الشارقة: عثمان حسن

«جسد موشوم بالرثاء»، هي رواية للكاتبة الزيمبابوية تسيتسي دانغاريمبغا، من ترجمة ريم داوود، وصدرت عن دار روايات، في هذه الرواية تكشف المؤلفة عن تأثير التحديات التي تواجهها النساء في زيمبابوي اليوم من خلال عيون البطلة تامبودزاي، جاءت الرواية في 22 فصلاً، ووصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة بوكر، وهي تعد عملاً أدبياً مفعماً بالقوة والجرأة، وترسم بصدق وألم ملامح امرأة ووطن يتصدعان.

تتبع المؤلفة في هذه الرواية، أسلوباً يميل إلى البساطة والتكثيف، وتكشف من خلال ذلك عن انهيار منظومة القيم في بلد يعاني الصراعات السياسية، والتداعي الاجتماعي، وتنجح المترجمة ريم داوود في الحفاظ على لغة الرواية وإيقاعها الداخلي وعمقها العاطفي، وتقدم للقارئ عملاً يوازن بين الألم والأمل، وبين الهشاشة الإنسانية وقوة الإرادة.

تتعمق المؤلفة في وصف حال بطلتها تامبودزاي، فتصف فتاة حزينة، صحيح أنها شبت على الحلم بالتحرر من الفقر والجَهل، لكنها الآن أضحت تائهة على مشارف الأربعين، عاطلة عن العمل، يطاردها الماضي، وها هي تشق طريقها في هراري الممزقة باحثة بيأس عن مستقبل يبدو أنه يتلاشى في صراعات ما بعد الاستقلال، والمصالح الاقتصادية، والهَيمنةِ الذكورية، والنظرة المعيبةِ للمرأة.

النجاح والفشل

تصارع بطلة الرواية مشاعر خيبة الأمل والارتباك بشأن خيارات ابنة عمها نياشا، وخاصة زواجها من رجل أوروبي يعاني ضائقة مالية يدعى ليون، يزعزع هذا الإدراك إيمانها بوجود ثنائية واضحة بين النجاح والفشل، بل تجد نفسها في مواجهة حياة نياشا الفوضوية، وعند وصول البطلة إلى منزل نياشا، تصدم بفوضى المنزل. وبينما تواجه نقاط ضعفها بعد إقامتها الطويلة في المستشفى، تلاحظ أن ليون يجسد نوعاً مختلفاً وأكثر تعقيداً من الرجال، مما يدفعها إلى إعادة تقييم تصوراتها السابقة، هذا يمهد الطريق لاستكشاف مواضيع مثل الهوية الثقافية، والبقاء، والتعريفات المختلفة للنجاح.

هدوء

تختبر البطلة هدوءاً جديداً بعد فترة عصيبة في حياتها، يأتي هذا التحول في مزاجها، بعد تواصلها مع زميلة قديمة، تريسي ستيفنسون، التي تعرض عليها وظيفة في إحدى الشركات، يرمز هذا الوعد بالعمل إلى الأمل وبداية جديدة، على عكس صراعاتها السابقة.

وبينما تستكشف بيئتها الجديدة في منزل ابنة عمها نياشا، تجد نفسها وسط ديناميكيات عائلية مملوءة بالتوتر والهموم المشتركة، وتواجه ماي تاكا، والدة ابنة عمها نياشا، صعوبات مع هروب سايلنس، زوجها غير الموثوق به، تاركاً إياها تكافح من أجل رعاية ابنها وتعليمه، تثقل ضغوط الالتزامات العائلية كاهل نياشا، التي تشعر بالعجز عن إدارة احتياجات أطفالها ورفاهيتهم في ظل الاختلافات الثقافية المتعلقة بالانضباط والتربية.

على مدار أحداث هذه الرواية، تحاول البطلة تامبوزباي المضي قدماً في حياتها، لكنها تتباطأ عند كل منعطف، تظهر نفاقاً واستياءً لافتاً تجاه كل من حولها تقريباً، ولكن في كل مرة تنجح فيها في تجاوز عيش الكفاف، تتسلل إليها صدمات الماضي فتصاب بالهلوسة، وتفقد نفسها في مثل هذه الحالات، وتصبح عدائية لا يسيطر عليها، في النهاية، يجب عليها العودة إلى منزلها، إلى القرية التي بدأت فيها حياتها، ومواجهة الاستغلال الذي كانت فيه مشاركة وضحية في آن واحد، وتتخلل الرواية مواضيع أدبية: ما بعد الاستعمار، والحراك الطبقي، والعلاقات بين الجنسين والأعراق، وتميل الرواية إلى تحليل الشخصية أكثر من الحبكة، ورغم ذلك تقدم الروائية بطلتها في هذا العمل الشيق كشخصية تنبض بالحياة وواحدة من أكثر الشخصيات التي لا تنسى في الأدب المعاصر.

