أعاد السفير الصيني في واشنطن، شيه فنغ، فتح واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات الصينية–الأمريكية، عندما استحضر الحرب الأهلية الأمريكية لتبرير موقف بكين من تايوان، في مقابلة أثارت اهتماماً سياسياً وإعلامياً واسعاً، داخل الولايات المتحدة وخارجها. ولم يكن هذا الاستدعاء التاريخي مجرّد تشبيه عابر، أو خطاب دبلوماسي تقليدي، بل جاء ضمن سياق سياسي واستراتيجي بالغ التعقيد، تزامن مع زيارة الرئيس الأمريكي ترامب إلى الصين، في وقت تشهد فيه منطقة مضيق تايوان أعلى مستويات التوتر العسكري والسياسي، منذ سنوات.
الرسالة الصينية بدت واضحة: فبكين تعتبر قضية تايوان مسألة سيادة وطنية غير قابلة للمساومة، وترفض أيّ تدخل خارجي فيها، تماماً كما رفضت الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر أيّ تدخل أوروبي في حربها الأهلية بين الشمال والجنوب. ومن خلال هذا الربط، حاولت الصين توظيف التاريخ الأمريكي نفسه لإحراج واشنطن، سياسياً وأخلاقياً، عبر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة التي خاضت حرباً دامية للحفاظ على وحدة أراضيها، لا يمكنها – من وجهة النظر الصينية – دعم نزعات انفصالية في تايوان.
هذا الطرح الصيني يعكس تحولاً مهماً في الخطاب الدبلوماسي لبكين، التي باتت تستخدم أدوات أكثر جرأة وذكاء في مخاطبة الرأي العام الأمريكي، وليس الإدارة الأمريكية فقط. فالصين تدرك أن الصراع مع واشنطن لم يعد مجرّد منافسة اقتصادية، أو عسكرية، بل أصبح أيضاً معركة روايات، تاريخية وسياسية، تهدف إلى كسب الشرعية الدولية، وإعادة صياغة مفاهيم النظام العالمي.
وفي هذا السياق، تحاول بكين تقديم نفسها باعتبارها دولة تدافع عن وحدة أراضيها وسيادتها، بينما تصوّر الدعم الأمريكي لتايوان باعتباره تدخلاً في شأن داخلي صيني. ومن هنا، فإن استحضار الحرب الأهلية الأمريكية لم يكن مجرّد مقارنة تاريخية، بل رسالة سياسية مباشرة، مفادها أن الصين مستعدة لتحمّل كلفة المواجهة إذا اقتضى الأمر منع استقلال تايوان.
وتكتسب هذه الرسائل أهمية أكبر في ظل التصعيد العسكري المتواصل في محيط الجزيرة، خلال الأعوام الأخيرة. فمنذ تولي الرئيس التايواني لاي تشينغ-ته السلطة، عام 2024، كثّفت الصين مناوراتها العسكرية واسعة النطاق حول تايوان، بما في ذلك مناورات «السيف المشترك» التي حاكت فرض حصار كامل على الجزيرة. كما شهد عام 2025 ارتفاعاً قياسياً في اختراق الطائرات والسفن الصينية لمنطقة الدفاع الجوي التايوانية، إضافة إلى تدريبات عسكرية ضخمة هدفت إلى محاكاة تطويق الجزيرة، ومنع أيّ دعم خارجي محتمل من الولايات المتحدة، أو اليابان.
هذه التحركات لا تعكس رغبة صينية في ممارسة الضغط النفسي والعسكري على تايبيه فقط، بل تحمل أيضاً رسائل ردع واضحة إلى واشنطن. فبكين تريد أن تؤكد أن أيّ محاولة لدعم استقلال تايوان ستُقابل بردّ حازم قد يصل إلى حد المواجهة العسكرية المباشرة. ومن هنا، يمكن فهم تصريحات السفير الصيني باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تثبيت «الخطوط الحمراء» الصينية قبل أيّ تفاوض، سياسي أو اقتصادي، مع الإدارة الأمريكية المقبلة.
في المقابل، لم تتعامل واشنطن مع هذه التصريحات ببرود. فقد صدرت ردود فعل أمريكية رسمية اعتبرت أن المقارنة الصينية بين تايوان والحرب الأهلية الأمريكية «مضللة وغير مقبولة».
لكن خلف هذا السجال العلني، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً، بخاصة مع عودة ترامب إلى المشهد السياسي الأمريكي. فالرئيس الأمريكي المعروف بعقليته البراغماتية والتجارية ينظر عادة إلى العلاقات الدولية من زاوية «الصفقات»، والمكاسب الاقتصادية، بينما تتعامل الصين مع قضية تايوان باعتبارها قضية، وجودية وسيادية، غير قابلة للمساومة.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية في العلاقة بين الطرفين. فبكين تسعى إلى فصل الملفات الاقتصادية عن الملفات السيادية، بمعنى أنها مستعدة لتقديم حوافز اقتصادية ضخمة للولايات المتحدة – سواء عبر زيادة الاستثمارات أو شراء المنتجات الأمريكية – مقابل تخفيف الدعم السياسي والعسكري الأمريكي لتايوان. أما واشنطن، فترى أن التخلي عن تايوان، أو تقليص دعمها، قد يُفسَّر باعتباره تراجعاً استراتيجياً أمام الصين، بما يضر بمصداقية الولايات المتحدة تجاه حلفائها في آسيا.
وعلى الرغم من أن كلا الطرفين يدرك خطورة أيّ صدام عسكري مباشر، فإن تصاعد الخطاب القومي والتنافس الاستراتيجي يجعل هامش المناورة أضيق من السابق. فالصين ترى أن استعادة تايوان جزء من مشروعها القومي الكبير، لإعادة بناء مكانتها العالمية، بينما تعتبر الولايات المتحدة أن الحفاظ على الوضع القائم في المضيق ضرورة استراتيجية لمنع اختلال ميزان القوى في آسيا.
لذلك، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من الضغوط المتبادلة ومحاولات اختبار الإرادات، بخاصة إذا استمرت بكين في تعزيز قدراتها العسكرية، وواصلت واشنطن توسيع دعمها السياسي والعسكري لتايوان. وبين براغماتية ترامب وخطوط الصين الحمراء، تبقى تايوان العقدة الأكثر خطورة في المشهد الدولي المعاصر، والقضية القادرة وحدها على إعادة تشكيل مستقبل العلاقات بين أكبر قوتين في العالم.
* أستاذة مشاركة في العلوم السياسية، كلية العلوم السياسية والاقتصاد، جامعة بني سويف (مصر). خبيرة في السياسة الصينية، والعلاقات مع إسرائيل، والشؤون الآسيوية. (موديرن دبلوماسي)
