صدر كتاب «الجامعة: مراجعة حساب» للكاتب لي سي. بولينغر في سياق سياسي أمريكي تتزايد فيه حدة الجدل حول حدود السلطة التنفيذية، واستقلال المؤسسات، ودور المعرفة في تشكيل المجال العام. يعالج المؤلف موقع الجامعة داخل هذا المشهد باعتبارها فاعلاً مؤسسياً تتقاطع فيه السلطة والمعرفة والدستور، وتنعكس عبره طبيعة النظام السياسي الأمريكي في مرحلته الراهنة.
ينطلق الكتاب من توصيف الجامعة الأمريكية كمؤسسة مركزية في التاريخ السياسي والاجتماعي للولايات المتحدة، تشكَّل عبرها وعيٌ جماعيٌ يقوم على البحث الحر والنقاش العام وإنتاج المعرفة بوصفها شأناً عاماً. يقدّم بولينغر الجامعة ككيان سياسي وتعليمي في آن، إذ تحتضن أشكالاً من التفكير والتنظيم المعرفي أسهمت في صياغة السياسات العامة وفي إعداد النخب التي أدارت الدولة ومؤسساتها.
يضع المؤلف العلاقة بين الجامعة والدستور في مركز تحليله، ويربط بين حرية البحث والتعبير داخل الجامعات وبين التعديل الأول، باعتباره الإطار القانوني الذي نظّم الحياة السياسية الأمريكية. تظهر الجامعة هنا كفضاء يفعّل النص الدستوري عملياً، عبر تحويل حرية التعبير إلى ممارسة يومية وإلى تقليد مؤسسي راسخ. وبهذا المعنى، تتحوّل الجامعة إلى عنصر يحفظ التوازن بين السلطة والمعرفة، وإلى ساحة تختبر فيها القيم الديمقراطية في صورتها الحيّة.
يؤكد المؤلف في مقدمته أن الجامعة تُعدّ من أنجح المؤسسات في التاريخ الأمريكي وربما الإنساني، وأن التجربة الجامعية «الجلوس في القاعات والاستماع إلى المحاضرات ولقاء الطلاب وزيارة المختبرات» تكشف «الجدية اللافتة» و«الطابع الفكري الخاص وروح الاستقلالية» التي تميّزها، حتى إن «أشدّ المنتقدين حدّة» يسعون في النهاية إلى إدخال أبنائهم إليها. فالجامعة الأمريكية، بوصفها «المعيار العالمي في التعليم العالي»، تستقطب «ألمع أفراد كل جيل» لتوسيع منجزات العقل البشري وإدخال الشباب في «أسرار الوجود». غير أنّ اللحظة الراهنة تحمل «تحديات جسيمة وغير مسبوقة» تهدّد استمرارية الجامعات، إذ تأتي «التهديدات الأكثر إلحاحاً من الحكومة الفيدرالية نفسها». فقد ركّزت إدارة ترامب منذ «مارس/ آذار 2025» على الجامعات وبدأت بجامعة كولومبيا عبر التهديد بسحب التمويل الفيدرالي بدعوى الإخلال بحماية الطلاب اليهود بعد أحداث «7 أكتوبر/تشرين الأول 2023»، مستندةً إلى «الباب السادس من قانون الحقوق المدنية»، فيما واجهت جامعات أخرى مثل هارفرد وبنسلفانيا «سيف تعليق التمويل» ولاسيما عن برامج «التنوع والإنصاف والشمول».
يتعزز الطابع السياسي للكتاب من خلال ربط التعليم العالي بسؤال السلطة، إذ يوضح كيف يُنظر إلى الجامعة كموقع مؤثر في تشكيل الرأي العام وفي إنتاج سرديات معرفية تؤثر في السياسات والخيارات الوطنية. يتناول بولينغر الجامعة كجزء من منظومة أوسع تضم الإعلام والقضاء والمجتمع المدني، حيث تتداخل أدوار هذه المؤسسات في حماية المجال العام وصياغة الحقيقة السياسية.
يتقدّم النص كدفاع سياسي هادئ عن موقع الجامعة داخل التجربة الأمريكية، من خلال إبراز خصوصية بنيتها التنظيمية وطبيعة الحرية التي تتيحها للعاملين فيها وقدرتها على الاستمرار كفضاء مستقل نسبياً داخل نظام سياسي شديد التنافس. يقدّم بولينغر رؤية ترى في الجامعة ركيزة من ركائز النظام الدستوري ومؤشراً على صحة العلاقة بين الدولة والمعرفة وبين السلطة والمجتمع.
في خاتمته، يرسّخ الكتاب فكرة أن مستقبل الجامعة يرتبط مباشرة بمستقبل الديمقراطية الأمريكية، باعتبارها حاضنة للعقل النقدي ومختبراً دائماً للأفكار السياسية والقانونية.
يظهر هذا العمل الصادر حديثاً عن دار «دبليو. دبليو. نورتون آند كومباني» 2026، باللغة الإنجليزية، في 176 صفحة، كوثيقة فكرية تتجاوز الإطار الأكاديمي لتدخل في صلب النقاش السياسي حول شكل الدولة وحدود السلطة ودور المؤسسات في حماية المجال العام.
الجامعة والدولة: اختبار الديمقراطية في زمن الضغط على المؤسسات
1 فبراير 2026 00:46 صباحًا
|
آخر تحديث:
1 فبراير 00:46 2026
شارك
عن المؤلف
لي سي. بولينغر
لي سي. بولينغرتولّى رئاسة جامعة ميشيغان بين عامي 1997 و2002. يُعدّ من أبرز الخبراء في التعديل الأول للدستور الأمريكي وقضايا حرية التعبير ويقيم في نيويورك