توضح بلقيس شرارة في كتابها «الطباخ.. دوره في حضارة الإنسان» أن تطوراً مهماً حدث خلال الحربين العالميتين في القرن العشرين في أوروبا، وهو الاهتمام بإطعام الأطفال وتعليمهم، وأصبحت وجبة الطعام في بعض الدول الأوروبية إجبارية ومجانية في المدارس، وأدى التقنين خلال الحرب العالمية الثانية إلى تحديد نوع الطعام، وتساوى بذلك الغني والفقير إلى حد ما، فتحسن الطعام بالنسبة للطبقة الفقيرة.

اعتُرف بقوة الطعام كسلاح منذ القدم، فليس هناك شيء يدمّر البشرية مثل الجوع، فالسيطرة على الطعام وتجهيزه قوة في حد ذاتها، وكتب العسكري الروماني فيجتيوس في القرن الرابع الميلادي: «غالباً ما يدمّر الجوع الجيش أكثر من المعارك، والجوع هو أكثر وحشية من السيف»، «والذي ليس باستطاعته أن يجهز الطعام والضروريات الأخرى يُغلب في المعارك».

قامت الولايات المتحدة في حرب التحرير بالتكتيك نفسه الذي اتبعه الإسكندر الأكبر في أسلوبه بالحرب، فقد كانت إنجلترا دولة عظمى ومن الممكن القضاء على العصيان الذي بدأ في بوسطن، لكن المؤن في تجهيز الجيش لعبت دواراً مهماً، فكان على إنجلترا تجهيز جيشها المكون من 35 ألف جندي، وكان الجيش يحتاج إلى 37 طناً من الطعام يومياً، وتحتاج الخيل وعددها 4 آلاف إلى 57 طناً من العلف يومياً.

حصل الشيء نفسه مع نابليون بونابرت في حملته على روسيا، فقد أحرق الناس المحاصيل في القرى التي كان يمر بها الجيش، كما كان للجو أثر عندما بدأت الأمطار والثلوج تتراكم، وعندما وصل الجيش إلى موسكو لم يجد شيئاً يقي أفراده من البرد والجوع، فقد دمّر الروس كل ما يمكن أن يحصل عليه الجيش الفرنسي من طعام، وأدت خسارته في روسيا إلى نهايته بعد أن سيطر على معظم أوروبا.

عندما زار الصحفي البريطاني مالكوم ماجريدج أوكرانيا عام 1933، كتب: «لقد انتشر الموظفون الرسميون في الريف كالجراد وصادروا كل شيء يؤكل، قتلوا وسجنوا آلاف الفلاحين، كانوا في بعض الأحيان يسجنون قرية بكاملها، وحولوا أخصب الأراضي في العالم إلى صحراء كئيبة».

حدث الشيء نفسه في الصين عام 1949، عندما استولت الدولة خلال حكم ماوتسي تونج على وسائل الإنتاج، وحاولت في تلك المدة أن تقلّد الاتحاد السوفييتي، كانت النتيجة مجاعة أدت إلى موت 30 مليون شخص في الريف الصيني، وهاجر معظم الطهاة الجيدين إلى تايوان أو هونغ كونغ، وخلت الصين لعقود من الطبخ الجيد.

استعمل الطعام كسلاح في تعبئة الشعب البريطاني في زيادة زراعة الخضراوات في بداية إعلان الحرب العالمية الثانية، ففي أكتوبر عام 1939 قامت وزارة الزراعة بحملة تشجيع إنتاج الخضراوات في حدائق البيوت، لكن لم تنجح الحملة في البداية حتى كتب أحد الصحفيين مقالاً بعنوان «احفر من أجل النصر»، أيد الفكرة رئيس الوزراء تشرشل، وانتشرت بين الناس وأعطت لهم الأمل، كانت إنجلترا تستورد 75% من طعامها من الخارج، وكان الأسطول الحربي الألماني يقوم بمنع الطعام عن بريطانيا بإغراق البواخر التجارية المحملة بالطعام.

أما إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية، فقد ربطتا الطعام الجيد بالتفسخ الاجتماعي، ولم يكن هناك اتجاه لتهذيب ذائقة الطعام، وطلب الشاعر والمسرحي مارينتي موسوليني بأن يمنع أكل المكرونة لأنها تجعل الإيطاليين شعباً من البدناء المتشائمين البطيئين في قبول النظام الجديد، كما أنها ليست طعام المحاربين.

الفاشية والطعام

اعتبرت الفاشية أن إنتاج الطعام في إيطاليا أحد وجوه السلطة، وبدأت المعركة من أجل إنتاج الحبوب عام 1925 وهو المنهج الذي قاده موسوليني، وكان هتلر ذا موقف سلبي من الطعام ويضع اللوم عليه في انتشار مرض السرطان، وأن حكومته ستقوم بثورة «لإطعام الفلاحين طعاماً غير مطبوخ، فالإنسان هو الحيوان الوحيد الذي غيّر عملية استهلاك الطعام من خلال الطبخ».

عندما استسلمت فرنسا عام 1940 للجيش الألماني، ادعى بعضهم أن أحد أسباب سقوطها الاهتمام بالطعام الجيد، من قبل ذواقة الطعام، وأن المستقبل سيكون للدول التي شعوبها نحيلة ورشيقة القوام، وبدأت المواد الغذائية تقل، فعندما احتل الجيش الألماني فرنسا لم يكن هناك سوى 3 مطاعم من الدرجة الأولى في باريس، وأدى الاحتلال إلى هروب الناس لمناطق خارج فرنسا، ما أدى إلى ندرة الأيدي العاملة في الزراعة.

استعمل الألمان الطعام كسلاح ضد أعداء ألمانيا، فأدت سياسة الألمان تجاه المدنيين في المناطق المحتلة في الاتحاد السوفييتي عام 1941 إلى انتشار المجاعة وعلّق كاتب أمريكي في عام 1942 على سياسة ألمانيا قائلاً: «إن النازيين أكثر من أي نظام في العالم يحكمون بقليل من الخبز وكثير من السيرك»، وهو صدى الرومان الذين كانوا يقدمون للشعب الخبز والسيرك.

كما توضح بلقيس شرارة، فإن وجبات الطعام السريعة غزت أوروبا وفتحت محال ماكدونالدز في معظم الأقطار الأوروبية والآسيوية حتى أثرت في فرنسا وإيطاليا، واعتبر بعضهم أن المائدة التي كانت تجتمع حولها العائلة والأصدقاء في طريقها إلى الزوال، وأصبح الوقت الذي يصرف حول المائدة أقل من السابق، وهناك إحصائية مخيفة في الولايات المتحدة، تقول إن الفترة التي تقضي بها العائلة في الولايات المتحدة، حول المائدة هي ست دقائق، فأصبح الأكل في معظم الوقت إما وهم جالسون أمام التليفزيون أو في الشارع أو أمام طاولة العمل.

وجبات الطعام السريعة

انتشرت كرد فعل «حركة الطعام البطيء» ضد ما يسمى وجبات الطعام السريعة، وتبعها حركة تأسيس المدن البطيئة التي تؤكد ثقافة الحفاظ على المطبخ والتقاليد الفنية والمحلية للجماعات التي تتألف منها المدينة، وتوسعت الحركة وأصبحت عالمية بهدف إنشاء الزراعة المحلية والإنتاج المحلي في عدة دول، واجتمعوا لأول مرة في باريس عام 1989 وشارك في الاجتماع ممثلون عن 15 دولة.