د.أيمن سمير

العالم مطالب بفرض أدوات ضغط لدفع بورتسودان للقبول بـ«المبادرة»

«الوطن ما هو.. هي حفنة تراب»، هكذا تصف جماعة الإخوان الأوطان في وثائقها، وتنشر هذا بين عناصرها ومنتسبيها، وبكل تأكيد فإن رفض إخوان السودان «المبادرة الرباعية»، التي يراهن عليها العالم لوقف الحرب الحالية، يجسد توظيف الإخوان العنف باعتباره «أداة» لتحقيق مآرب سياسية، ما يكشف إدمانهم عملية التخفي خلف الواجهات العسكرية، واستخدام الحروب لتحقيق غاياتهم دون الاكتراث بالنتائج الكارثية لهذه الحروب.

كان قادة «المؤتمر الوطني»، وهو الجناح السياسي لإخوان السودان يرددون دائماً أنهم لا يكترثون بما يسمى ب «وحدة النسيج الوطني»، ولهذا فقدت السودان معهم ثلث أراضيها عندما انفصل الجنوب عام 2011، ويهدد تمسكهم حالياً بخيار الحرب بانفصال دارفور، وتشظي وتقسيم باقي السودان حيث تساوي دارفور وحدها مساحة فرنسا، وكل ما يهم حكومة بورتسودان التي يسيطر عليها «التيار الترابي» هو «إعادة إنتاج» الإخوان ليس فقط كلاعب سياسي في مستقبل البلاد، بل كمحرك لكل التفاعلات السياسية والأمنية المستقبلية للسودان حتى لو أدى ذلك إلى تقسيم البلاد من جديد، وخروج دارفور وكردفان وجبال النوبة بعيداً عن راية الدولة السودانية. لكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون يتعلق بالأدوات التي سوف يعتمد عليها رافضو وقف الحرب لمواصلة القتال بعد أن أثبتت الأحداث خلال الشهور الماضية أن خيار الحرب ليس في صالح المجموعات المسلحة الداعمة للبرهان وكتيبة البراء، ويزيد من طرح هذه الأسئلة أن استمرار فصول الحرب لما يزيد على عامين ونصف أفرز مشاهد ووقائع على الأرض قد تجعل استعادة وحدة الدولة الوطنية السودانية من المستحيلات في ظل تشكل مجموعات عسكرية أخرى كثيرة في السودان، وهو ما يهدد بتحول السودان إلى كانتونات وجيوب دون سلطة مركزية موحدة يلتف حولها الشعب السوداني. فما الأدوات التي يراهن عليها فريق البرهان لمواصلة القتال؟ وهل بات السودان رهينة لمشروع الإخوان، أم أن السودان قادر على الانتفاضة ضد هذا المشروع المدمر للبشر والحجر؟

أدوات لمواصلة الحرب

كل الوثائق منذ المؤتمر العاشر لتأسيس الإخوان عام 1939 ترى في العنف وسيلة للانفراد بالحكم، الأمر الذي يكشف أن التنظيم الظلامي يقوم على سياسة الإنكار والخوف من الفشل الذي يدفعه دائماً إلى تحويل هذا الشعور إلى عنف تجاه المنافسين السياسيين وشركاء الوطن، وتنعكس حالة الإنكار الحالية على عدم الاعتراف بالخسائر التي لحقت بالمجموعات المسلحة الداعمة لحكومة البرهان في الفاشر وكردفان والمثلث الحدودي، والرفض الهستيري لأي حلول أو مبادرات سلمية رغم إقرار العقلاء في السودان وخارجه بأنه قد حان وقت الدبلوماسية بعد فشل «خيار البندقية» في سيطرة طرف واحد على كل الأراضي السودانية، ففي يقين الجماعة الراديكالية أن المبادرات السلمية، وأخرها «المبادرة الرباعية» يمكن أن تفقدهم سيطرتهم على «المؤسسات الصلبة» مثل الجيش والشرطة والنيابة العامة والقضاء، ولهذا لجأ التيار المتطرف في السودان إلى عدة أدوات ووسائل لمواصلة الحرب وتجاهل دعوات السلام، وهذه الوسائل هي:

أولاً: جمهورية المجاميع المسلحة

بدلاً من العمل على لم الشمل، وتوحيد البلاد شجع الإخوان على تشكيل مجموعات مسلحة في كل مكان وإقليم ومدينة بهدف دعم هدفهم الرئيسي في إطالة زمن الحرب، وبعد نحو 30 شهراً من الحرب التي اندلعت في 15 إبريل 2023 تحول السودان إلى ما يمكن تسميته ب«جمهورية المجاميع المسلحة» بعد أن بات هناك نحو 110 مجموعات مسلحة متباينة الانتماءات والمصالح، وينتمي لها نحو مليون عنصر مسلح حيث تتوزع هذه المجموعات المسلحة على مساحات جغرافية وأيديولوجية وقبلية حيث يخشى الحريصون على وحدة السودان أن تؤسس هذه المجموعات المسلحة واقعاً عسكرياً يكون وقوداً لحروب دائمة وطويلة. وقادت دعوة الفريق البرهان لتشكيل ما يسمى بكتائب المقاومة الشعبية في الأسبوع الأول من اندلاع الصراع الحالي إلى تشكيل سلسلة من المجموعات المسلحة التي تعمل مع حكومة بورتسودان تحت ما يسمى بالقوة المشتركة، منها ما يسمى بحركة العدل والمساواة التي يقودها جبريل إبراهيم الذي أصبح وزيراً لمالية البرهان، وفرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات هذا العام، وشكل إخوان السودان عدداً كبيراً من المجموعات المسلحة منها ما يسمى بالفيلق الشبابي، وكتائب البرق الخاطف، ولواء الفرقان، والشهب الحارقة، وسجيل، وجنود الحق، وفيلق كردفان، وكتيبة البراء بن مالك، وقوات الدفاع الشعبي، وكتائب الظل، وقوات هيئة العمليات، والخلية الأمنية، ودرع البطانة التي تحول اسمها إلى درع السودان، التي يقودها أبو عاقلة كيكل، وفي شرق السودان هناك نحو 10 مجموعات مسلحة أبرزها «الأورطة الشعبية»، والحركة الشعبية للعدالة والتنمية، وحركة تحرير شرق السودان، ومجموعات مسلحة تحت اسم «درع شرق السودان»، وفي الشمال تشكلت عناصر «كيان الشمال»، وأولاد قمري، وفي كردفان تقاتل ما تسمى ب«قوات حلف الكرامة»، وتحالف كردفان، وأسود الجبال بجانب حكومة بورتسودان، بالإضافة إلى قوات شعب الوسط في ولاية الجزيرة، وتتجسد خطورة هذه المجموعات المسلحة في أن حكومة بورتسودان زودتها بأسلحة متقدمة مثل الطائرات المسيرة، وصواريخ الكورنيت، وهو ما يحول هذه المجموعات المسلحة إلى «قنبلة موقوته» حتى بعد وقف إطلاق النار، وسوف يشكل هؤلاء تحدياً سياسياً وعسكرياً غير مسبوق لأي محاولة مستقبلية لبناء دولة موحدة وتأسيس جيش وطني على أسس مهنية.