منعطف

تتوالى فصول الرواية، حيث نتابع بطلتها، وهي تنتقل إلى مرحلة جديدة من حياتها، فتنتقل إلى منزل صغير وتبدأ عملها في رحلات السفاري وتواجه ماضيها وتتأمل في امتنانها لابنة عمها نياشا على الوقت الذي قضتها وإياها معاً، وتخطط لشراء هدية لها من راتبها الأول، وعند وصولهما إلى المنزل الجديد، تلاحظ تامبودزاي حديقتها الوارفة، وطاقم العمل المرحب، بمن فيهم البستاني وزوجته ما تابيثا، على الرغم من شعورها ببعض الحسد عندما تقارن نفسها بتريسي، رئيستها في العمل، التي تتمتع بامتيازات عديدة، تقرر ألا تركز على المشاعر السلبية، تحاول أن تستغل حظها السعيد في امتلاك مساحتها الخاصة، وهي خطوة مهمة عن وضعها المعيشي السابق.

أصوات

تتابع الأحداث والبطلة تصارع ماضيها وحالتها النفسية المتدهورة، بينما تحاول الحفاظ على مظهر من مظاهر الحياة الطبيعية، تستقبل تامبودزاي زيارات من ابنة أخيها وابن أخيها اللذين يستمتعان باللعب في مسبحها، تحاول تامبودزاي خلق ذكريات سعيدة معهما، حيث تقيم حفلات شواء عائلية، ويكون الجو دافئاً، وإن طغت عليه صراعاتها الداخلية.

على الرغم من مظهرها المرح، تطارد تامبودزاي أصوات شريرة من ماضيها، وتختبر خوفاً متزايداً من مأساة وشيكة، مما يسبب تدهوراً في صحتها النفسية، تجد نفسها عاجزة عن التركيز في العمل، وترتكب الأخطاء، وتشعر بقلق متزايد، لا سيما من زميلة تدعى بيدزي، تمتلئ أحلامها بذكريات مروعة، بما في ذلك الشعور بالذنب تجاه حادثة سابقة تتعلق بطالبة تدعى إليزابيث، التي آذتها ذات مرة، ومع تدهور حالتها النفسية، تعزل تامبودزاي نفسها، مفضلة صحبة التلفاز على القيام بمهامها المعتادة.

في الفصل الأخير من الرواية، تستطيع تامبودزاي الاستمتاع بمشروع عملها الجديد، وفي صالة الوصول بالمطار، تنتظر بفارغ الصبر وصول أول مجموعة من السياح إلى قرية النقل البيئي التي أطلقتها حديثاً.

في هذه الأثناء، تجد بطلة الرواية السكينة في مراقبة النجوم والطيور، وهي أنشطة تدعم نضجها الداخلي واستعادة سعادتها.

نقد

لا يمل القارئ من متابعة قراءة هذه الرواية بوصفها عملاً فنياً متقن الصنع لكاتبة تمتلك بصيرة ثاقبة في الحالة الإنسانية، تضاهي بصيرة الكاتب الأمريكي إرنست همنغواي، ولكن الرواية أيضاً كما وصفها النقاد تعد عملاً أدبياً مكثفاً».

إضاءة

ولدت تسيتسي دانغاريمبغا في 4 فبراير 1959 في موتوكو، روديسيا الجنوبية (زيمبابوي حالياً)، عاشت في إنجلترا بين سن الثانية والسادسة، بينما تابع والداها تعليمهما العالي. التحقت في إنجلترا بمدرسة هارتزيل الابتدائية، قبل أن تلتحق بمدرسة ماريماونت ميشن للراهبات، أكملت دراستها الثانوية في مدرسة أروندل، عانت العنصرية والعزلة، وكتبت وأخرجت العديد من المسرحيات، حصلت على جائزة كتاب الكومنولث/ منطقة إفريقيا، عن روايتها «حالات عصبية»، وفي عام 2018 صنفت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) روايتها «حالات عصبية» ضمن أفضل 100 كتاب شكل ذاكرة العالم.

اقتباسات

وراء كل قناع ثقة قصة تستحق التعاطف لا السخرية.

ارفع معنويات الآخرين، لأنك بهذا ترسخ صلة أعمق بإنسانيتك.

كان حرص الأرملة على ترويج منزلها مكاناً آمناً للطلاب

يتناقض مع متاهتها الحالية.

طاردتها ذكريات استقالتها من العمل وإدراكها أنها

رغم تعليمها تشعر بالفشل.

كأنه أسقطها ضبعاً مرعباً (مجازياً) في حالة من اليأس

مجسداً مخاوفها وانقطاعها عن العالم.

تقف تحت شجرة الجاكاراندا تتصارع مع الحزن وثقل ماضيها.

الناشر: دار روايات