منذ اندلاع الحرب الأهلية في السودان والذي يعاني حالياً ويلاتها للعام الثالث، سجلت الإمارات موقفاً إنسانياً راسخاً بتمسكها بالحلول السلمية، والدعوة إلى وقف فوري إلى إطلاق النار، ومحاسبة مرتكبي الفظائع والانتهاكات الإنسانية والجرائم المروّعة بحق المدنيين، ووضع حد لمعاناة عشرات الملايين الذي باتوا يشكلون «أكبر أزمة إنسانية في العالم»، وذلك عبر حل سلمي تفاوضي يفضي إلي إسكات المدافع.
ومنذ بدأ الصراع في إبريل/ نيسان 2023، طالبت دولة الإمارات بضرورة توفير الحماية الكاملة للمدنيين من طرفي الحرب، وتقديم المساعدات الإنسانية لنحو 30 مليون إنسان، مدينة في هذا السياق الهجمات المشينة ضد المدنيين، مشددة على ضرورة الامتثال للقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك توفير ممرات إنسانية، ودعت المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن الفظائع.

إدانة هجمات الفاشر


وفي هذا الصدد دانت الإمارات الشهر الماضي، الهجمات المشينة ضد المدنيين في مدينة الفاشر السودانية، معتبرة أنها «انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي»، ودعت قوات الدعم السريع إلى «ضمان حماية المدنيين، وأمن وسلامة العملية الإنسانية» وأكَّدت ضم صوتها إلى النداءات والمطالب الدولية، بضرورة ممارسة طرفي الحرب ضبط النفس الكامل، ووقف كل استهداف للمدنيين.
وقال السفير محمد أبوشهاب، المندوب الدائم للإمارات لدى الأمم المتحدة في بيان أمام مجلس الأمن الدولي: إن الأطراف المتناحرة في السودان يجب أن تمتثل للقانون الإنساني الدولي، وتوفير ممرات إنسانية لتسهيل عمليات الإغاثة، ودعا المجتمع الدولي إلى ضمان تقديم كل المسؤولين عن الفظائع إلى العدالة، وأشار إلى أن «الجيش السوداني والدعم السريع استبعدا نفسيهما من تشكيل مستقبل البلاد ويجب تقبل هذه الحقيقة»، وأكد أن المعاناة الإنسانية في السودان تتعمق كل يوم، معتبراً أن من يدفع ثمن هذه الحرب: النساء والأطفال وكبار السن.
 

قرقاش: البيان الرباعي هو الملاذ الوحيد لإنقاذ السودان


واعتبر الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السموّ رئيس الدولة، أن موقف دولة الإمارات تجاه الأزمة في السودان يقوم على رؤية متكاملة، ذات أبعاد إنسانية وسياسية واضحة، مشدداً على ضرورة منع عودة «دكتاتورية الماضي»، وإتاحة المجال أمام انتقال مدني حقيقي يعبّر عن إرادة الشعب السوداني، مضيفاً أن السودان لديه 30 مليون شخص بحاجة إلى التغذية والطعام، و9 ملايين نازح، مؤكداً أن البيان الرباعي الأخير هو الملاذ الوحيد لإنقاذ السودان.
وأضاف قرقاش: «في ما يتعلق بالناحية الإنسانية، فإن الإمارات لا تزال واحدة من كبرى الجهات المانحة في السودان، لكننا نعاني محدودية الوصول، وهذا في غاية الأهمية».
وتابع المستشار الدبلوماسي لصاحب السموّ رئيس الدولة: «ونحن نتحدث عن الجانب الإنساني، فإن الإمارات تدين بوضوح جميع الفظائع في الفاشر، كما تدين جميع الفظائع التي هي جزء من هذه الحرب الأهلية الوحشية».
وأشار إلى أنه «حتى الادعاءات والتهم المتعلقة باستخدام الجيش للأسلحة الكيميائية ضد المواطنين السودانيين، يجب التحقيق فيها على النحو الواجب، ويجب تقديم الجناة إلى العدالة.

