تواصلت على مسارح القاهرة فعاليات الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي، مع تقديم عدد من العروض العربية المشاركة، وسط حضور لافت من المسرحيين، والنقاد، والجمهور، وشهدت خشبات مسارح السامر، والسلام، والجمهورية، عروضاً تمثل تجارب مسرحية متنوعة، من بينها العرض الكويتي «من زاوية أخرى»، والمغربي «Windows F»، والتونسي «جاكراندا»، التي تنوعت في رؤاها الجمالية واشتغالاتها الفنية، مقدمة للجمهور فرجة مسرحية دسمة.
جاءت أولى العروض على مسرح السامر بالقاهرة، مع عرض «من زاوية أخرى» في أمسية مسرحية امتزجت فيها روح التجربة الخليجية مع الذائقة العربية العامة، في لعبة ذهنية تضع المتلقي في مواجهة تساؤلاته الخاصة حول الذنب، الخطيئة، والانتقام، داخل فضاء درامي رمزي لا يرتكز على زمن محدد، أو مكان واضح، ما يفتح الباب أمام التأويل والتلقي الشخصي لكل عنصر على الخشبة.

حبكة غامضة


تحكي «من زاوية أخرى» قصة جريمة قتل داخل قصر غامض، راح ضحيتها جميع أفراد العائلة، لتبدأ رحلة التحقيق في ملابسات هذه الجريمة بأسلوب مشوق، يمزج بين الواقعية والتحليل النفسي، كما تستعاد الأحداث من وجهات نظر متقاطعة، ما يجعل الحكاية أكثر تعقيداً من كونها مجرّد لغز جنائي.
الرؤية الإخراجية للمخرج محمد جمال الشطي بدت محكمة في سعيها إلى خلق نص مسرحي قابل للتفسير أكثر من كونه قابلاً للحل، تاركاً مساحة للأحداث لتترابط وتتشابك، مستفيداً من عناصر الإيقاع المسرحي التي تعيد تجميع اللحظات المتناثرة في سرد حواري يستفز المتلقي ويشركه في البناء الدرامي، ليكون شريكاً في خلق المعنى وتفسير الأحداث.
قدم العرض سينوغرافيا تنسجم مع حبكته الغامضة، تصاميم الديكور جاءت بسيطة توحي بغرف القصر، مع لعب على الظلال، والرموز، والتصميم المكياجي، الذي أضاف بعداً نفسيا لأحداث الحبكة، ليضع الجمهور في قلب الحدث المغلق للقصر، كما ،سهمت الإضاءة المدروسة في كشف خبايا الشخصيات، وتوتراتها، فالأضواء الخافتة والظلال المتحركة تكسب المشهد إحساساً بالهواجس الداخلية، بينما تعيد معدات السينوغرافيا ترتيب المشهد بشكل متكرر تبعاً لتطورات التحقيق.
أداء الممثلين تميز بديناميكية عالية، وحضور قوي على الخشبة، حيث يتماهى الأداء مع طبيعة العرض الرمزية مع لحظات حركية متقنة تجعل من الجسد جزءاً من اللغة التعبيرية، في أداء متوازن بين التفجير العاطفي والتحكم الذهني، ما أتاح للمتلقي أن يعيش حالة الاضطراب والغموض التي يطرحها النص.