ثانياً: حروب جهادية

رغم أن كل الحروب السودانية كان هدفها السيطرة والهيمنة والاستحواذ على المال والسلطة، إلا أنه من أجل ضمان بناء حاضنة شعبية وسياسية لجأ الإخوان إلى صبغ كل الحروب التي دخلوها بالصبغة الدينية الأيديولوجية، وجرى تحويلها إلى «حروب جهادية أيديولوجية» من خلال قراءة سياسية تبرر الصراع وقتال الخصم بادعاء أن البرهان ومن معه في «معركة شرعية جهادية»، بمعنى إعادة توجيه الصراع السياسي، كأنه صراع ديني يتوجب على الجميع أن يشاركوا فيه ويضحوا من أجله، وسبق للإخوان خلال فترة حكمهم أن سمحوا بدمج عناصر أيديولوجية داخل الجيش والشرطة وجهاز المخابرات، وتوظيف تشكيلات مسلحة تعمل باسم الدين، وتوثيق العلاقة مع جماعات جهادية عابرة للحدود مثل العلاقة التي كانت قائمة بين حسن الترابي وأسامه بن لادن، وحالياً تشير الكثير من التقارير إلى علاقة قيادات في حكومة بورتسودان بجهاديين في إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، وجلب عناصر منهم للقتال بجانب مجموعات البرهان، ويستخدم الفريق الداعم للبرهان الإعلام والمساجد والمناهج التعليمية لتقديم «رواية دينية» تبرر القتال لإطالة زمن الحرب، كأنه دفاع عن الدين وليس دفاعاً عن المصالح الاقتصادية والسياسية لقادة التيار الظلامي والترابي في البلاد، ومن يراجع أي خطاب للبرهان أو تعليقات البيئة الداعمة له يتأكد أنها خطابات عسكرية مرفقة بتفسيرات دينية بهدف التمكين والتعبئة العسكرية، وصار النزاع من وجهة نظرهم، كأنه معركة دفاع عن الدين أو الأيديولوجيا، ولهذا تتسم جميع خطابات قادة حكومة بورتسودان بالدعوة للنزول إلى «الجهاد»، وكل ذلك يساهم في تحويل الحرب إلى «حرب جهادية» يسهل من خلالها تعبئة المجتمعات المحلية، وإضفاء شرعية على قتال الآخر، وجذب ما يسمى ب«الجهاديين» الأجانب، وكل ذلك من أجل رفض وقف الحرب، بل ووصف من يدعو للسلام والوحدة والتسامح ب«الخائن»، وهو أمر يحول العنف إلى «مشروع سياسي». ووفق دراسة أعدتها جامعة أوبرن الأمريكية فإن هناك شبكة فكرية وتنظيمية معقدة زرعها الإخوان في مؤسسات الدولة والمجتمع منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي أعادت إنتاج نفسها عبر واجهات مدنية ودعوية وثقافية تساهم حالياً في الترويج للخطاب الأيديولوجي الداعم لاستمرار الحرب، ومن أبرز الجمعيات التي يعتمد عليها الإخوان لتبرير استمرار الحرب حالياً جمعية الدعوة الإسلامية، ووكالة الإغاثة الإسلامية الإفريقية، وجمعية علماء السودان، وكل ذلك ضمن هندسة اجتماعية واقتصادية شاملة جعلت من الدين والمال والتعليم أدوات لإعادة توجيه المجتمع نحو كراهية الآخر والاستعلاء عليه تمهيداً لتبرير قتاله وعدم التصالح معه.

ثالثاً: تجنيد الأطفال

بدلاً من الاستماع إلى صوت العقل، وحسابات الواقع، ونداء السلام، صدم الشارع السوداني خلال الأيام الماضية من مشاهد «استنفار جماعات الكيزان» في كل المناطق التي تسيطر عليها سلطة «بورتسودان» عندما شاهدوا كيف يتم تجنيد الأطفال للزج بهم في معركة كردفان القادمة، فبعد سيطرة قوات الدعم السريع على كل مدن وولايات دافور، ومدينة بارا القريبة من الأبيض عاصمة كردفان تراهن «كتيبة البراء» التابعة لإخوان السودان وتيار الترابي على حشد آلاف الأطفال لحسم معركة كردفان، وهي جريمة ليس فقط وفق القانون الدولي وقانون الطفل العالمي بل وفق القوانين السودانية نفسها، وبعد مقتل نحو 150 ألف شخص، وحرمان نحو 15 مليون طفل من الدراسة يسعى أصحاب القرار في سلطة بورتسودان من الإخوان والتيار الراديكالي إلى استغلال عدم ذهاب هؤلاء الأطفال إلى المدارس، والزج بهم في ساحات القتال، الأكثر من ذلك أن بعض الولايات التي كان يعمل بها عدد قليل من المدارس أصر الإخوان على إغلاقها حتى لا يكون أمام هؤلاء الأطفال إلا خيار واحد هو الذهاب إلى جبهات القتال، وفق ما رصدت اليونيسيف وعدد من وكالات الأمم المتحدة.

