وضعت الحرب الأهلية في السودان حياة الملايين في فخ المجهول بعدما تحوَّلت إلى واحدة من أكبر ساحات النزاع المفتوحة في المنطقة، وسط انهيار مؤسسات الدولة، وطمع الطرفين المتحاربين في الحسم العسكري، فيما يصر نظام البرهان على رفض الدعوات المطالبة بهدنة إنسانية، وتسوية سياسية لصياغة مستقبل بعيداً عن التطرف، يتم خلالها «إسكات البنادق» ووقف الانتهاكات في حق المدنيين الذي باتوا يشكلون أكبر أزمة في العالم.


ومنذ اندلاع الحرب في إبريل/نيسان 2023، بين سلطة بورتسودان وقوات الدعم السريع، واتساع رقعة القتال لتشمل معظم البلاد، يدفع المدنيون الثمن الأكبر في الصراع بحصيلة مروعة تجاوزت حتى الآن، وفق التقديرات العالمية الـ40 ألف قتيل، فيما تشير بيانات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إلى معاناة 30 مليون شخص من المجاعة، كما يواجه أكثر من 3 ملايين طفل دون سن الخامسة خطر الإصابة بأمراض وبائية مثل الكوليرا والحصبة والملاريا.

عقوبات أمريكية على الجيش السوداني والدعم السريع


ومع تزايد الانتهاكات بحق المدنيين من طرفي الحرب، فرضت الولايات المتحدة عقوبات في يناير/ كانون الثاني الماضي على طرفي النزاع، متهمة إياهم بالسعي لإنهاء الصراع عن طريق الحرب وليس عن المفاوضات السليمة، وتعمُّد استهداف وتجويع المدنيين.


وشملت العقوبات قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ومجموعات متحالفة بعد اتهامهم باستخدام أسلحة كيماوية في الخرطوم وولايتي الجزيرة وسنار، وفرضت أيضاً عقوبات على أعضاء قوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة الذين اتهموا بارتكاب إبادة جماعية خلال الحرب.


ومن أجل «إسكات البنادق»، قدمت الرباعية الدولية المكونة من الإمارات والسعودية ومصر والولايات المتحدة في سبتمبر/ أيلول الماضي، مبادرة إنسانية شكلت «خريطة طريق» دعت فيها إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، لتمكين وصول المساعدات الإنسانية سريعاً على أن يتبعها وقف دائم لإطلاق النار.

أسوأ أزمة إنسانية في العالم


وذكر بيان «الرباعية الدولية»، أن الصراع في السودان بين الجيش و«قوات الدعم السريع» تسبَّب في «أسوأ أزمة إنسانية في العالم»، ويهدد السلام والأمن الإقليميين، مؤكداً أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة. وأضاف البيان: أن استمرار الوضع الراهن يفاقم المعاناة ويزيد المخاطر على الاستقرار الإقليمي، مشدداً على أن مستقبل السودان يجب أن يقرره السودانيون عبر عملية انتقالية شاملة وشفافة، خلال تسعة أشهر تؤدي إلى قيام حكومة مدنية مستقلة وذات شرعية واسعة، ولا تخضع لسيطرة أي طرف مسلح.


وطالب البيان الأطراف بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن وسريع عبر جميع الطرق، وحماية المدنيين ووقف الهجمات العشوائية على البنية التحتية، مشددين في الوقت نفسه على وقف الدعم العسكري الخارجي للأطراف السودانية المتحاربة.


البيان شدد أيضاً على أن مستقبل السودان لا يمكن أن تحدده «جماعات متطرفة عنيفة مرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية»، محذرين من دورها في إذكاء العنف وعدم الاستقرار في المنطقة.

ترامب يتعهد بالعمل على إنهاء حرب السودان


ومؤخراً، بدأت الآمال تتزايد في تسليط الضوء على تلك الحرب الكارثية، بعدما قرر الرئيس الأمريكي هذا الشهر، استثمار نجاحه في ملفي حربي غزة وأوكرانيا، معلناً أنه سيبدأ العمل على إنهاء الحرب في السودان، وتوجيه إدارته سريعاً بالعمل على الوصول إلى تسوية للنزاع ووقف لإطلاق النار.


وعبر حسابه في منصة «تروث سوشيال»، تحدث ترامب عن الفظائع المرتكبة في الحرب قائلاً: «إن السودان أصبح المكان الأكثر عنفاً على وجه الأرض، وكذلك أكبر أزمة إنسانية منفردة، ثمة حاجة ماسّة إلى الطعام والأطباء وكل شيء آخر»، مشدداً على أنه سيستخدم قوة ونفوذ الرئاسة الأمريكية لوقف ما يجري فوراً في السودان.

دراسة تصنيف «الإخوان» منظمات «إرهابية أجنبية»


الخطوة الأمريكية رافقها تدخل مباشر، بتوقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاثنين، أمراً تنفيذياً يقضي بدراسة تصنيف جماعة «الإخوان» كمنظمة «إرهابية أجنبية»، لدورها في تغذية الإرهاب، ودعم العنف وحملات زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي قوبل في الشارع السوداني بترحيب كبير، إذ يعتمد التحول المدني الديمقراطي على إنهاء وجود الجماعة وفروعها داخل السودان، وذلك بعدما اخترقت مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية وبنت شبكات مالية داخل وخارج السودان لتمويل عملياتها.


