مريم سلطان المزروعي *
تتجاوز الصحراء مفهومها الجغرافي لتصبح فلسفة حياةٍ متكاملة، صنعت ملامح الإنسان العربي وشكّلت وعيه بالوجود. هي ليست مجرد رمال تمتد بلا حدود، بل بيئة صاغت الإنسان بصلابتها، وغرست فيه قيم الصبر والعطاء والكرم. وتُعد الصحراء البيئة الأم التي تشكّلت فيها شخصية أبنائها، إذ كانت الطفولة والشباب بين رمالها وأفقها الواسع مرحلة تأسيسية في تكوين الذات الإنسانية، وأنشأت أجيالاً قادرة على التكيّف مع الشدائد، متصالحة مع الطبيعة، ومؤمنة بأن البقاء لا يتحقق إلا بالعمل والإرادة.
إن الصحراء، بكل قسوتها وجمالها، هي من علّمت البدوي كيف يقرأ الكون من حوله، وكيف يتفاعل مع تفاصيل الطبيعة بمنطق الحكمة والتدبر. هي ليست مكاناً فحسب، بل منظومة قيم روحية واجتماعية وفكرية متكاملة. اعتمد البدوي في غذائه على النخلة، التي كانت رمز الكرم والعطاء، ووصفها أهل الصحراء بأنها «ذهب الأرض»، لما تمثله من مصدر رزقٍ دائم. وقد ورد في كتاب «الإمارات في ذاكرة أبنائها» للكاتب عبد الله عبد الرحمن أنهم كانوا ينشدون:
يا ليت عندي نخيل تُسقى بغرافه
والقيظ لي من هدف واحمرت أطرافه
كان الماء القليل يُستخرج من الآبار المالحة، فيُستخدم للشرب والطهي، بينما مثّل حليب الإبل غذاءً أساسياً، وتوارثت الأجيال تسمياته بين «الحليب» و«اللبن»، بحسب مراحله وطرق تحضيره. كانت مائدة البدوي بسيطة في مكوناتها، غنية بمعانيها. تنوّعت أطباقه بين لحم الغنم والإبل، والطيور البرية مثل الحبارى والأرانب، التي تُصاد بمهارة عبر الصقر أو السلوقي. وكانت هذه الممارسات جزءاً من نمط الحياة اليومية، تعبّر عن انسجام الإنسان مع بيئته وقدرته على الاستفادة من مواردها دون إسراف.
بيوت الشعر
شكّلت بيوت الشعر رمزاً للحياة البدوية، فنُسجت من صوف الأغنام وشعر الماعز بأيدي النساء اللاتي امتلكن خبرة فنية متوارثة. وتنوعت هذه البيوت بحسب مكانة أصحابها، فكلما كبر حجم البيت دلّ على مكانة صاحبه بين قومه. كما عُرفت بيوت «العريش» المصنوعة من سعف النخيل قبل أن تندثر مع مظاهر التمدّن والتطور.
وأشار محمد عبد الجليل الفهيم في كتابه «من المحل إلى الغنى: قصة أبوظبي» إلى أن البدوي أطال شعره لحماية رقبته من حرارة الشمس، ولم يعرف الغترة والعقال إلا في ستينيات القرن الماضي. كما ارتدى «الزرابيل» المنسوجة من صوف الغنم، وكانت النساء يقمن بصنعها بعناية.
فصول
تنقسم فصول العام في حياة البدوي إلى صيفٍ حارق وشتاءٍ قارس، وبينهما «الأصفري»، أي فصل الخريف، الذي يمتد لتسعةٍ وثلاثين يوماً، ويُعد موسماً للاستعداد للصيد والعناية بالإبل والنخيل.
وفي الشتاء، يبدأ البدوي بجمع الحطب وصناعة الفحم من أشجار السمر التي تُعرف بجودتها العالية، مستفيداً من ليف النخل في صناعة الحبال القوية لجلب الماء من الآبار بعد نقعه في الماء وتجفيفه. وعاش المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، طفولته وشبابه في عمق الصحراء، حيث تشرّب الصبر والعزيمة. ولقّبه الكاتب كلود موريس ب «صقر الصحراء»، لما قام به من إنجازات جسدت قدرة الإنسان على تحويل المستحيل إلى واقع، فقد استطاع، بحكمته وفطنته، أن يُحوّل رمال الصحراء إلى واحات خضراء نابضة بالحياة، مستثمراً موارد البيئة دون استنزافها، ومثبتاً أن الأصالة يمكن أن تتآلف مع الحداثة في توازنٍ فريد. تبقى الصحراء في الذاكرة العربية رمزاً للكرامة والصلابة، وكتاباً مفتوحاً يروي قصة الإنسان مع الطبيعة منذ فجر التاريخ. إنها ليست مجرد رمال، بل فلسفة وجودٍ حيّة صنعت رجالاً حوّلوا القسوة إلى قوة، والعزلة إلى حضارة.
* باحثة في التراث