تعكس فعاليات الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي في القاهرة تنوّع التجارب الفنية وثراءها. فقد احتضنت مسارح السامر والسلام والجمهورية ثلاثة عروض قادمة من العراق والإمارات وتونس، قدّمت رؤى فنية مختلفة، لكنها التقت عند الانشغال بالإنسان وقضاياه الراهنة.
هذه العروض، بما حملته من حساسية جمالية وجرأة فكرية، نجحت في إثارة تفاعل جماهيري واسع، كما طرحت على الخشبة أسئلة ملحّة حول قضايا إنسانية عميقة، من بينها مواجهة التطرف، وتفكك الأزمات الأسرية، والصراع المستمر من أجل الحرية والكرامة الإنسانية.
استضافت خشبة مسرح السامر، المسرحية العراقية «طلاق مقدس» من تأليف وإخراج علاء قحطان، الذي قدّم قصة زوجين يختاران الطلاق في عالم يحكمه قانون متطرف، تدور الأحداث داخل غرفة معزولة، حيث يواجه الزوجان جماعة عقائدية، في معالجة درامية لفكرة التطرف السياسي والديني وحتى العاطفي، مع التركيز على أخطاء الأجيال السابقة التي يدفع الأبناء ثمنها، ويبرز العرض في فكرته الرئيسية أزمات الإنسان العراقي المتشابكة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً ودينياً، طارحاً تساؤلات حول تحول التطرف وغياب الذاكرة الاجتماعية، ليغدو العرض نقداً للواقع العراقي وحتى العربي بعد سنوات الصراعات.
*تفاعل
جاءت الرؤية الإخراجية لعلاء قحطان، متوازنة وجريئة في معالجة حساسية القضية، معتمدة أسلوباً مباشراً يمزج بين الصراحة اللفظية والتوتر الدرامي المتصاعد، حيث يستعرض الإخراج اضطرابات اجتماعية مركبة ناتجة عن الحروب والتطرف الديني والسياسي، محولاً فضاء الغرفة المعزولة إلى فسحة رمزية تعكس الضغط النفسي الجماعي، في عمل جماعي على الخشبة جمع بين الفرجة والمتعة البصرية والنقد الاجتماعي، في نقاش درامي يتجاوز حدود المسرح ليلامس الذاكرة الجماعية بحس إنساني عالي.
أسهمت السينوغرافيا في تعزيز الجو المكاني الخانق، باستخدام ديكور بسيط للغرفة المعزولة يعكس الضغط الاجتماعي والخوف، أثاث بسيط ونافذة مع ستارة وباب متعدد الأقفال في إشارة رمزية إلى فقدان الأمن، مع إضاءة مدروسة بعناية قامت بدورها في إبراز الصراع الداخلي للشخصيات والمواجهات المباشرة، ترافق ذلك مع أداء عالٍ للممثلين، تميز بالصدق والانفعال والحضور الذهني، حيث جسدوا الشخصيات بتوتر نفسي ينقل القلق الإنساني، مع تفاعل حيوي جعل الجمهور شريكاً في الصراع، ليفتح أمامه آفاق متعددة لنقد الواقع والأفكار والمعتقدات إذا ما تجاوزت حدودها، وحولت الإنسان إلى أداة تنفيذية على حدود الظلام.
تفاصيل إنسانية
في ثاني العروض على مسرح السلام، عرضت المسرحية الإماراتية «بابا»، لفرقة مسرح الشارقة الوطني ومن تأليف وإخراج محمد العامري، حيث تتكئ حكايته على معالجة قضايا الترابط والانفصال، ومسؤوليات الوالدين، مستمدة من نص عربي يعكس الواقع الاجتماعي بصدق.
