ينهض المشروع الثقافي الكبير لإمارة الشارقة برافعة المبادرات الفكرية والثقافية والمعرفية لصاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، حيث إن رؤيته وإسهاماته الفكرية هي التي تقف وراء تلك الإنجازات العظيمة التي صنعتها إمارة الثقافة، واحتلت مركزاً علمياً كبيراً من بين مدن وعواصم العالم. وها هو كتاب «مجمع التواريخ لشبه الجزيرة العربية وفارس/ أحداث في حوليات من عام 1622م إلى 1810م»، الصادر عن منشورات القاسمي لعام 2025، يقف ضمن البحوث والمؤلفات التي أطلقها سموّه في السنوات الماضية كنتاج لجهد بحثي وعلمي كبير يتضمن: «المعجم التاريخي للغة العربية»، و«الموسوعة العربية الشاملة في العلوم والآداب والفنون والأعلام»، وغير ذلك من المؤلفات والمشاريع الكبرى.
واهتم صاحب السموّ حاكم الشارقة، بالتنقيب في التواريخ والسير، وقام بتأليف العديد من الكتب والمراجع التي تنشد الحقائق الخالية من الشوائب والزيف، حيث جاءت تلك المؤلفات وفق منهج علمي صارم عبر الاستعانة بالمراجع المنقحة والمصادر الموثوقة والمخطوطات الحقيقية والنادرة التي لم تطلها يد التحريف، أو فبركة الوقائع، ودس الأكاذيب بين السطور، وكانت تلك المهمة شاقة وتتطلب الكثير من الجهد البحثي المتواصل وما يتبعه من قدرة على التحليل والتفسير والمقارنة وغير ذلك من عمليات ذهنية، حيث استطاع سموّه بالفعل، وعبر زيارات للتاريخ القريب والبعيد أن يصنع منجزات معرفية وعملية كبيرة عملت على الوصول إلى الحقائق التي طالما كانت متوارية خلف هالات من الأكاذيب، خاصة فيما يتعلق بالتاريخ العربي والإسلامي.
ولعل «مجمع التواريخ»، ذلك الإنجاز الجديد، واحد من ضمن تلك الجهود الكبيرة لصاحب السموّ حاكم الشارقة في الاهتمام بالتوثيق والبحث والتنقيب المتواصل، بغية استحضار الوقائع والسير التي حدثت في الماضي لوضعها على طاولة الحقيقة، وذلك رأيناه في العديد من المؤلفات التي رفد بها سموّه المكتبة العربية من مراجع اتسمت بالمصداقية العالية مثل: «إني أدين»، و«محاكم التفتيش»، وتحت راية الاحتلال، وصراع القوى والتجارة في الخليج 1620 - 1820م، والقواسم والعدوان البريطاني (1797 1820)، وتقسيم الإمبراطورية العُمانية، والاحتلال البريطاني لعدن، وصراع القوى والتجارة في الخليج (1620 - 1820)، وجون مالكولم والقاعدة التجارية البريطانية في الخليج 1800، وغيرها من المؤلفات الضخمة التي تكتب التاريخ وفق نهج يقوم على الحقائق الساطعة والناصعة.
وثائق وحوليات
في افتتاح الدورة 44 من معرض الشارقة الدولي للكتاب، قام صاحب السموّ حاكم الشارقة، بالتوقيع على «مجمع التواريخ» الذي يأتي في 33 مجلداً باللغة العربية ومثلها بالإنجليزية، وتحتوي على 1473 وثيقة، واعتمد سموّه في إصداره على وثائق اقتناها من مراكز توثيق عدة شملت الوثائق الإنجليزية والهولندية والفرنسية والعثمانية، إضافة إلى الوثائق البرتغالية التي وضعها سموّه في إصداره، البرتغاليون في بحر عُمان.
وقام سموّه بترتيب وتصنيف الوثائق، حيث استغرق العمل قرابة 40 عاماً، كما ترجم سموّه الوثائق من لغتها الأصلية إلى اللغة العربية، وتحتوي جميعها على الأحداث التي جرت في شبه الجزيرة العربية وفارس من مصادر مختلفة، كما يوفر الإصدار لكل مجلد دليلاً للبحث عن المعلومات المطلوبة في آخر كل مجلد، إضافة إلى الهوامش لتلك الوثائق.
الإصدار يقف وراءه مجهود بحثي كبير وتنقيب لم يعرف الكلل أو الملل من أجل الغايات العلمية العظيمة، ولعل عنوان الكتاب نفسه «مجمع التواريخ»، يحمل العديد من الدلالات المهمة، وعلى رأسها أن الإصدار نفسه لم يترك شاردة أو واردة حول الموضوع إلا أحصاها، وذلك يكشف حجم الجهد المبذول في سبيل الوصول إلى الحقائق الخالصة وإزالة الشوائب، بحيث يصبح هذا المؤلف مرجعاً معتمداً يشكّل إضافة حقيقية للمكتبة العربية، بل والعالمية وللباحثين وطلاب العلم والجامعات في كل مكان.

مرحلة تاريخية
يغطي الكتاب مرحلة تاريخية معينة، جرت فيها الكثير من الوقائع والأحداث، ويعمل الجهد البحثي على التقاط ما سقط من المؤرخين، وما تم تجاهله وتبيان الحقائق ومحاصرة الأكاذيب، ومن هنا، فإن اسم الكتاب «مجمع التواريخ»، يشير إلى تلك الخلاصة من الحقائق التي توصل إليها والمواضيع التي لم تعالج من قبل، وذلك هو ديدن صاحب السموّ حاكم الشارقة في الكتابة التاريخية، من حيث تحري الدقة والمعلومة الصحيحة، وكشفُ كثيرٍ من الممارسات الاستعمارية في تلك الحقبة، فقد آن الأوان أن يُكتب التاريخ العربي والإسلامي بأقلام عربية.
ولعل التوقف عند العنوان مسألة مهمة لتبيان خريطة الكتاب ومحتواه، وذلك أمر أكده صاحب السموّ حاكم الشارقة في لقاء تلفزيوني مع محمد حسن خلف، مدير عام هيئة الشارقة للإذاعة والتلفزيون وبثته قناة الشارقة، حيث أوضح سموّه أن إصدار مجمع التواريخ لشبه الجزيرة العربية وفارس هو تكملة لإصدار البرتغاليين في بحر عُمان، وأضاف سموّه أن الإصدار سمي مجمع التواريخ، لأنه يضم كل الوثائق التي توثق تلك الفترة، فالكتاب يعكس اهتمام سموّه بالوثائق وأهميتها ومتابعتها من مصادر مختلفة وعديدة والعمل على ترتيبها وتصنيفها وترجمتها من اللغات الأصلية إلى العربية من أجل الإحاطة بالأحداث والوقائع.
هيمنة البرتغاليين
الكتاب يغطي مساحات بحثية وتاريخية واسعة، ويبين صورة ذلك التعاقب الاستعماري على المنطقة، فبعد وصول البرتغاليين إلى المنطقة، والسيطرة على مدخل الخليج، وعلى مدخل البحر الأحمر، وصولاً إلى سقوط هرمز سنة 1622م، انتقل البرتغاليون إلى السيطرة على بعض المدن على سواحل عُمان، لتأتي بعدها عدة دول تريد الاستفادة من المنطقة للتجارة، وكانت المرة الأولى لطرد البرتغاليين على يد الإنجليز، والمرة الثانية على يد الهولنديين الذين استنجد بهم الإنجليز، حيث إن الإنجليز والهولنديين أخذوا إعفاء من شاه عباس للحصول على الحرير، وتأسيس مراكز لهم في «غمبرون» التي أصبحت لاحقاً «بندر عباس»، وذلك مقابل إخراج البرتغاليين، ويأتي اختيار «غمبرون»، وليس هرمز بسبب انفصال هرمز عن فارس، ولقلة المؤونة والماء وملوحته فيها مما يؤثر في التجارة.
نفوذ الهولنديين
يتناول الجزء الأول من المعجم لحظات مفصلية من تاريخ المنطقة، بعد أن قام الهولنديون ببسط نفوذهم مع سقوط هيمنة البرتغاليين، ويشير صاحب السموّ حاكم الشارقة إلى أن الهولنديين قد استفادوا من هذا التحول، ليؤسسوا موطئ قدم قوية، وبرزت منذ ذلك الوقت معارك بحرية متكررة بينهم وبين البرتغاليين قرب «قشم»، و«لارك»، ومسقط، كما وُضِعت الخطط لفتح طرق تجارية مباشرة بين هولندا وفارس، في محاولة للسيطرة على تصدير الحرير الفارسي إلى الهند وأوروبا.
