الأسباب هي:

أولاً: تعويم وجسر للعودة
تقوم حسابات الإخوان في السودان والخارج على أن الاستمرار في الحرب هو فقط السبيل الوحيد «لإعادة تعويم» حكم الإخوان الذي انتهى بثورة الشعب السوداني نهاية 2018 وبداية 2019، ومن خلال حشد الكتائب والفرق العسكرية الإخوانية ضمن «قوات البرهان» يمكن إعادة السيطرة على مفاصل القرار، والعودة من جديد للحكم عبر «بوابة الحرب»، لأن القبول بـ«المبادرة الرباعية» التي طرحتها الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر في 11 سبتمبر الماضي يعني خروج الإخوان والكتائب الإخوانية من المعادلة، فالمبادرة الرباعية التي دعمتها الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، والهيئة الحكومية لتنمية شرق إفريقيا «الإيجاد» تدعو لهدنة إنسانية تستمر 3 شهور بهدف توصيل المساعدات الإنسانية إلى كل المناطق، على أن يتم إطلاق عملية «انتقال سياسي سلمي للسلطة» لمدة تسعة شهور، تؤدي في نهاية المطاف إلى قيام حكومة مدنية شرعية تحصل على ثقة المواطنين السودانيين، لأن كل التقديرات الإقليمية والدولية تقول إن المجموعات المسلحة التي تقف مع البرهان، بما فيها كتائب الإخوان ليس لها شرعية تمثيل الشعب السوداني منذ الانقلاب العسكري الذي قاده الجيش السوداني في 25 أكتوبر 2021 ضد الحكومة المدنية بقيادة عبد الله حمدوك حيث كان يعمل حمدوك، وأنصاره من التيار المدني على تفكيك نظام الإخوان والترابي في ظل تغلغل هذا التيار في كافة مفاصل الحياة السودانية قبل 30 عاماً من ثورة الشعب السوداني عام 2019، ولهذا ينظر التنظيم الدولي للإخوان أن مسار الحرب فقط يشكل «جسراً للعودة» للحياة السياسية، ومن خلال خلط أوراق الحرب، والمشاركة الإخوانية ضمن مجموعات البرهان يمكن مسح مسار القوى المدنية والثورة السودانية، وإجبار الدول الإقليمية والدولية على «إعادة تعويمهم» والاعتراف بهم ضمن أي مقاربة جديدة، فالحرب بالنسبة لهذا التيار هي فرصة لإعادة تشكيل المشهد السياسي بما يخدم مصالحها.

ثانياً: تصفية التيار المدني
ينظر الكيزان في السودان إلى أن القبول بالمبادرة الرباعية يعزز ويقوي التيار المدني، وتعتبر جماعات الإخوان في السودان والعالم أن التيار المدني السوداني يشكل خطراً وجودياً على نفوذها في البلاد، لأن هذا التيار هو الذي استطاع خلع نظام حكم الإخوان، وما يسمى بالحركة الإسلامية بعد 30 عاماً في الحكم، وهو الذي سيطر على المشهد في الفترة من يناير 2019 حتى انقلاب أكتوبر 2021، وهو المرشح أن يقود الحكومة بعد نهاية 12 شهراً التي تضمنتها المبادرة الرباعية التي تدعو لهدنة إنسانية لمدة 3 أشهر، وتسعة شهور أخرى لبناء مسار سياسي يقرر فيه الشعب السوداني طريقاً بعيداً عن الإخوان والحركات المسلحة، وكل هذا يعني نهاية الإخوان، وهذا هو سبب الهجوم على أي دولة أو مبادرة تدعو وتدعم وقف الحرب، ولهذا سوف تسعى مجموعات الإخوان إلى عرقلة أي حوار أو مسار يؤدي إلى قيادة مدنية في السودان، لأن ذلك يتعارض مع طموحاتها في استعادة الهيمنة السياسية من جديد.
ثالثاً: الهرب من المحاكمة
كل التقديرات السودانية تقول إن الإخوان ومن يدور في فلكهم كانوا السبب في اندلاع الحرب في 15 إبريل 2023، وإنهم السبب المباشر في كل الخسائر التي وقعت، والتي سوف تقع في السودان، وإن وقف الحرب سوف يحرك محاكمة كل من وقف وراء اندلاع هذه الحرب، وليس هذا فقط، فالمحكمة الجنائية الدولية تلاحق قيادات بارزة في حزب المؤتمر الوطني - الجناح السياسي لتنظيم الإخوان، ووقف الحرب الحالية قد يكون البداية لتسليم هذه القيادات إلى المحكمة الجنائية الدولية، ومن هذا المنطلق لا يمكن لهذه المجموعات العسكرية والسياسية التي التحمت مع جماعات البرهان الموافقة على وقف إطلاق النار، وهناك تقديرات تقول إنه جرى بالفعل «عزل» أي صوت داخل مجموعات البرهان يؤيد وقف إطلاق النار أو التعاطي بإيجابية مع المبادرة الرباعية.
