في ظل «أداة غامضة فجرت الصراع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجو بايدن»، يعود الجدل في واشنطن إلى الواجهة بعدما أثار إعلان ترامب إلغاء كل الوثائق الموقعة عبر «القلم الآلي» في عهد بايدن كخطوة تحمل أبعاداً تتجاوز الإجراء الرمزي. فالقرار، الذي يفتقر إلى وضوح قانوني، يعكس توجّهاً سياسياً يستهدف التشكيك في شرعية القرارات الصادرة خلال الإدارة السابقة وإعادة فتح ملف قدرة بايدن على ممارسة مهامه.

وفي وقت يُعد فيه القلم الآلي أداة تقنية شائعة داخل المؤسسات التنفيذية، وجد نفسه فجأة في قلب معركة سياسية أوسع، حيث تُستغل الرموز والإجراءات البيروقراطية لتعميق الانقسام وتعزيز سرديات التشكيك بين الإدارتين المتعاقبتين.

ترامب: بايدن لم يحكم البيت الأبيض فعلياً


وجاء في منشور لترامب على منصته «تروث سوشيال» هجومٌ لافت، إذ قال: «إن كل وثيقة وقّعها بايدن النعسان باستخدام قلم آلي—ونسبتها نحو 92 بالمئة—تُعد ملغاة وبلا أي مفعول». وأضاف أن كل الأوامر التنفيذية أو القرارات التي لم يوقّعها بايدن بنفسه «باطلة»، معتبراً أن «الأشخاص الذين شغّلوا القلم الآلي فعلوا ذلك بشكل غير قانوني». ورغم أن رؤساء سابقين استخدموا أنظمة توقيع آلي، يؤكد ترامب أن لجوء إدارة بايدن إلى القلم الآلي يثبت—بحسب وصفه—أن بايدن كان فاقداً للأهلية الذهنية وأنه لم يكن هو من يدير البيت الأبيض فعلياً.

القلم الآلي.. روبوت ينوب عن الرئيس

استخدم العديد من الرؤساء الأمريكيين منذ عهد توماس جيفرسون أجهزة «القلم الآلي»، لكن بعضهم جعل من هذه التقنية جزءاً علنياً من أعماله اليومية أكثر من غيره. يُعتقد أن هاري ترومان وجيرالد فورد اعتمدا على الجهاز، بحسب مؤسسة Shappell Manuscript Foundation، فيما يُنسب إلى ليندون جونسون الفضل في كشف مدى انتشار التقنية بعد أن سمح بالتقاط صور للجهاز خلال فترة رئاسته. وفي عام 1968، تصدّر القلم الآلي غلاف صحيفة National Enquirer بعنوان: «أحد أكثر أسرار واشنطن: الروبوت الذي ينوب عن الرئيس»، ليعكس الفضول الكبير الذي أثاره هذا الجهاز في المجتمع الأمريكي. واستمر استخدام القلم الآلي طوال النصف الثاني من القرن العشرين على يد رؤساء مثل جون كينيدي، وجيمي كارتر، وريتشارد نيكسون، الذين وظفوه لتوقيع الرسائل والوثائق المتنوعة. وفي خطوة لاحقة، أصبح باراك أوباما أول رئيس معروف يوقّع قانوناً باستخدام القلم الآلي في عام 2011، حين وقع تمديد قانون Patriot Act بينما كان في فرنسا، مما يبرز كيف أصبح الجهاز أداة عملية ضرورية لإدارة الأعمال الرئاسية عن بعد.

القلم الآلي وكيفية عمله؟


القلم الآلي هو جهاز مبتكر قادر على تكرار التوقيعات باستخدام حبر حقيقي، ما يمكّن الشخصيات العامة من توقيع كميات كبيرة من الوثائق بسرعة ودقة. يحتوي الجهاز على ذراع ميكانيكية يمكنها حمل قلم عادي أو رصاص، ليقوم بنسخ التوقيع المبرمج على الورقة الموضوعة أسفله. وتقول شركة «أوتو بين» أو «القلم الآلي»، وهي شركة مقرّها ولاية ماريلاند الأمريكية ومتخصصة في تصنيع هذه الأجهزة، إن هذه التقنية استُخدمت من قبل الجامعات والوكالات الحكومية ومؤسسات أخرى لأكثر من 60 عاماً، وفقا لموقع «الإذاعة الوطنية العامة» في الولايات المتحدة. وتضيف الشركة أن «القلم الآلي» يُستخدم من قبل أبرز القادة في العالم، لأنه يتيح لهم استثمار وقتهم وجهدهم في القضايا المهمة دون التضحية بالجانب الشخصي للمراسلات والتوقيعات الرسمية.

كيف نشأت تقنية توقيع الرؤساء الأمريكية؟


تعود جذور تقنية «القلم الآلي» إلى القرن التاسع عشر مع اختراع جهاز البوليجراف (Polygraph)، الذي كان يتيح لشخص واحد تحريك قلمين في الوقت نفسه. حصل الجهاز على براءة اختراع في الولايات المتحدة عام 1803، وبدأ إنتاجه في العام التالي، واستخدمه توماس جيفرسون خلال فترة رئاسته وما بعدها، ما يمهّد الطريق لتاريخ طويل من استخدام الأدوات الميكانيكية في إدارة الأعمال الرسمية. وشهد القلم الآلي تطورات مهمة عبر العقود، حتى قام روبرت دي شازو جونيور بعد الحرب العالمية الثانية بإنتاجه على نطاق تجاري لأول مرة. وكانت أول طلبية رسمية من وزير البحرية الأمريكي، قبل أن تنتشر هذه الأجهزة بسرعة داخل الدوائر الحكومية. وفي مقابلة عام 1983 مع مجلة The Washingtonian، كشف دي شازو، الذي كان يدير شركة «تقنية التوقيع الآلي» في فرجينيا، عن أن نحو 500 جهاز توقيع آلي كانت قيد الاستخدام آنذاك في واشنطن، تشمل الكونغرس والوزارات، مؤكّداً كيف تحوّل هذا الاختراع من مجرد جهاز ميكانيكي إلى أداة استراتيجية لتسهيل إدارة شؤون الدولة.