ويعكس هذا الجزء المحاولات المستميتة للبرتغاليين في التمسك بمواقعهم عبر عقد تحالفات مع الفرس، وفرض الجزية على «قشم»، وتعزيز وجودهم في مسقط، إلا أن محاولاتهم قد باءت بالفشل، خاصة مع توسع الهولنديين والإنجليز، وظهور قوى عربية محلية تنازعهم النفوذ، وكانت الدولة العثمانية قريبة من هذه الأحداث عبر ما أصدرته من فرمانات سلطانية من عام 1642 إلى عام 1643، موجهة إلى ولاة بغداد والبصرة والأحساء والمدينة المنورة، حرصاً منها على التوازن الإقليمي والتصدي لمحاولات التغلغل الأجنبي في مياه الخليج.

مقتطفات من رحلات
المجلد الثاني من الكتاب، يضم أحداث 22 عاما في الفترة بين 1646 إلى 1667، ويتناول مقتطفات من رحلات ومذكرات قادة الحملات الهولندية إلى البصرة وسواحل الخليج، بينما يسلّط المجلد الثالث الضوء على الأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية في منطقة الخليج والعراق خلال القرن السابع عشر.
أما المجلد الرابع، فيحمل بين دفتيه أحداث عشرين عاماً، متناولاً الأوضاع في الخليج العربي والعراق خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر، ويضم تقارير هولندية مفصلة ومراسلات عثمانية، ويعرض الأحداث المتعلقة بالصراع العماني البرتغالي، فيما يغطي المجلد الخامس جوانب متعددة من تاريخ الخليج العربي والبصرة خلال أواخر القرن السابع عشر.
وتكمن أهمية هذا الجزء في تناول طبيعة العلاقات المعقدة بين القوى الإقليمية، والقوى الأوربية الناشطة في المنطقة، حيث يتضح أن الخليج كان مسرحاً لتشابك المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية في آن واحد.
الحوادث المهمة
يركز المجلد السادس على عدد من الحوادث المهمة تتضمن إشارات متكررة إلى الهجمات العمانية على الموانئ، إلى جانب وقائع تمرد واضطرابات واسعة. أما المجلد السابع، فهو يتوقف عند الصراع الذي حدث بين الشيخ راشد والأفغان، ووجود البرتغاليين في قشم، واحتلال الهولنديين لهرمز.
ويركز المجلد الثامن على لحظة إلقاء القبض على الشيخ راشد بواسطة الإنجليز، واتهام الهولنديين بأنهم من قاموا بهذا الاعتقال. أما المجلد التاسع، فهو يضم أحداث ثلاثة أعوام في الفترة من «1739 1741»، بينما يسلّط المجلد العاشر الضوء على الأحداث في البصرة في منتصف القرن الثالث عشر، ويتناول تعيين تقي خان حاكماً عسكرياً على فارس، ويركز الجزء الحادي عشر على الاضطرابات المتكررة في البصرة، حيث لعبت القوى المحلية والإقليمية دوراً في إشعال الصراع، ويعرّج الكتاب على الحقبة الممتدة من «1753 1760»، وهي التي شهدت الصراع المتواصل بين القوى المحلية والإقليمية في الخليج وحاكم البصرة، وذلك ما يبينه المجلد الثاني عشر.
كما يقدم الكتاب الأحداث التاريخية بشكل سردي ممتع بلا تعقيدات، حيث يتناول المجلد الثالث عشر، أحداث طرد الملا علي شاه من هرمز وتصالحه مع «الهولة»، بمساعدة القواسم، ويتناول المجلد الرابع عشر آخر مهام الهولنديين في «غمبرون»، ويتوقف الكتاب عند أحداث مهمة جرت في عامي 1765 و1766، في مجلديه الخامس عشر والسادس عشر.
أحداث مفصلية
من الوقائع التي تجدر الإشارة إليها في الكتاب، ووضحها سموّه وتنحصر بين الأعوام «1776 1795»، تلك التي تشتمل على عدد من الرسائل والمراسلات الرسمية والتقارير الصادرة عن السلطات العثمانية، إلى جانب مراسلات قناصل أوروبيين ومبعوثين دبلوماسيين في الخليج العربي والعراق والحجاز، والتي تكشف عن طبيعة التنافس بين القوى العثمانية والفارسية والأوروبية في الخليج، أما الجزء الأخير ال«33»، فهو يغطي الفترة الممتدة من «1796 1810»، وهي حقبة شديدة الأهمية، حيث يتناول هذا الجزء أحداثاً توثق تفاعلات سياسية وتجارية ودبلوماسية في الخليج العربي خلال أواخر القرن الثامن عشر وبدايات التاسع عشر، في مرحلة شهدت تحولات كبرى في ميزان القوى بين الدولة العثمانية والقوى الأوروبية خاصة فرنسا وبريطانيا.
