على الرغم من التطور الكبير الذي شهدته منظومة التأمين الصحي في الدولة خلال السنوات الأخيرة، لا تزال هناك فئة من الأمراض والعلاجات والفحوص الضرورية خارج نطاق التغطية، ما يضع المرضى أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما تحمّل تكاليف العلاج على نفقتهم الخاصة، أو تأجيله إلى حين القدرة المادية، وهو ما قد يتسبب في تفاقم الحالات المرضية.
في الوقت الذي يُفترض فيه أن يكون التأمين مظلة حماية شاملة، يكتشف كثير من المتعاملين أن بعض الفحوص غير التجميلية، مثل تحاليل الدم المتقدمة، وفحوص القلب الدقيقة، وعلاجات الالتهابات المزمنة، لا تندرج ضمن الباقات المتاحة، خاصة في التأمينات ذات الفئات الأساسية.
ومع أن الجهات التنظيمية تسعى إلى توسيع مظلة الخدمات المغطاة تدريجياً، إلا أن فجوات التطبيق تبقى واضحة، فبعض الأدوية الحيوية تُرفض تغطيتها بحجة ارتفاع الكلفة، وبعض الفحوص تتطلب موافقات مسبقة، ما يعيق سرعة التشخيص والعلاج، ويجعل المريض في مواجهة بيروقراطية مؤلمة وسط حاجته الماسة إلى الرعاية.
قال عدد من المراجعين ل«الخليج»، إن أكثر ما يرهقهم ليس المرض ذاته، بل سلسلة الإجراءات الطويلة للحصول على الموافقات، أو الرفض المفاجئ للعلاج في منتصف الخطة الطبية، ما يضطرهم إلى شراء الأدوية على نفقتهم الخاصة أو طلبها من الخارج، في ظل غياب توضيحات كافية من شركات التأمين حول أسباب الرفض أو حدود التغطية
في ظل ذلك، تزداد المطالب بضرورة مراجعة سياسات التأمين الصحي، ووضع حد أدنى من الخدمات والفحوص التي يجب أن تشملها كل باقة، لتجنب ترك المريض بين خيارين: إما التنازل عن حقه في العلاج، أو دفع مبالغ تفوق قدرته.
أدوية غير مغطاة
يسرد عبدو مباركي معاناته قائلاً: «عانيت مشكلات عديدة، أبرزها أن بعض الأدوية والفحوص الضرورية لا يشملها التأمين، على الرغم من أنها ليست تجميلية إطلاقاً، فعندما كنت أعاني ديداناً في البطن، وصف لي الطبيب إحدى العلاجات المهمة، لكن لم تتم الموافقة عليه من شركة التأمين، فاضطررت إلى شرائه على حسابي الخاص، وكانت أربع حبات بسعر 900 درهم تقريباً، وبعد أن رفضوا الطلب أكثر من مرة، اضطررت لإحضاره من الخارج لأنه ضروري جداً».
وأضاف: «تعرضت لموقف صعب عندما أُصبت بجرثومة في المعدة، واحتجت إلى فحص (سونار) للبطن، قدّم الطبيب الطلب أكثر من مرة وكتب تعليقات لتوضيح أن الفحص ضروري، لكن الموافقة لم تأتِ إلا بعد انتظار طويل استمر قرابة شهرين، ، خلال تلك الفترة كنت أراجع أكثر من مرة، وأنتظر الرد من دون أي نتيجة، حتى اضطررت إلى التفكير في إجراء الفحص على حسابي الخاص قبل أن تصل الموافقة».
وتابع: «الأمر نفسه تكرر في فحوص القلب، إذ رفضوا فحص الجهد الذي يتم أثناء الركض على الجهاز، فدفعت 2400 درهم لإجرائه في أحد المستشفيات، كما أن مشكلات التأمين الصحي لا تقتصر على رفض التغطية، بل تمتد إلى طول فترة الانتظار للحصول على الموافقات، وهو ما يزيد من معاناة المرضى».