ولعبت الجماعة التي حكمت السودان على مدار ثلاثة عقود، دوراً رئيسياً في تأجيج الحرب الأهلية الحالية وإطالة أمدها، وقطع الطريق أمام التحول الديمقراطي والوصول إلى أي تسوية سليمة، عن طريق انتهاجها خطاب التطرف والكراهية، وإثارة الانقسام.


ورغم المناشدات العالمية بهدنة إنسانية، للتمكن من إدخال المساعدات لملايين الجوعى، إلا أن نظام البرهان أعلن تمسكه بالحسم العسكري في مواجهة قوات الدعم السريع التي أعلنت الأسبوع الماضي، قبولها بهدنة إنسانية من طرف واحد تستمر ثلاثة أشهر، والموافقة على تشكيل آلية مراقبة دولية، لحماية المدنيين، وإدخال المساعدات.

إدانة أوروبية لطرفي الصراع


وتزامن الزخم الدولي المتصاعد لإنهاء الحرب، مع الإدانات الدولية المتزايدة لطرفي الصراع للانتهاكات المرتكبة في حق المدنيين، حيث دان البرلمان الأوروبي، الأربعاء الماضي، «بأشد العبارات الانتهاكات الجسيمة والمنهجية للقانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان، التي ترتكبها قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية».


وقال أعضاء البرلمان الأوروبي في قرارٍ اعتمد بأغلبية 503 أصوات مؤيدة، مقابل 32 صوتاً معارضاً: «إن الهجمات العشوائية ضد المدنيين، والعنف الموجه ضد الأقليات العرقية، والعنف الجنسي، والتعذيب، وأساليب التجويع المتعمد، واستخدام الأطفال كجنود، والهجمات على المستشفيات والمرافق الإنسانية، والتجويع المتعمد للمدنيين، قد تشكل أعمال إبادة جماعية».


وأعرب البرلمان الأوروبي عن «قلقه العميق إزاء التدهور المقلق للأزمة الإنسانية في السودان، مع تأكيد وجود مجاعة في أجزاء من البلاد» وأشار إلى أن «الصراع يؤجج أسوأ كارثة إنسانية في العالم».

الإمارات ترحب بدعم البرلمان الأوروبي إنهاء حرب السودان


ورحّبت لانا نسيبة، مساعدة وزير الخارجية، بقرار البرلمان الأوروبي الذي دان بشدة العنف الذي يرتكبه طرفا الحرب المأساوية في السودان، معرباً عن دعمه لمبادرة المجموعة الرباعية لإنهاء الصراع.


وقالت لانا نسيبة، في بيان: إن هذا الموقف الأوروبي جاء في الوقت المناسب لدعم الجهود المبذولة لإنهاء الحرب في السودان، وأكدت أن تضافر الجهود الإقليمية والدولية أمرٌ أساسيٌّ لإنهاء الفظائع في السودان و«الآن هو وقت العمل»، مشددة على التزام دولة الإمارات الراسخ بدعم المساعي الرامية إلى معالجة هذه الحرب الكارثية، والعمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما في ذلك في أوروبا، لضمان الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب السوداني.

خريطة طريق لإنهاء الحرب


وأشارت لانا نسيبة إلى أن البرلمان الأوروبي أيد في قراره عمل الرباعية باعتبارها «صيغة الوساطة» لحل هذا النزاع وصرحت بأن البيان الرباعي المشترك يمثل خطوة تاريخية نحو وقف القتال وإنهاء هذه الحرب الأهلية، ويحدد خريطة طريق واقعية، تبدأ بهدنة إنسانية، يليها انتقال إلى حكم مدني مستقل عن الطرفين المتحاربين، وأشارت إلى أن «الرباعية» أكدت بوضوح أن مستقبل السودان لا يمكن أن تمليه الجماعات المتطرفة المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، أو التي يبدو أنها على صلة بها، وأكدت: «وحدها حكومة مستقلة بقيادة مدنية ستكون قادرة على إصلاح مؤسسات السودان وتحرير البلاد من التطرف».

الإمارات تدين انتهاكات طرفي الحرب


وأضافت لانا نسيبة: «نواصل إدانتنا الشديدة للانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها الطرفان المتحاربان، قوات الدعم السريع و(سلطة بورتسودان) لقد تسبب سلوكهما في معاناة عميقة وقوّض مستقبل السودان. إن الوقف الفوري للحرب وجميع أعمال العنف أمرٌ ضروري»، كما جددت تأكيدها أن موقف الإمارات واضح، وينص على ضرورة وقف إطلاق نار فوري وغير مشروط، ووصول إنساني غير مقيد إلى أنحاء السودان، عبر الطرق والممرات المتاحة، مشددة على الأولوية لجهود الإمارات الإنسانية في إغاثة للشعب السوداني.