قبل أن تكمل دولة الإمارات ثلاث سنوات على قيام الاتحاد، وفي اليوم الأول بالعام الدراسي، في مدرسة خالد بن الوليد بالجزيرة الحمراء، إحدى قرى رأس الخيمة، يوزع معلمنا كراسات زرقاء وقلم رصاص وبرّاية وممحاة لكل تلميذ، ثم يضع علبة الطباشير البيضاء الجديدة على جانب السبورة السوداء بجانب المسّاحة.
وبنبرة واثقة، يقول المعلم «سنذهب الآن إلى مخزن المدرسة لاستلام الكتب»، وخرجنا في صف منتظم إلى المخزن، وكان بانتظارنا أمين المخزن ليعطي كلاً منا كتب التربية الإسلامية واللغة العربية والعلوم والحساب والتاريخ والجغرافيا وكراسات الموسيقى والنسخ والرقعة للمرحلة الابتدائية، لنعود بعدها إلى فصلنا حاملين كتبنا على أذرعنا النحيلة.
كانت البهجة تملأ قلوبنا فرحين بكتبنا الجديدة، وما هي إلا لحظات وتبدل شعورنا من الفرح إلى الخوف، حين أخبرنا المعلم بأننا ذاهبون إلى العيادة القريبة من المدرسة لأخذ جرعة التطعيم (إبرة الشنتار) وكان غالبية التلاميذ يتلقون التطعيم للمرة الأولى في حياتهم، فلم تكن اللقاحات موجودة ببلدنا حينها.
في مدرستنا لا توجد كافيتريا، ولكن كانت تصلنا يومياً قبل انتهاء الحصة الثالثة التغذية المدرسية، ويؤتى بصندوق خشبي يحتوي على عصير أو حليب في عبوة ورقية بشكل هرم، بالإضافة إلى خبز الصمون مع جبنة المثلثات وحبات تفاح أو برتقال وتوزع على التلاميذ.
وفي فصل الشتاء، نذهب إلى مخزن المدرسة مرة أخرى، وتوزع علينا قطعة من الصوف رمادي اللون، وماهي إلا أيام قليلة وترى جميع أولاد القرية يرتدون كنادير الصوف الرمادي.
أما مكتبة المدرسة، فلم تكن تحتوي على كتب كثيرة، وكان أغلب الطلاب ممن يذهبون إلى المكتبة يبحثون عن العدد الشهري الجديد لمجلة «العربي»، مواضيعها دائماً شيقة، وبالنسبة لطفل في المرحلة الابتدائية يعيش في قرية صغيرة، كانت المجلة بمثابة نافذة على العالم الذي لا يعرف عنه الشيء الكثير.
عندما وصلت الكهرباء تدريجياً إلى بيوت الجزيرة الحمراء، كان عدد التلفزيونات محدوداً، وأحدها كان في بيت جدي، وأتذكر أن جهاز التلفزيون «أندريا» كان له باب خشبي سحّاب، يجتمع حوله أطفال الجيران لنشاهد مسلسلات بالأبيض والأسود مثل «ابن الحطاب» و«علاء الدين»، وفي المساء كانت النساء يجلسن متغشيات أمام الشاشة ظناً منهن أن المذيع يستطيع رؤيتهن مثلما يرينه، أما أغاني عبد الكريم عبدالقادر، مثل «مركب غرامي» و«ما نسينا»، فكانت دائماً حاضرة.
ذات مرة سألت أمي عن الكراسة الزرقاء وعن صورة الرجل على غلاف الكراسة الزرقاء فقالت «هذا الشيخ صباح السالم الصباح أمير دولة الكويت»، عندها نظرت إلى كتبي المتناثرة حولي التي يعلوها شعار السفينة ذات الأشرعة فقرأت لها: «وزارة التربية والتعليم دولة الكويت»، سألتها: «لماذا دولة الكويت؟»، فردت: «هاذيل أهلنا وهذا من خيرهم، جزاهم الله خير».
صمونة الجبن والكنادير الصوف والمدرسة والكتب والعيادة واللقاحات والمدرسون كلها جاءت من الكويت، هم أهل الفضل، تذكرونا عندما نسينا العالم.