تحاليل ضرورية
عاشت إيمان علي المعاناة نفسها مع التأمين الصحي، ولفتت إلى أن أبرز المشكلات التي واجهتها، وذلك عندما أُصيب أطفالها بالإنفلونزا، حيث لم يشمل التأمين كلفة التحاليل الخاصة بالأنف والحنجرة، ولا التحاليل المتعلقة بالمسالك البولية، مع أنها ضرورية لمعرفة سبب المرض والعلاج المناسب، واضطررت إلى إجرائها على حسابي الخاص.
وأضافت: «خدمات الأسنان كذلك غير مشمولة في كثير من الأحيان، على الرغم من أنها لا تتعلق بالتجميل، بل بعلاج الألم والتسوس والالتهابات، وهي أمور لا يمكن تأجيلها، وأحياناً يضطر المراجع لدفع المبلغ كاملاً حتى في الحالات الطارئة، وهذا يشكل عبئاً كبيراً خصوصاً عند تكرار الزيارات للأطفال».
وأوضحت أن هناك أدوية وأجهزة خاصة بأمراض الربو لا يغطيها التأمين، فابنتها تعاني هذه الحالة وتحتاج إلى بخاخات وأجهزة تبخير بشكل دائم، لكنها غير مشمولة ضمن التغطية، على الرغم من أنها جزء أساسي من العلاج اليومي وليست خياراً إضافياً، ما يكبدها الكثير من الأموال.
مشكلات التأمين
خاض علي جمال صالح العديد من المشكلات المتعلقة بالتأمين الصحي، خاصة مع الحالات التي تحتاج إلى علاج عاجل أو طويل الأمد، فهناك أمراض لا يشملها التأمين مثل الجلطات الدماغية التي تتطلب رعاية منزلية لفترات طويلة، وأمراض الأسنان والأمراض النفسية وبعض الحالات الجلدية والتجميلية.
وقال علي صالح: «أعاني ألماً مزمناً في أسفل الظهر، وتمت تغطية جزء من العلاج، لكن بعض الأدوية المسكنة لا يشملها التأمين أحياناً، ويُطلب دفعها بشكل منفصل، من الضروري إعادة النظر في إجراءات التأمين الصحي وتوسيع نطاق التغطية لتشمل العلاجات والفحوص الضرورية، لأن كثيراً من الحالات العلاجية المهمة لا تُغطى حالياً على الرغم من ارتباطها المباشر بصحة الإنسان».
مراجعة ضرورية
بصفته طبيب أسنان يتعامل يومياً مع المرضى، يرى الدكتور وليد زخور، أن هناك حاجة ملحّة إلى إعادة النظر في سياسات شركات التأمين الصحي، فالكثير من القرارات الحالية لا تخدم المريض بالشكل الكافي، حيث إن أسعار التأمين مرتفعة بشكل عام، ويتم رفعها بين الحين والآخر، ما يخلق فجوة كبيرة بين كلفة التأمين وقدرة الأفراد على تحمّلها. وأضاف أن التأمين المخصص لأصحاب الرواتب المتدنية والمتقاعدين، والمعروف بالتأمين الأساسي، لا يغطي العديد من الأمراض، كما أن سقف تغطية الأدوية السنوي منخفض جداً، بحيث لا يكفي سوى لشهر أو شهرين، خصوصاً لمرضى الحالات المزمنة.
وقالت سهاد ريان، إن التأمين لا يغطي فحص فيتامين (د)، على الرغم من أنه علاجي وليس تجميلياً، وضروري لأنه يرتبط بالخمول والتعب والتوتر واضطراب الأعصاب، ومع ذلك يُطلب دفع كلفته عند إجرائه، وتتراوح بين 150 و200 درهم.
ولفتت إلى أن العيادات النفسية، وهي مهمة جداً، غير مغطاة من قبل العديد من شركات التأمين، والكشف يصل إلى 1000 درهم وفي كل مراجعة تكون في حدود 500 درهم، من دون احتساب كلفة الأدوية التي تكون عادة مرتفعة.
