بعد ستة أيام من المعارك بين القوات السورية وقوات سوريا الديمقراطية الكردية (قسد) في مدينة حلب شمال سوريا، تمكنت قوات النظام من السيطرة على الأحياء التي كانت تتحصن فيها قوات «قسد» في الشيخ مقصود والأشرفية، وترحيل المقاتلين الأكراد نحو شمال شرقي سوريا.
لم تكن هذه الاشتباكات عفوية، بل هي نتيجة مسار متعرج بين دمشق والأكراد جراء تعارض في المواقف تجاه شكل النظام في سوريا، بدءاً من تفجّر الأوضاع الداخلية السورية عام 2011، وحتى بعد سقوط النظام السابق جراء تحالفات معقدة، أبرزها تحالف الأكراد مع قوى إقليمية ودولية (خصوصاً مع الولايات المتحدة وإسرائيل) ما جعلهم يتخذون من هذه التحالفات مصدر قوة عسكرية وسياسية واقتصادية من خلال السيطرة على حقول النفط السورية في مناطق سيطرتهم، والسعي إلى الانفصال عن الجغرافيا السورية من خلال مطالبتهم بالحكم الذاتي.
كما أن الدولة السورية تحالفت مع كل من روسيا وإيران وقوى أخرى غير رسمية، كما تحالفت الجماعات المسلحة المناهضة للنظام مع تركيا، وبعد الإطاحة بنظام بشار الأسد، خرجت إيران وروسيا، فتبدلت التحالفات، وأقام النظام الجديد علاقات مع الولايات المتحدة، إضافة إلى علاقته مع أنقرة، في حين حافظ الأكراد على علاقاتهم مع واشنطن التي أمنت لهم الحماية من كل من أنقرة ودمشق، في حين كانت إسرائيل تراقب الوضع عن كثب فيما كانت قواتها تتمدد في الجنوب السوري حتى أرياف دمشق، وتتدخل في الشؤون الداخلية السورية بزعم حماية الأقليات، خصوصاً المكون الدرزي في منطقة السويداء، والمكون الكردي في شمال شرق سوريا.
كانت تحالفات الضرورة بين هذه القوى تشكل عامل تفجير داخلي يهدد الكيان السوري ويطيح بوحدة الأرض السورية وبالوحدة الوطنية، وظل التحالف بين واشنطن والأكراد يلقي بظلال من الشك على علاقات الولايات المتحدة مع كل مع الحكومة السورية الجديدة من جهة والحكومة التركية، التي ظلت ترى في قوات «قسد» امتداداً لحزب العمال الكردستاني التركي المتهم بالإرهاب، ولم تتمكن الإدارة الأمريكية من حسم موقفها من الأكراد الذي ظل ملتبساً، رغم الجهود التي بذلتها لإبرام اتفاق بينهم والحكومة السورية في مارس/ آذار الماضي، يقضي باندماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مع الجيش السوري، إضافة إلى دمج مؤسسات الإدارة الذاتية المدنية ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المطار والمعابر وحقول النفط، على أن يتم حل قوات (قسد). لكن هذا الاتفاق الذي وقعه آنذاك الرئيس أحمد الشرع وقائد «قسد» عبدي مظلوم ظل حبراً على ورق، رغم أن عمليات الدمج كان يفترض أن تتم في مطلع العام الحالي.
كانت معارك حلب نتيجة حتمية لهذا الفشل، وأيضاً نتيجة لعدم ممارسة واشنطن ما يكفي من ضغوط على حليفها الكردي بما يمكّن الدولة السورية من أداء واجباتها ومسؤولياتها في العمل على فرض سلطتها على الأرض السورية والتخفيف من حدة الاحتقان التي تعيشها بعض المناطق في الساحل السوري ومنطقة السويداء، والسعي إلى تحقيق الاستقرار فيها.
حاولت إدارة ترامب التخفيف من وطأة ما جرى في حلب، حيث أجرى مبعوثه توم برّاك محادثات في دمشق مع الرئيس السوري، بحثا خلالها المسار الأوسع للمرحلة الانتقالية في سوريا وكيفية التغلب على الاستعصاء الكردي. لكن مع تأكيد برّاك دعم جهود الحكومة السورية لتحقيق الاستقرار، بدا لافتاً إشادته بالشراكة مع «قسد» التي «قدمت تضحيات في تحقيق مكاسب ضد الإرهاب».
فهل تبدأ واشنطن جهودها مجدداً لإحياء اتفاق مارس/ آذار بين دمشق والأكراد، أم تعود المعارك، لكن هذه المرة في غير حلب؟
أحجية معركة حلب
12 يناير 2026 00:27 صباحًا
|
آخر تحديث:
12 يناير 00:27 2026
شارك