يقول الروائي البريطاني جورج أورويل: «إن الجوع ليس مجرد ضعف بيولوجي، بل هو أداة قمع سياسي واجتماعي قادرة على تدمير الفكر، وتقييد حرية الإنسان، لأن الجوع يجعل الإنسان مهووساً بالحصول على لقمة العيش، ما يمنعه من التفكير في أي شيء آخر كالتعليم أو الحرية أو حتى الكرامة».
نعيش في عالم تطحنه الحروب والأزمات السياسية والبيئية والاقتصادية، وتنعدم فيه العدالة والمساواة، وتتقلص فيه القيم الإنسانية، ويطغى التوحش الرأسمالي، ومعه يتم طحن الإنسان، حيث بات الملايين يعانون جوعاً قاتلاً، يصل إلى حد الكارثة الإنسانية غير المسبوقة.
في تقرير مشترك صادر عن «منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة» (الفاو)، وبرنامج الأغذية العالمي، يحذر من تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي الحاد في 16 دولة، وصفت بأنها «بؤر الجوع» في العالم، حيث يؤدي تفاقم التمويل إلى زيادة حجم الأزمة. ذلك أن معظم دول العالم، وخصوصاً الدول الغنية تعمل على زيادة إنفاقها العسكري من أجل الحروب، وتمتنع عن المساهمة في تمويل المنظمات الإنسانية الدولية، أو تقدم مساهمات لا تغطي حاجات هذه المنظمات.
يقول التقرير، إن النزاعات والحروب والعنف تشكل السبب الرئيسي لانعدام الأمن الغذائي الحاد في هذه الدول، ومن بينها هايتي ومالي والأراضي الفلسطينية وجنوب السودان والسودان واليمن، حيث يواجه السكان «خطراً وشيكاً لجوع كارثي». كما اعتبر التقرير أفغانستان والكونغو الديمقراطية وبورما ونيجيريا والصومال وسوريا وبوركينا فاسو وتشاد وكينيا ولاجئي الروهينغا في بنغلاديش «محل قلق بالغ».
المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي سيندي ماكين أطلقت تحذيراً قالت فيه: «نحن على شفير كارثة جوع يمكن تجنبها، وتهدد بتفشي المجاعة على نطاق واسع في العديد من البلدان»، محذرة من أن «عدم التحرك السريع سيؤدي فقط إلى مزيد من عدم الاستقرار والهجرة والنزاعات».
وقال شو دنيو، المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة إن «الصراعات لا تزال المحرك الأساسي للجوع، لكن الصدمات المناخية، وعدم الاستقرار الاقتصادي يزيدان من حدة الأزمة، تاركين الملايين من دون شبكة أمان».
أشار التقرير أيضاً إلى أن تمويل الإغاثة الإنسانية يعاني «نقصاً خطيراً» إذا لم يتم جمع 10.5 مليار دولار من أصل 29 مليار دولار مطلوبة، لمساعدة المعرضين للخطر.
إن المجاعة ليست قدراً محتوماً، إنما نقص الموارد والإرادة السياسية، وتجاهل ما يواجهه العالم من أزمات، والإمعان في الإضرار بالبيئة، وتشويه صورة الأرض، كلها عوامل تزيد من الجوع والفقر والأمراض، إضافة إلى تزايد الأزمات والحروب الداخلية التي تؤدي إلى العنف والهجرة.
العالم مطالب بأن يتجاوز كل الخلافات، ويعمل على إيجاد بيئة إنسانية قادرة على مواجهة هذه الأزمات، من خلال اتخاذ خطوات عاجلة واستباقية، واستثمار في تعزيز القدرة على الصمود، لمعالجة الأسباب الجذرية لهذه الأزمات بروح جماعية تحقق الأمن والاستقرار للعالم... لأن أي تأخير في التحرك سيكلف أرواحاً يمكن إنقاذها ويزيد من الكلفة الإنسانية على المدى الطويل.
لو أن العالم يقتدي بدولة الإمارات التي قدمت حتى منتصف عام 2024 أكثر من 368 مليار دولار، كمساعدات إنسانية لمختلف دول العالم، لأمكن إنقاذ المنظومة الإنسانية، ولما كانت «بؤر الجوع» وصلت إلى هذا الحد.
بؤر الجوع تتسع
14 نوفمبر 2025 00:42 صباحًا
|
آخر تحديث:
14 نوفمبر 02:45 2025
شارك