اهتم الإنسان منذ آلاف السنين بتشييد المباني التي تعكس تطور هويته الحضارية، ونجد في حضارات كثيرة بصمة معمارية مميزة، لا تزال آثارها باقية وشاهدة على الرقي والتمدن، من حضارات بلاد ما بين النهرين والحضارة الإغريقية والرومانية وغيرها، ولعل من أبرز تلك المباني «المدرجات» التي بناها الإغريق في أحضان التلال، ثم جاء الرومان ليضيفوا لمستهم الخاصة لهذا الفن المعماري، وكانت لهذه المدرجات المعمارية بعداً رمزياً لاجتماع الناس، إضافة إلى كونها ملتقى للفنون والفكر وعروض القوة والمهارة.
وفي هذا الامتداد التاريخي، يأتي مدرج خورفكان على الساحل الشرقي لإمارة الشارقة، ليواصل الإرث الحضاري والثقافي بروح جديدة معاصرة، يقع المدرج على سفح جبل السيده في مدينة خورفكان في حضن الجبال المطلة على البحر، حيث جذبت هذه التحفة المعمارية إليها الأنظار منذ افتتاحه عام 2020، ليغدو رمزاً ثقافياً وحضارياً يجمع بين الأصالة والتجديد، وبين ذاكرة المكان وحيوية الحاضر.
يمتاز فن العمارة الخاص بالمدرج بالطابع الروماني الممزوج بعبق التصاميم الإسلامية الغنية بعناصرها وتفاصيلها، ويتمتع بواجهات حجرية تشتمل على 234 قوساً و295 عموداً تضفي على المدرج لمسات هندسية إسلامية لا مثيل لها، ويحمل التصميم في طياته عمقاً تاريخياً بأسلوب عصري وحديث، وبتصميم على شكل نصف دائرة يتسع لما يزيد على ثلاثة الآف متفرج، يواجه البحر في مشهد يسحر الألباب، ويربط الإنسان بالطبيعة وروح المكان، حيث تنسجم أحجاره الرملية المنحوتة مع لون الجبال المحيطة، في تناغم وتكامل هندسي مميز، تنعكس على جدرانه خيوط الشمس الذهبية نهاراً، وفي المساء يتحول إلى مسرح للضوء والصوت، يحتضن العروض المسرحية والموسيقية والأمسيات الثقافية.
يقدّم المدرج رؤية جمالية متكاملة بصرياً، في وعي يذكّر بروح العمارة القديمة؛ إذ يلمس الزائر للمكان تناغماً معمارياً منسجماً في محيطه المكوّن من الماء والحجر، ليجمع بين الصلابة والانسيابية، وروح الماضي ورؤية المستقبل، تنحدر مقاعد المدرج وكأنها أمواج حجرية، وتلتف حول مركز المدرج برمزية احتضانها للفن والثقافة، فيما تكشف الإضاءة في المدرج، سواء نهاراً أو ليلاً، عن كتل حجرية في بعد يؤكد رسوخ الفكر والثقافة في حاضر الإمارة ومستقبلها.
لا يقتصر جمال المدرج على معماره، بل يمتد إلى رمزيته الثقافية، التي تعبر عن مكانة الفنون في حياة الإنسان المعاصر، وسط ما نشهده من طوفان تكنولوجي ورقمي، يأتي المدرج ليمنح الناظر فسحة تأملية، حيث يمتد أمامه البحر، في مدينة تحتضن الفعل الثقافي، وتجسد معنى المشاركة الثقافية في المدن الحديثة، لتغدو هذه التحفة المعمارية مسرحياً لحوار الأفكار والثقافات، وتعيد فكرة الاجتماع الإنساني حول الفن الراقي.
*عروض
منذ افتتاحه، شهد المدرج سلسلة من الفعاليات التي رسخت من مكانته المعبرة عن الهوية والثقافة الإماراتية، وقدمت على مسرحه عروض موسيقية متنوعة، وحفلات جماهيرية لأهم فناني العرب والعالم، كما شهدت خشبة المدرج عروضاً مسرحية، واحتفالات بالمناسبات الوطنية، في تنوع يمنح للمدرج حياة خاصة، كل ذلك كان له دورٌ في صناعة هوية المكان، التي تجمع بين الجمال الفني والقيمة الاجتماعية، يتجاور فيها المعمار الحديث مع التاريخ المحلي العريق للمدينة.
وليكتمل المشهد الجمالي للمدرج، تم تصميم شلال اصطناعي بطول 45 متراً وعرض 11 متراً، ويقع على ارتفاع 43 متراً عن مستوى سطح البحر، يحاكي تماماً التكوين الطبيعي للشلالات، مع وجود كهف في القمة مع نوافذ تتيح للزائر فرصة للاستمتاع بمنظر خلاب لتساقط المياه من أعلى الشلال، كما تم تزويد المدرج بباقة من الخدمات السياحية الأساسية، تضمن أن يحصل الزائر على تجربة سياحية وترفيهية، وفق معايير عالية الجودة، ويتميز المدرج بمرافق عصرية مدعمة بأحدث الأنظمة التكنولوجية المتعلقة بالإضاءة والصوتيات، كما يمتاز بنظام تبريد يضمن كفاءة وإمكانية استخدامه طوال العام من قبل الزوار، وتشكل المقاعد الخارجية للمدرج فرصة للاسترخاء والاستمتاع بالطبيعة الخلابة لخورفكان.
إيمان
إن التأمل في تجربة مدرج خورفكان يقودنا إلى استنتاج أن العمارة حين تنبع من إيمان ثقافي بالجمال، تتحول إلى لغة تواصل. وهذا بالضبط ما فعله المدرج؛ إذ شكّل نقطة تلاقٍ بين الماضي والحاضر، بين الإنسان والمكان، بين الفن والطبيعة، كل زائر يخرج منه بشعور أن شيئاً من هذا الجمال قد استقر في داخله، وأن الفن حين يقدَّم في حضن الطبيعة يصبح أقرب إلى الروح.