ويعاني الشعب السوداني تداعيات النزاع المدمر، بما في ذلك القصف العشوائي، الإعدامات، العنف الجنسي، استخدام الأسلحة الكيميائية، وعرقلة المساعدات كسلاح، وعبرت دولة الإمارات في هذا الصدد عن قلقها البالغ، مؤكدة موقفها الواضح ضد هذه الفظائع، وتدعو لوقفها لتمكين الحلول السلمية، مع الضغط لاحترام القوانين الدولية.

دعوة الإمارات للسلام والحل السياسي


- ويتمثل موقف الإمارات الراسخ من الأزمة في الوقف الفوري الدائم لإطلاق النار، وإيصال المساعدات عبر الحدود وخطوط النزاع، والضغط على الأطراف للحوار لإنهاء الحرب، إذ إن السلام يتطلب حلاً سياسياً يركز على مصالح الشعب السوداني، رافضة التصعيد العسكري الذي يعيق الجهود الإنسانية، داعية في هذا الإطار المجتمع الدولي لتسمية من يعرقل المساعدات، ويرفض مبادرات السلام، ومحاسبتهم لتفاقم معاناة السودانيين، تأكيداً على التزامها بالمساءلة الدولية، معتبرة تسمية المعرقلين خطوة أساسية لتعزيز الجهود الإنسانية، مع رفض استغلال المساعدات سياسياً، وتعزيز التعاون لضمان تدفقها.
وترى الإمارات عدم وجود حل عسكري للصراع السوداني، حيث لم تضع الأطراف مصالح الشعب في الأولوية، وتدعو لعملية انتقالية مستقلة عن المتحاربين، تفضي لحكومة مدنية بعيدة عن المتحاربين والمتطرفين، داعمة في هذا السياق بيان الرباعية الدولية في 12 سبتمبر 2025 الذي أكد ضرورة إنهاء الحرب وسيادة السودان ووحدته، وعملية انتقالية شاملة تتسم بالشفافية تفضي لحكومة مدنية، مع دور أمريكي محوري بالشراكة مع الإمارات والسعودية ومصر، معتبرة البيان خطوة حاسمة نحو السلام الإنساني والسياسي.
وحذر بيان الرباعية الدولية من تداعيات الدعم العسكري الخارجي لأطراف النزاع في السودان وتأثيره في عدم الاستقرار الإقليمي، داعياً إلى عدم منح المجال للأطراف الإقليمية والمحلية المزعزعة للاستقرار الساعية للاستفادة من استمرار النزاع في السودان.

دعم إماراتي للسودان في المحافل الدولية



- ولم تتوان الإمارات عن دعم سبيل المفاوضات والسلام منذ بدء الصراع في السودان عام 2023، عبر محافل دولية مثل اتفاق الرباعية مع الولايات المتحدة والسعودية ومصر، إضافة إلى منبر جدة والمنامة وجنيف وواشنطن. كما دعت إلى هدنة إنسانية لثلاثة أشهر لتمكين الدخول السريع للمساعدات الإنسانية إلى أنحاء السودان، ثم وقف دائم لإطلاق النار فوري بشكل يؤدي إلى إطلاق عملية انتقالية شاملة وإبرامها في غضون تسعة شهور نحو إقامة حكومة مستقلة مدنية بقيادة تتمتع بشرعية ومسؤولية واسعة النطاق
وتؤكد الإمارات على أنه لا يوجد حل عسكري للحرب، وأنه يجب أن لا يكون لسلطة بورتسودان، وقوات الدعم السريع دور مستقبلي في حكم السودان، مؤكدة التزامها بدعم عملية يقودها مدنيون تضع احتياجات الشعب السوداني فوق مصالح أي طرف، متعاونة في هذا الإطار مع الشركاء الإقليميين والدوليين لإيجاد حل سلمي للصراع، ووقف إطلاق النار، وبدء حوار سياسي يحقق للسودانيين تطلعاتهم في التنمية والازدهار.