الفيتامينات العلاجية
بعض العلاجات لا يغطيها التأمين الصحي، مثل الفيتامينات التي تُستخدم لأغراض علاجية، وهي كانت معاناة أشرف شامة، الذي قال: «كنت مصاب بألم في الركبة، ووصف لي الطبيب فيتامينات كجزء من كورس العلاج، لكن التأمين لم يشملها، فدفعت قيمتها وكانت ما يقارب 300 و400 درهم، هذه الفيتامينات ليست تجميلية إطلاقاً، بل علاجية، ومع ذلك لم تُغطَّ». وتابع: «زوجتي كانت تعاني فيروس الكبد (C)، وهو مرض كبدي يحتاج إلى علاج وفحوص مستمرة، لكن التأمين لم يشمله، واضطررنا إلى دفع 500 درهم مقابل العلاج، هذا المرض مهم ليس تجميلياً، نحن لا نعرف سبب استبعاده».
فيما قال محمد السيد: «أعاني حساسية جلدية مزمنة بسبب مواد البناء، وأضطر كثيراً إلى مراجعة المستشفى لتلقي العلاج، المشكلة أن التأمين الصحي لا يغطي عدداً من العلاجات والفحوص، على الرغم من أنها حالة مرضية واضحة». وأضاف: «أحتاج إلى متابعة طبية متكررة، وأحياناً إلى أدوية ومراهم خاصة، لكن أغلبها غير مشمول في التأمين، ما يجبرني على دفع تكاليفها من حسابي الخاص، حتى التحاليل المرتبطة بتحديد نوع الحساسية أو متابعة الاستجابة للعلاج لا تكون مغطاة بالكامل».
الإجراء الطبي
عدم تغطية بعض الحالات أو تأخر الموافقات، أرجعه بعض المختصين في التأمين الصحي إلى تقديم تشخيص لا يتناسب مع الإجراء الطبي المطلوب أو الدواء الموصوف، وبالتالي يكون الإجراء غير مبرر وليس ضرورة طبية ولن تتم تغطيته.
وكشف وليد جمال استشاري مبيعات - التأمين صحي، عن أنه في بعض الحالات تطلب شركة التأمين فحوصاً أو نتائج مخبرية أو صور أشعة إضافية لتأكيد حالة المريض، ما يتطلب إعادة تقديم طلب موافقة جديدة وإرفاق النواقص المطلوبة. وأشار إلى أن تقييم الموافقات يعتمد بالدرجة الأولى على تقديم تقرير طبي وتشخيص واضح للحالة، للتأكد من وجود داعٍ فعلي للعلاج، وفي بعض الأحيان تكون الأدوية الموصوفة تجريبية أو تكميلية مثل الأدوية العشبية في الطب البديل والتي لم تُثبت فاعليتها بشكل كامل، لذلك لا تُدرج ضمن قائمة الأدوية المغطاة.
وثيقة التأمين
أكد وليد جمال، أنه في حال وجود داعٍ طبي مثبت، فإن شركة التأمين ملزمة بالتغطية وفقاً لأحكام ونص وثيقة التأمين، حيث إن الشركات تعتمد في قراراتها على ما يسمى بالضرورة الطبية، بحيث يُثبت الطبيب أن المريض بحاجة فعلية إلى العلاج وليس لمجرد التجربة أو الاحتياط.
وأضاف أن الضرورة الطبية تشمل جميع الأمراض التي تؤثر في حياة الإنسان، مثل أمراض الجهاز التنفسي والعصبي، الجهاز الهضمي، العظام، الأمراض القلبية وغيرها، وكل ما يندرج تحت الضرورة الطبية يجب أن يُغطى لأنه يؤثر في حياة المريض في حال لم يُعالج.
وقال إن فحص فيتامين (د) يُعتبر فحصاً وقائياً أو روتينياً، وذلك قد يكون من أحد أسباب عدم تغطيته ضمن المنافع الأساسية، حيث إن العلاج نفسه مغطى كباقي الفيتامينات في حال تم إثبات وجود نقص فعلي في نسبته، موضحاً أنه تطلب الموافقة مثل أي دواء آخر، ويتم احتساب نسبة التحمل حسب وثيقة للمريض. وأوضح أن شركات التأمين لا توافق على أي إجراء إلا إذا تم التأكد من وجود مبرر طبي له، حيث إن دورها لا يقتصر على إعطاء الموافقات فقط، بل يمتد إلى الإدارة السليمة لتلك الموافقات ومراجعتها للتأكد من صحتها، حيث إن منح الموافقات بشكل غير مبرر يعتبر مخالفاً. وأوضح أن الشركات تمتلك موظفين مختصين لتقييم المطالبات والموافقات الطبية، وهي مؤتمنة على المبالغ التي يدفعها أصحاب العمل مقابل توفير تغطية صحية لموظفيهم.
وعن تأخر الموافقات بالصيدليات، أوضح أن مدة الموافقة على الأدوية غالباً تتراوح بين 15 و20 دقيقة بحد أقصى، غير أن الضغط الكبير في بعض المستشفيات قد يسبب تأخيراً غير مقصود، وأن بعض الأدوية باهظة الثمن أو أدوية الأمراض المزمنة قد تحتاج إلى تدقيق يدوي من الموظفين، كما أن بعض الفحوص والعمليات تستغرق ما بين 24 و48 ساعة للحصول على الموافقة.
منصة ملفي
بالحديث عن الأنظمة الذكية والأتمتة، أشار وليد جمال، إلى أهمية الدور الكبير لمنصة «ملفي» في أبوظبي والتي حدت من ازدواجية وتكرار الفحوص الطبية، كما أتاحت إمكانية تبادل المعلومات الصحية المهمة بين مزودي الرعاية الصحية على الفور، لتوفير قاعدة موحدة لسجلات المرضى وتحسين جودة الرعاية. وأضاف أن زيارة الطبيب العادية لا تحتاج إلى أي موافقة مسبقة، وإنما يدفع المريض مبلغ يتراوح ما بين 20 إلى 50 درهم حسب الوثيقة الخاصة به، كما أن مراجعة نفس الطبيب خلال 7 أيام لا دفع أي مبالغ.
أساس التغطية
تستند وثيقة التأمين الصحي إلى ركيزتين أساسيتين هما جدول المنافع والشبكة الطبية، وهما يحددان نطاق التغطية لكل مريض، ونسبة التحمل، ونوع الخدمات التي يشملها التأمين. هذا ما أكده أحمد خالد جبر، رئيس الفروع والمبيعات والتوزيع في إحدى شركات التأمين. وأشار إلى أن التقرير الطبي هو المرجع الحاسم في تحديد ما إذا كانت الحالة علاجية أو تجميلية، وأنه بمجرد تصنيف الحالة كضرورة طبية تُغطى كاملاً ضمن حدود الوثيقة، وأن بعض الأطباء يرفقون تقارير إضافية لتوضيح الحالة عندما تكون غير واضحة ضمن التصنيف الاعتيادي. وقال إن العلاجات الطبيعية أو البديلة مثل الإبر الصينية والطب الشعبي يغطيها التأمين إذا تمت إضافتها لجدول المنافع، أما الأدوية التجريبية أو غير المعتمدة رسمياً لا يمكن تغطيتها.
أمراض نفسية
كانت الأمراض النفسية غير مشمولة في معظم وثائق التأمين، لكن أحمد جبر، أكد أنها أصبحت تغطيتها إلزامية بفضل التشريعات الحديثة في بعض من إمارات الدولة، وأن المجتمع أصبح أكثر وعياً بأهمية العلاج النفسي.
كما تحدث عن تأخير صدور الموافقات الطبية في بعض المستشفيات، موضحاً أن السبب الرئيسي يعود إلى موظف المستشفى المسؤول عن التأمين أو نقص في المعلومات الطبية أو أعطال في الربط الإلكتروني بين شركات التأمين والمراكز الصحية.