رسم البورتريه ليس مجرد لقطة عابرة بل هو إبداع يحتشد بالكثير من الأفكار والأبعاد الجمالية، هو ذلك الغوص في الوجوه لاستجلاء ما تحمل النفوس، فالوجه هو عنوان الذات وعتبة الإنسان، ومن خلاله لا نتعرف إلى الشخصية التي يتناولها الفنان فقط، بل وكذلك العصر الذي عاش فيه والهواجس التي تحيط به.
الفنان الإماراتي راشد الملا من أبرز الذين تناولوا الوجوه في مشوارهم الفني من خلال أدوات ووسائل إبداعية متنوعة من أجل إبراز جوهر الذات، ولئن كان معظم الفنانين يشتغلون على وجوه النساء أكثر من الرجال، فذلك يعود لأن وجوه النساء تبرز المشاعر بشفافية دون مواربة أو غموض، ويعمل الفنان على التقاط أدق التفاصيل سواء في تعبيرات الوجه أو حتى تلك المحيطة التي تؤثر في البشر، غير أن الملا يتفادى المباشرة في وجوهه سواء النسائية أو الرجالية أو حتى لوحاته الأخرى، فهو يلجأ في كثير من الأوقات إلى التجريد ليصنع لحظته الخاصة المتمثلة في فكرته ورؤيته ليس حول الوجه الذي تناوله، بل تجاه عدد من القضايا التي يشتغل عليها.
ملكة التفاصيل
لعل من أبرز أعمال الملا التي يظهر فيها الاشتغال الإبداعي بصورة جلية، تلك اللوحة التي تحمل عنوان: «ملكة التفاصيل»، والتي تجمع بين الفكرة اللافتة والإبداع الجمالي في الرسم والمتمثل في توزيع الألوان بشكل مميز ما بين الأحمر بحضوره الطاغي، والأزرق بصفائه البديع ودرجاته المتفاوتة، إضافة إلى الأصفر، ويعمل على إبراز التفاصيل الدقيقة للوجه خاصة في العيون التي تحمل في اتساعها دلالة الراحة والهدوء والصمت المحرض على التأمل مع ملمح ربما يسكنه قليل من الحزن، إضافة إلى الاشتغال على طول الرقبة التي تسكنها بعض التفاصيل، والشعر المسافر نحو أزمنة سحيقة بزرقته الداكنة التي تجمع ما بين الصفاء والغموض في ذات الوقت.
تروي لوحات الملا فلسفة الحياة وطبيعة العلاقات الاجتماعية بين الناس، كما يعالج بعض المواضيع المتصلة بحياة البشر اليومية فضلا عن التعبير عن التراث ما بين الماضي والحاضر، وهو يفعل ذلك بشكل يجعل من اللوحة فضاء وبراحات يحشدها بالتفاصيل، فنلاحظ في هذا العمل أن هنالك العديد من العلامات الظاهرة والخفية والتي تحمل دلالات تحيل إلى مواضيع مختلفة، وربما يتضح ذلك الأمر من عنوان اللوحة نفسه «ملكة التفاصيل».
دلالات
صارت اللوحة بهدوئها وسكونها مناسبة لأن يمارس المشاهد فعل التأمل حيث يخفت ضجيج الأشياء ليقوم العقل بالتفكير من أجل حل ألغاز العلامات وصولاً للدلالات عبر عملية التأويل التي ينخرط فيها، فالشعر الذي يعتلي رأس الفتاة هو بمثابة البحر كمفردة تراثية بكل زرقته الداكنة، وكذلك الطائر الذي يقف على كتف الفتاة يرمز إلى الطبيعة الغنية.
تفاصيل
يأتي في سياق البحر كذلك تلك السمكة على صدر الفتاة التي ترمز إلى طرائق العيش الذي كان يعتمد على الصيد في وقت من الأوقات، حيث أن تلك اللحظة من اللوحة تجعل المشاهد يسافر نحو أزمنة مضت ولايزال أثرها باقيا في حياة البشر، ولعل المشاهد في تلك اللحظة يتنسم عبير البحر ويعود بذاكرته نحو السفن التي كانت تبحر طولا وعرضا، وربما تهمس في الأذن أغاني البحارة القديمة وشدوهم الجميل، وتحمل اللوحة كذلك علامات أخرى مثل النبتة على يمين الفتاة، والشجرة التي تحملها دائرة صغيرة في قلب اللوحة بخلفية صفراء وكأنها ترمز إلى الصحراء والحياة التي سادت فيها وما تمثله لإنسان المكان، فاللوحة تبدو وكأنها حكاية سردية تحمل قصصاً مختلفة من الواقع والبيئة بطلتها تلك الفتاة.
بدأ الملا رحلته الفنية بالزيت والإكريليك وركز على المناظر الطبيعية والبورتريهات الشخصية. وطور أسلوبه الخاص مؤخراً في أعماله المستوحاة من القصص الشعبية والخيالية السحرية والعواطف الإنسانية وتحويل أعماله الفنية إلى مساحة استكشاف المعنى. في السنوات القليلة الماضية، عرض أعماله في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، و«فن ديزاين» ومهرجان «سكة للفنون والتصميم»، والمجمّع الثقافي في أبوظبي، ومتحف الشارقة للفنون.