مكافحة التضليل


كما أعربت الإمارات عن قلقها البالغ إزاء تصاعد أعمال العنف في السودان، لا سيما التقارير بشأن العنف الجنسي ضد النساء والفتيات، وتزايد الجوع، واستمرار تشريد المدنيين من منازلهم، مشددة على ضرورة أن ينعم المدنيون بالحماية الكاملة، وألا يكونوا هدفاً للصراع، محذرة في الوقت نفسه من حملات التضليل التي تشوه الحقائق، وتصرف الانتباه عن جهود السلام، بإطالة أمد الصراع وزيادة المعاناة، مطالبة بالتركيز على مسار انتقالي مدني مستقل، بعيداً عن التضليل الإعلامي.
وتدين الإمارات في هذا السياق، الادعاءات الزائفة والحملة الممنهجة من قبل ما تسمى ب«سلطة بورتسودان» أحد أطراف الحرب الأهلية والتي تعمل على تقويض الجهود الرامية إلى إنهاء النزاع واستعادة الاستقرار، معتبرة أن هذه المزاعم الباطلة جزء من نهج مقصود للتهرب من المسؤولية وإلقاء اللوم على الآخرين، والتنصل من تبعات أفعالهم، بهدف إطالة أمد الحرب وعرقلة أي مسار حقيقي للسلام.

مساعدات بالمليارات لإغاثة السودان



- ولم يكن الدعم الإماراتي قاصراً على فترة الصراع الأخير، إذ تصل قيمة المساعدات الإماراتية للسودان بين عامي 2015-2025، نحو 4.24 مليار دولار أمريكي، شملت مشاريع ومبادرات إغاثية وتنموية داخل السودان وفي عدد من الدول المجاورة.
ومنذ اندلاع النزاع في عام 2023، قدّمت الإمارات 681.8 مليون دولار أمريكي مساعدات إنسانية مباشرة استفاد منها أكثر من مليوني شخص.
كما تعهدت الإمارات بتقديم 200 مليون دولار أمريكي خلال المؤتمر الإنساني رفيع المستوى من أجل شعب السودان الذي انعقد في أديس أبابا في 14 فبراير/شباط 2025.

ـ 162 طائرة وسفينة واحدة


في إطار الجسر الجوي والبحري الذي أطلقته الإمارات لإيصال المساعدات، تم تسيير 162 طائرة وسفينة واحدة، نقلت 12,710 أطنان من المواد الغذائية والطبية والإغاثية.
وتم توزيع 6,388 طناً من المساعدات الغذائية و280 طناً من الإمدادات الطبية داخل السودان لدعم المتضررين من النزاع، بينما وصلت 5,542 طناً من المساعدات إلى تشاد دعماً للاجئين السودانيين، و200 طن إلى أوغندا لتوفير الغذاء والإغاثة وحفر 3 آبار وإنشاء 10 مرافق صحية، إضافة إلى 300 طن من المساعدات إلى جنوب السودان لتلبية الاحتياجات العاجلة للاجئين.

ـ خدمات طبية لـ 90,889 حالة


شملت الجهود الميدانية تشييد مستشفيين ميدانيين في مدينتي أمدجراس وأبشي في تشاد قدّما خدمات طبية لأكثر من 90,889 حالة، إلى جانب افتتاح مستشفى في منطقة مادهول بولاية بحر الغزال في جنوب السودان، كما قدّمت الإمارات دعماً مباشراً ل 127 منشأة صحية في 14 ولاية سودانية.
وفي السياق ذاته، خصصت الإمارات 70 مليون دولار أمريكي لوكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية العاملة في السودان، و30 مليون دولار لدعم اللاجئين في دول الجوار، منها 25 مليون دولار لبرنامج الأغذية العالمي، و20 مليون دولار للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، و8 ملايين دولار لمنظمة الصحة العالمية، و5 ملايين دولار لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، و5 ملايين دولار لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، و7 ملايين دولار لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف).