في أجواء مدينة نيو مكسيكو الأمريكية، كان الحديث بين أفراد سرب طائرات عسكرية أمريكية لا يدور حول التكتيكات العملياتية أو المهام الجارية، بل حول شيء آخر، أسهم شركة ارتفعت فجأة في تداولات ما بعد الدوام، لكن المفارقة الأكثر إثارة أن هذه الواقعة ليست استثنائية، بل تعكس ظاهرة آخذة في الانتشار داخل صفوف الجيش الأمريكي، حيث تتحول القواعد العسكرية إلى ما يشبه «نادياً استثمارياً» شديد المغامرة، تطغى فيه ثقافة المضاربة في الأسهم والعملات المشفرة على الكثير من التفاصيل اليومية للحياة العسكرية.

القواعد العسكرية في صدارة مشتري العملات المشفرة

كشفت تحليلات لبيانات مصلحة الضرائب الأمريكية (IRS)، عن ارتباط لافت بين القواعد العسكرية وازدهار الاستثمار في العملات المشفرة، ووفق وول ستريت جورنال، فإنه في عام 2020، احتلت 8 من أصل 25 منطقة بريدية أمريكية أعلى نسبة للإبلاغ عن تعاملات بالعملات المشفرة، في مواقع قرب قواعد عسكرية. ثم في العام التالي ارتفع العدد إلى 11 منطقة.

ووفقاً لبيانات مصلحة الضرائب الأمريكية، فإن نسبة الإقرارات الضريبية المبلغ فيها عن عملات مشفرة عام 2021، بلغت 16.3% في محيط قاعدة هولومان الجوية في نيو مكسيكو. وكانت النسبة أعلى في محيط قاعدة لوك الجوية في أريزونا 19.4%، وقاعدة فاندنبرغ الفضائية في كاليفورنيا 18.1%، وذلك مقارنة بمتوسط وطني لم يتجاوز 4.1%، بحسب وول ستريت جورنال.

جيل جديد من «الجنود المستثمرين»

ووفق مصادر مطلعة، فإن هذه الموجة من الهوس الاستثماري يقودها جيل شاب من العسكريين، يجمع بين روح المغامرة المتأصلة في المهنة، ووقت الفراغ المتاح في بعض المهام، محققاً دخلاً إضافياً يتخطى راتبه، خاصة مع صعود منصات التداول السهلة، وانتشار معلومات الاستثمار على وسائل التواصل الاجتماعي، ما دفعهم للتفكير في استغلال فرص لم تكن متاحة بهذا الشكل لأجيال سابقة.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن بعض أفراد الخدمة العسكرية يحققون ثروات من أسهم التكنولوجيا والعملات المشفرة، حيث يتداولون نصائح حولها من على متن حاملات الطائرات، وأثناء المهام الجوية، وفي القواعد العسكرية، التي تعد أرضاً خصبة لجنون الاستثمار، فهي تعجّ بالشباب المغامر، وما يعزز ذلك مظاهر الثراء الجديدة حول القواعد العسكرية، مثل سيارات البورش والهامر الفاخرة، وساعات رولكس باهظة الثمن كهدايا يشتريها الجنود لأنفسهم احتفاءً بأرباح تفوق رواتبهم السنوية.

شاشات تداول داخل القاعدة

يكشف مويسيس غونزاليس، والذي كان ضمن سلاح مشاة البحرية، أنه لهوسه بالتداول قام بتركيب ثلاث شاشات كمبيوتر في غرفته بالقاعدة، ليمارس العمل من خلالها، وهو المشهد الذي تسبب ذات مرة في غضب عقيد أثناء تفتيش روتيني، ما دفعه لأخذ جهاز كمبيوتر محمول إلى مجمع السيارات، حيث كان يعمل حتى يتمكن من التداول خلال فترات الصباح.

ويضيف أنه قبل بضعة أشهر، ترك البحرية، وانتقل إلى هاواي، وبدأ التداول بدوام كامل، حيث يأمل الشاب البالغ من العمر 25 عاماً في تحقيق 10 آلاف دولار شهرياً في السوق.

