فهد المعمري

كلما شعشع السفر تذكرت السفر، فتبدو لي الرحلة وكأنها نِحلة، نِحلة القلوب لجلاء الكروب، فكانت مجريط ساحتي، وإليها حاجتي، حتى حللتها أهلا، ونزلتها سهلا.
مجريط - مدريد - فأخذتني رجلاي إلى ليلاي، نعم ليلاي التي بقيت صامدة أكثر من عشرة قرون ببعض أسوارها، وجبالها وأغوارها.
توجهت اليوم من مجريط إلى سرقسطة، والشتاء عاصف، والبرد قاصف، وكأنه يوم من أيام الأندلس عندما تتلبّد السماء، ويكلب الشتاء، يوم تغالبني أشواقه، وتلاعبني أطواقه، يوم كما وصفه شاعر الأندلس وأديبها ووزيرها ابن زيدون:
يومٌ كأيام لذاتٍ لها انصرمت
بتنا لها حين نام الدهر سرّاقا
حتى تبدّت لنا الحسناء سرقسطة، الغانية بجمالها، الحانية بدلالها، فحضنها قلبي قبل جسدي، وكأنها أخي أو ولدي، ثم تراءى قصرها الجسور المسمى قصر السرور، وكم سررت به، ولكنه ليس هو الذي تركه أبو جعفر أحمد بن سلمان المقتدر بن هود، حيث لعبت به الحدثان، وغيّر ما به الملوان، حتى يقول القائل: كأنه هو، وما بقي منه إلّا كما بقي من الجسد الذي أوهنه المَرَض، وأذعنه الغَرَض، وأمكنه الحَرَض، فتأوّه حتى تفوّه، فقال بلسان الذي أزرى به وقته، وأعيا له صمته، وخانه نبته، لله البقاء والدوام، ومنه النعمة والسلام.
ثم انعطفت على ساحاتها الغراء وباحتها الفرعاء، علّي أجد من بقايا الأندلس، ولكن لات حين مندمِ، ويا دار عبلة بالجواء تكلمي، ولم يبق لي إلّا أن أقبل الحقيقة، فلم أر غير أطلال وأوهام قد عاثت بها الليالي والأيام، فلم أر من سرقسطة إلّا اسمها دون رسمها.
فسحبت أذيالي، وأنا شارد بخيالي، فلم أستفق إلّا وأنا في جوادليخارا، وهذا اسمها بعد السقوط، وهي تعرف بوادي الحجارة إحدى أجمل المدن الأندلسية، فلم تكن أحسن من سابقتها، وربما أرادت مرافقتها، فجاءت على موافقتها، فرأيت وادٍ أقفر، لونه أصفر، كأن لم يكن بالأمس هنا صديق، ولا نديمٌ رفيق، وكل شيءٍ يبعث على الضيق، حتى رجعت إلى مجريط مقهورا وبالآلام مأسورا، وقد علاني انكسار المهزوم، وانكباب المهموم وقولي: الحمد لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلّا بالله.