في حادثة هزت الأوساط السياسية محلياً ودولياً، أُعلن مساء الثلاثاء، مقتل سيف الإسلام القذافي، نجل الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، في عملية اغتيال غامضة، وقعت داخل مقر إقامته بمدينة الزنتان الجبلية.

الحادث أدى إلى طي صفحة شخصية أثارت الجدل كثيراً في ليبيا، فقد كان سيف الإسلام القذافي وريث نظام والده «معمر».

تفاصيل مروعة

أشارت التقارير الأمنية في الزنتان إلى أن العملية نُفذت بدقة عالية عند الساعة الحادية عشرة ليلاً. وبحسب المعلومات، قامت مجموعة مسلحة مجهولة الهوية، يرتدي أفرادها زي «كوماندوز» ومزودون بأجهزة تشويش وتقنيات لتعطيل كاميرات المراقبة، باقتحام المجمع السكني الذي كان يقيم فيه القذافي تحت حراسة مشددة.

وأكد شهود عيان سماع دوي إطلاق نار كثيف استمر لقرابة عشر دقائق.

وأفاد محامي سيف الإسلام، مارسيل سيكالدي، بأن موكله قُتل داخل منزله في مدينة الزنتان على يد «فرقة كوماندوز مؤلفة من أربعة أفراد»، مشيراً إلى أنه كان قد أُبلغ قبل نحو عشرة أيام، بوجود مخاوف تتعلق بسلامته.

ووصف عبد الله عثمان القذافي، ابن عم سيف الإسلام وعضو فريقه السياسي، العملية بأنها «جريمة منظمة أدت إلى مقتل سيف الإسلام داخل مقر إقامته».

وفي التفاصيل، ذكر البيان الصادر عن الفريق السياسي أن أربعة مسلحين مجهولين اقتحموا مقر إقامة سيف الإسلام، وقاموا أولًا بتعطيل كاميرات المراقبة، قبل أن يشتبك معهم سيف الإسلام في مواجهة مباشرة انتهت بمقتله.

نفي رسمي

في المقابل، نفى اللواء 444 قتال، التابع لوزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، أي صلة له بمقتل سيف الإسلام القذافي. وأكد في بيان رسمي عدم تورطه في أي اشتباكات بمدينة الزنتان أو في الحادث الذي أدى لمقتله، مشدّداً على عدم صدور أي تعليمات رسمية بملاحقته، وأن هذا الأمر خارج مهامه الأمنية أو العسكرية، كما أكد عدم وجود أي انتشار ميداني له في المدينة أو محيطها.

تحقيقات لتحديد هوية المشتبه فيهم

وفي سياق التحقيقات، أعلن مكتب النائب العام الليبي أن المحققين والأطباء الشرعيين فحصوا جثة سيف الإسلام، مؤكّدين أن الوفاة نتجت عن جروح ناجمة عن طلقات نارية. وأوضح أن النيابة العامة تواصل تحقيقاتها لتحديد هوية المشتبه فيهم، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لرفع دعوى جنائية.

ما تداعيات مقتل سيف الإسلام على ليبيا؟

واعتبر المحلل السياسي والمستشار الاستراتيجي الإيطالي دانييلي روفينيتي أن «مقتل سيف الإسلام القذافي يمثل حادثاً خطراً في مشهد ليبي يعاني أصلا قدراً كبيراً من عدم الاستقرار»، مشيراً إلى أن الاغتيال يأتي «في سياق انقسام مستمر، في ظل وجود ميليشيات مسلحة، وصراعات قبلية وعشائرية، وغياب شبه تام لسلطة مركزية فاعلة».

موجة جديدة من الصراع

أثار مقتل سيف الإسلام القذافي مخاوف في الداخل الليبي بشأن تداعيات الحادث على المسار السياسي في البلاد، حيث يأتي هذا الاغتيال في وقت كان فيه سيف الإسلام القذافي يحاول العودة للمشهد السياسي كلاعب أساسي.

وبرحيله، تنطوي صفحة معقدة من الصراع على السلطة، لكنها تفتح احتمالية اندلاع موجة جديدة من التصعيد بين الفصائل المسلحة والقبائل الموالية له.

وكان سيف الإسلام يشغل موقعاً رمزياً وسياسياً في ليبيا، واعتبر مرشحاً محتملا في أي تسوية مستقبلية لإعادة ترتيب السلطة، وسط تساؤلات عما إذا كان مقتله يمثل ضربة للتوازن السياسي في البلاد.

من هو سيف الإسلام؟

ولد سيف الإسلام القذافي عام 1972، وبرز منذ تسعينات القرن الماضي كلاعب أساسي في النظام الليبي، حيث تولّى إدارة ملفات دولية بارزة مثل قضية لوكربي والبرنامج النووي، وطرح مشروعاً حمل عنوان «ليبيا الغد».

وبعد ثورة 2011، اعتُقل في الزنتان وصدر بحقه حكم إعدام غيابي، قبل أن يُفرج عنه عام 2017 بموجب قانون العفو العام. وظل متوارياً عن الأنظار لسنوات خوفاً من اغتياله، قبل أن يظهر عام 2021 مرتدياً الجبة الليبية والعمامة.

حينها أشارت التوقعات إلى أنه كان يراهن على حنين الليبيين إلى الاستقرار النسبي الذي كانت تنعم به البلاد قبل انتفاضة عام 2011 التي دعمتها قوات حلف شمال الأطلسي وأطاحت بوالده، وأدت إلى سنوات من الفوضى والعنف.

وفي مقابلة مع «نيويورك تايمز» عام 2021، تحدّث سيف الإسلام عن استراتيجيته السياسية قائلاً: «لقد كنت بعيداً عن الشعب الليبي عشر سنوات.. عليك أن تعود ببطء، ببطء.. عليك أن تؤثر في عقولهم قليلاً».

ويُذكر أن سيف الإسلام القذافي، البالغ من العمر 53 عاماً، اعتُبر لفترة طويلة الخليفة المحتمل لوالده قبل سقوط النظام عام 2011.