رابعاً: شرعية استخدام القوة
عانى تنظيم الإخوان والتيار الترابي منذ عام 2019 فقدان الشرعية، ليس فقط لسقوط النظام الذي كان يمثله بل لأن المجتمع السوداني ونخبته السياسية حاولت قلع وخلع كل ما هو إخواني من مؤسسات الدولة السودانية، لكن من خلال إطالة زمن الحرب، والقتال إلى جانب الجيش تحت مسميات مثل «المقاومة الشعبية»، تسعى الجماعة المتطرفة إلى كسب الشرعية في استخدام القوة، وتبرير وجودها كطرف أساسي في أي معادلة أمنية أو سياسية مستقبلاً.
خامساً: المكاسب الاقتصادية
من خلال إطالة الحرب تعمل المجموعات المحسوبة على الإخوان في حكومة بورتسودان للحفاظ على شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والاستثمارات التي بنتها خلال فترة حكمها الطويلة، التي قد تكون مهددة في حال قيام دولة مدنية ديمقراطية أو وجود آليات مستقبلية للمحاسبة والشفافية، ويخشى الإخوان أن يؤدي وقف الحرب إلى عودة لجنة تفكيك التمكين والفساد، ولم تعد تلك المصالح الاقتصادية تتعلق بإخوان السودان فقط، فهناك ارتباط بين المصالح الاقتصادية خصوصاً في مجال الأراضي الزراعية بين إخوان السودان وأطراف خارجية تفعل كل شيء من أجل أن يظل الإخوان في قلب المعادلة الأمنية والعسكرية المستقبلية للسودان، ووقف الحرب في تلك الفترة -بعد التراجع الذي حدث في المثلث الحدودي، ودارفور، وكردفان- لا يعزز من مصالح الإخوان في السيطرة على مفاصل القرار داخل حكومة البرهان، الذين ظلوا يدعون أنهم فقط وراء الإنجازات والانتصارات التي حققتها مجموعات البرهان هذا العام في ود مدني وولاية الجزيرة، ومثلث العاصمة الذي يضم الخرطوم، والخرطوم بحري، وأم درمان.
ضغوط لوقف الحرب
رغم الرفض الكامل من جانب الإخوان وتيار الترابي لوقف الحرب والمبادرة الرباعية إلا أن المجتمع الدولي يملك الكثير من الأدوات حيث وضعت وزارة الخزانة الأمريكية سلسلة من الإجراءات ضد أي طرف يعرقل وقف الحرب، وبعد موافقة قوات الدعم السريع على وقف الحرب، وعلى خطوات المبادرة الرباعية يجري التفكير في الولايات المتحدة في إدراج الأفراد والجهات الإخوانية السودانية في قوائم الإرهاب، وفرض عقوبات مالية صارمة تشمل تجميد الأصول، وفرض قيود على التحويلات المالية مع حظر السفر، وتقليص حركة القيادات الإخوانية الرافضة لوقف الحرب، بما في ذلك أسرهم وشبكاتهم المالية، ويجري بشكل واسع التفكير في وقف الإمدادات العسكرية ومنع توريد الأسلحة وقطع الغيار للمجموعات التي تتبع البرهان بسبب رفضها وقف إطلاق النار، وسبق للولايات المتحدة أن فرضت عقوبات على قادة المجموعات العسكرية التابعة لبورتسودان وحلفائهم بسبب عرقلة جهود وقف إطلاق النار، وخلال العام الجاري جرى فرض عقوبات على الفريق عبد الفتاح البرهان، وجبريل إبراهيم أحد كبار الداعمين له مالياً وعسكرياً.
لكن هذه الخطوات تحتاج إلى دعم أكبر لإجبار الإخوان وحكومة بورتسودان على وقف الحرب عبر إقناع الدول الداعمة لمجموعات البرهان بممارسة مزيد من الضغط على «رافضي السلام»، وأنه في حال مواصلة الحرب سوف يفقد البرهان ومجموعاته المسلحة وداعموه من الإخوان والتيار الترابي أي دعم لوجستي أو مالي أو عسكري، وسبق للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش أن طالب ما يسمى بالجيش السوداني بوقف إطلاق النار.
الطبيعي أن خسارة مجموعات البرهان المثلث الحدودي، وكل ولايات دارفور الخمس، ومدينة بارا تدفع حكومة بورتسودان إلى تحيكم لغة العقل، والذهاب إلى طاولة المفاوضات. لكن من يعرف الجماعات الأيديولوجية المتطرفة يعرف أنها مستعدة للقتال حتى آخر مواطن من دون الاكتراث بما يعانيه الشعب السوداني منذ 15 إبريل 2023 حتى اليوم.