وحتى تكون الجريمة كاملة يجري تلقين وتحفيظ هؤلاء الأطفال شعارات وتعبئه نفسية وسياسية لكراهية باقي مكونات الشعب السوداني، وهي دعاية كان يعمل بها «التيار الترابي» منذ السيطرة على الحكم عام 1989، واستمرت معهم 30 عاماً، وهو ما قاد إلى كوارث سياسية واجتماعية غير مسبوقة منها الجرائم التي تم ارتكابها في دارفور بداية من عام 2003، وكل من يراجع الحروب السودانية التي جرت خلال العقود الثلاثة في دارفور والجنوب وكردفان والخرطوم يتأكد له أن الإخوان حشدوا فيها آلاف الأطفال، وبعد الخسائر البشرية الهائلة في معركتي الفاشر وبارا يعمل داعمو البرهان على تجنيد أكبر عدد من الأطفال بهدف تحقيق «الوعد الوهمي» الذي تم إطلاقه يوم 15 إبريل 2023 بالسيطرة على كل الأراضي السودانية، وساهم انشقاق بعض القادة العسكريين بعناصرهم القتالية عن حكومة بورتسودان في سعي البرهان ومن معه لتعويض كل ذلك بتجنيد الأطفال حيث تشير بعض التقديرات- غير الرسمية - إلى مقتل أكثر من 30 ألف عنصر تابعين لسلطة بورتسودان خلال العام الجاري في الجبهات الثلاث وهي دارفور وشمال كردفان والمثلث الحدودي.

ويزيد تجنيد الأطفال لدى الحركات والمجموعات التابعة للإخوان في السودان من معاناة الأطفال حيث كشفت الأمم المتحدة أن نحو 10 ملايين طفل سوداني تعرضوا لعنف وحشي نتيجة الهجمات سواء العشوائية أو المتعمدة، وقادت هذه البيئة العدائية إلى أن أصبح أطفال السودان هدفاً لعصابات الجريمة المنظمة، والتجنيد الإجباري في ساحات القتال خصوصاً الأطفال غير المصحوبين بذويهم، والأطفال الفقراء، وعلى سبيل المثال جرى تسليم البنادق الآلية لأطفال لم يتجاوزوا 10 سنوات في بعض الولايات، رغم أن القانون الدولي يمنع الطفل أقل من 18 عاماً من حمل السلاح والقتال بجانب أي جماعة، وذلك وفق نصوص الإعلان العالمي للطفل لعام 1948، واتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل لسنة 1989، واتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949، كما يعرف «نظام روما الأساسي» تجنيد الأطفال في القوات أو الجماعات المسلحة بأنه «جريمة حرب».

تشكل «المبادرة الرباعية» فرصة جديدة لوقف الحرب المستعرة في السودان، لكن «الكيزان» يصرون من جديد على تحويلها إلى «فرصة ضائعة»، وهو ما يستوجب أن يكون لدى المجتمع الدولي أدوات ضغط لدفع بورتسودان للقبول بالمبادرة الرباعية كما قبل بها الدعم السريع، فاستمرار الحرب لا يعني فقط معاناة السودانيين ودول الجوار بل تمهد لإطالة فصول الحرب إلى تقسيم الدولة السودانية، وهو خطر يهدد استقرار القارة الإفريقية برمتها.

[email protected]