ثقافة «التباهي» والمخاطر

وبحسب المستشار المالي والمحارب المتقاعد بريان أونيل، فإن هذه المكاسب السريعة خلقت ثقافة «تباهي»، حيث يتبادل الجنود النصائح في الممرات وصالات الطعام، ويتباهون بأرصدة حساباتهم الاستثمارية، ما يخلق ضغطاً على الآخرين للانخراط في المضاربة.

ويقول ضابط الصف في خفر السواحل، برايسون سوندرز، الذي خسر أكثر من 10 آلاف دولار في يوم واحد: «كنت أحاول الحصول على تذكرتي»، في إشارة إلى الرغبة في اللحاق بقطار الثراء السريع.

ورغم أن العديد من العسكريين يتبعون استراتيجيات استثمارية طويلة الأمد وصناديق مؤشرات، إلا أن شريحة كبيرة منهم تنغمس في رهانات قصيرة الأجل ومحفوفة بالمخاطر على عملات مشفرة غير مستقرة. ويقول الرقيب دوريل بيلي إنه خسر أمواله بعد نصيحة جماعية بشراء سهم متدهور، ما يُظهر كيف يمكن أن تنتشر النصائح غير المدروسة كالنار في الهشيم.

القلق من الفقاعة

لكن الخبراء والمستشارين الماليين القدامى يعبرون عن قلق عميق، إذ يحذر ديفيد كرافت، وهو ضابط متقاعد عانى انهياراً في مطلع الألفية: «أخشى أننا قد نشهد انفجار فقاعة، في إشارة إلى المخاوف من ارتفاع تقييمات الأسهم لمستويات تاريخية، وهو ما قد يعرّض المستثمرين الشباب قليلي الخبرة لخسائر فادحة عند أول تصحيح حقيقي».

الأمان الوظيفي والهوس بالمضاربة

يجادل كثير من الجنود بأن الأمان الوظيفي الفريد الذي توفره الخدمة العسكرية، والمعاش المضمون بعد 20 عاماً من الخدمة، يمنحهم قدرة أكبر على تحمل المخاطر الاستثمارية. لكن هذا المنطق قد يكون ذا حدين، حيث يشجع البعض على المغامرة أكثر من اللازم دون بناء محفظة متوازنة.

وتكشف هذه الظاهرة تحولاً عميقاً في الثقافة المالية لجيل من الجنود، بعد أن خلقت التقنية والبيئة العسكرية الفريدة وروح العصر مزيجاً متفجراً من الفرص والمخاطر. بينما فتح الاستثمار باباً للثراء والاستقلال المالي لبعضهم، فإنه يعرّض آخرين، يفتقرون إلى الخبرة والتحوط، لخسائر قد تؤثر في مستقبلهم.

ولدى الجيش الأمريكي برامج تدريبية أساسية حول كيفية الادخار ووضع الميزانية والاستثمار، لكن غالباً ما يكون التواصل الشفهي هو المستشار المُفضّل. ورغم المنافسة الشرسة بين الجنود، إلا أنهم يتشاركون أيضاً روح الزمالة، حتى في الاستثمار، بل ويُخرج الضباط هواتفهم بانتظام ليُطلعوا الآخرين على أرصدة حساباتهم الاستثمارية.

وانتشرت العملات المشفرة بين الجنود بسرعة البرق في أوائل عشرينات القرن الحادي والعشرين، حيث يقول الملازم زاك رودريغيز إنه استثمر أكثر من 100 ألف دولار - نصف مدخرات عائلته - في عملات مشفرة، وقد أثار اهتمامه أحد أصدقائه أثناء جولتهما في المحيط الهادئ على متن حاملة طائرات.

ويقول إنه منذ ذلك الوقت أصبحت الأسهم والعملات المشفرة موضوعات نقاش أينما ذهب، سواء في الثكنات، أو في صالة الألعاب الرياضية، وحتى قاعة الطعام، لافتاً إلى أنه عندما انضم إلى القوات الجوية عام 2015، لم يكن لديه أي مدخرات، لكن الآن حقق ثروة كبيرة.