قضايا


وعلى مسرح السلام جاء العرض المغربي «Windows F»، يحمل سردية نحو تقاطع الإنسان مع القدر، مع إعادة لقراءة علاقة الإنسان بهويته، مسلطاً الضوء على قضايا المرأة، وما تتعرض له من ظلم واضطهاد في المجتمع، في فضاء مسرحي يجسد تلاقي عالمين، نظام تشغيل يوحي بالعالم الرقمي، وبين «F» التي تمثل المرأة.
تدور المسرحية في سياق رمزي يجمع بين «السجن الافتراضي»، وواقع العلاقات الاجتماعية المعاصرة، حيث تسجن ثلاث نساء تورطن في قضايا جنائية، ولكن رؤية النص جاءت لتبرز دور الضغوطات الاجتماعية في تورطهنّ في هذه القضايا، زوج قاس، وظلم المجتمع للموهوب والمبدع، والموروثات الاجتماعية التي تدين المرأة، وتحاصرها في قضايا الإنجاب، وهي بلا شك من أبرز القضايا الاجتماعية التي تشغل المرأة العربية، وفي هذا السجن الافتراضي يعاد توزيع القوى والحرية، وتتشابك التجارب الإنسانية، بين حرية الافتراضات وحدود الواقع الاجتماعي.
وترتكز رؤية المخرج أحمد أمين ساهل في العمل على جعل المسرح قادراً على الكلام بما لا يُقال دائماً في الحياة اليومية، بحيث يرتكز على التجريب الفني واللغوي، وتتقاطع النصوص والحوار مع تأثيرات ثقافية معاصرة، وتُوظّف لتوليد خطاب مسرحي عصري يربط بين المظاهر اليومية وهموم المرأة.
السينوغرافيا في «Windows F» اعتمدت على البساطة والعمق من خلال استخدام الوسائط الرقمية والتقنيات المرئية، محققاً نوعاً من التحكم البصري في تصور الفضاء المسرحي، بحيث يصبح المشهد أشبه بنظام معلوماتي يحدّد آليات تفاعل الشخصيات والأحداث، فالإضاءة والخرائط الرقمية والموسيقى تتقاطع لتخلق عالمًا يُشبه «السجن الافتراضي»، حيث يصبح الجسد مرتبطًا بالقواعد المعلوماتية التي تتحكم في كل حركة وتعبير، وتُظهر كيف تسيطر الأنظمة على الجسد والفكر داخل اللعبة الدرامية.

وعي


واختتمت الفرجة على مسرح الجمهورية مع العرض التونسي «جاكراندا»، الذي يحمل عنوانه في طياته رمزية، ثقافية وجمالية، مباشرة؛ حيث شجرة جاكراندا مع أزهارها البنفسجية تمثّل في الذاكرة الجمعية التونسية أياماً من التاريخ القريب، وتعبّر عن أمل وذكريات جماعية مركّبة تكاد لا تُفصَل عن السياق الاجتماعي والسياسي.
سرد الحبكة ينطلق من واقع اجتماعي تونسي وعربي، ليفتح نافذة تأمل على آليات تداخل الفرد مع أنظمة اجتماعية، اقتصادية وثقافية عبر فضاء رمزي، في تجربة مسرحية جمالية وفكرية تزاحم الجمهور بأسئلة كبيرة حول ماضيه، حاضره، ومستقبله، في مجتمع واعٍ بتعقيداته، في عرض يدمج النقد الاجتماعي والوجداني مع أداء جماعي مكثّف.
توفر المسرحية مرآة للمجتمع، أفراداً يرزحون تحت وطأة الأزمات، ضبابية الوعي، وحسابات الذات في مواجهة سلطة نظم العمل، مع رؤية إخراجية تنحو صوب مسرح يشتغل بخاصية الجدل والحوار الداخلي، باعتباره منطق يؤسس لوقت درامي متدفق يربط بين الممثل والمتفرج في تفاعل فكري وحسّي، يجعل الجمهور شريكاً في بناء المعنى.
السينوغرافيا وتصميم الفضاء المسرحي جاء معبّراً عن الحبكة برمزية عالية، من خلال قطع ديكور بسيطة وإضاءة مدروسة بعناية في توزيعاتها ودلالتها، جاءت خافتة أحياناً، وخاضعة للظلال لتسليط الضوء على المتنافضات في الفضاء الدرامي، لتعمل مع الموسيقى والمؤثرات الصوتية في تكوين عناصر معبرة عن فقدان الاتجاه، والبحث عن الذات، لتنتج السينوغرافيا لغة إضافية للحركة، الصوتية والجسدية، للممثلين.
جاء الأداء من الممثلين مرتكزاً على الحوار بين الجسد والصوت، واستطاع إحداث تأثيرات وجدانية تتجاوز الكلمات، ما جعل لحظات العرض دفقة حيوية تنطلق من اللحظة نفسها، حيث يرتبط الصوت الجسدي بكثافة المشاعر، والصمت يصبح جزءاً من اللغة التعبيرية.