قصة العمل التي تتناول حكاية إخوة يعودون إلى البيت الذي صار خراباً وسرعان ما يغرقون في بحر من الذكريات الأليمة، عبر تقنية «الفلاش باك»، عندما يتذكرون حياتهم مع والدهم الذي كان جباراً متسلطاً يفرض هيمنته على الأبناء، إذ كانت رؤيته ومنهجه وأسلوب حياته هو السائد، وأراد لأولاده أن يكونوا نسخاً متكررة منه، فهكذا تكون الرجولة، وأمام هذا الواقع المرير حانت بالنسبة للأبناء ساعة التمرد، فقد وجدوا أن من الضروري أن ينفلتوا من هذه القبضة الخانقة التي تحيل حياتهم إلى جحيم، ويستعيد العمل تلك الحواريات التراجيدية التي جرت بين الأب وأولاده، وكان الحل النهائي بالنسبة لهم هو مغادرة هذا السجن المغلف بمشاعر مؤذية رغم أنها صدرت من الأب باعتبار أن ذلك هو الطريق القويم، وبالفعل خرج الأبناء من المنزل، ليبقى الأب وحيداً ثم يموت في النهاية، وناقش العرض بأسلوب فني درامي تلك المفاهيم المتعلقة بالسلطة المطلقة والاستبداد من خلال الإسقاط على تلك الحكاية بين الأب وأولاده
يعكس الإخراج لمحمد العامري رؤية جماعية متنوعة تجمع فنانين من دول متعددة، مع التركيز على بناء الشخصيات من خلال توترات لحظية مكثفة، ما جعل العرض مميزاً الفكرة والمعالجة والأسلوب، عبر وضع مقاربات للعرض تقوم على أدوات الفعل المسرحي، وبصورة خاصة عناصره المختلفة من ديكور وإضاءة وأزياء، مع توازن بين الكوميديا الخفيفة والعمق الدرامي، في إيقاع حافظ على انتباه الجمهور.
اعتمدت سينوغرافيا العرض على تصميم بسيط معبر، مع استخدام الخلفية كشاشة عرض داخل منزل واقٍ بأثاث، عبارة عن طاولة ومجموعة كراسي، ما خلق فضاء بصرياً يتناسب مع جوهر الحكاية دون ازدحام بتفاصيل عبثية لا تخدم فكرة العرض، مع لمسات رمزية تكشف التوترات الخفية، مدعومة بإضاءة ديناميكية مدروسة بعناية تحول المنزل إلى فضاء درامي، وقد برز أداء الممثلين وحضورهم الذهني العالي على الخشبة وخصوصاً الفنان «أحمد الجسمي» والذي لعب دور الأب، فيما أكد باقي الممثلين حالة الانسجام والتنوع الثقافي، حيث قدموا الشخصيات بصدق عاطفي ينقل التعقيدات الإنسانية، ما أثار إعجاب الجمهور الحاضر في المسرح.
قضايا
اختتمت الثلاثية على مسرح الجمهورية بعرض «الهاربات» التونسي، نص وإخراج وفاء طبوبي، وتدور فكرة العرض الذي قدم قصة يوم عادي في محطة انتظار النقل العام، يوم يبدو بسيطاً لكنه يحمل دلالات إنسانية مركبة، مع ست شخصيات نسائية من واقعها نحو الحرية، وتنطلق الفكرة العامة للعرض من مفهوم «الخرافة» التونسي، معالجة قضايا الإنسانية في عالم مضطرب، دون التركيز الضيق على النسوية، بل على التوازن الدرامي والصراع اليومي.
اعتمدت الرؤية الإخراجية لطبوبي على عمل جماعي محكم، جعل من العرض بنية حيّة تتكامل فيها العناصر الفنية دون افتعال أو استعراض زائد. فقد سعى الإخراج إلى بناء علاقة عضوية بين الممثلين والفضاء والجمهور، عبر دعوة المشاهد إلى الانخراط الوجداني في الفعل المسرحي باعتباره شريكاً في التجربة، هذه المقاربة ابتعدت عن التعقيد والمبالغة، وانتصرت لبساطة جمالية واعية، مشحونة بدلالات إنسانية عميقة تلامس اليومي والمشترك.
وتجلّت قوة السينوغرافيا في قدرتها على تحويل البسيط إلى طاقة تعبيرية، من خلال توظيف عناصر مألوفة أعادت تشكيل اليوم العادي لتحوله إلى فضاء رمزي مفتوح على التأويل، وبدورها أسهمت الإضاءة، بتوزيعها الدقيق، في كشف الطبقات النفسية الداخلية للشخصيات وتعميق حضورها الدرامي، أما أداء الممثلين فجاء منسجماً نابضاً بطاقة عاطفية صادقة، يقوم على ثقة متبادلة وصرامة رقيقة، ما أتاح للجمهور أن يختبر إنسانيته مباشرة أمام الخشبة.