مع انقضاء آخر ساعات الضبط القانوني للترسانات النووية الكبرى، يدخل النظام الدولي مرحلة بالغة الحساسية، عنوانها الغموض الاستراتيجي وسباق التسلح المحتمل. فغياب الأطر الملزمة لا يعني فقط انتهاء اتفاق قانوني، بل يفتح الباب أمام إعادة تعريف توازن الردع النووي في عالم يزداد اضطراباً، وسط توترات جيوسياسية متصاعدة وتراجع الثقة بين القوى الكبرى. وفي ظل غياب البدائل الجاهزة، يبرز تساؤل جوهري: هل يشهد العالم عودة غير معلنة إلى منطق الحرب الباردة، أم أن الردع سيُدار هذه المرة بلا قواعد واضحة؟

انتهاء صلاحية معاهدة «نيو ستارت»

تنتهي اليوم الخميس 5 فبراير صلاحية معاهدة «نيو ستارت» بين الولايات المتحدة وروسيا، ما يحرر رسمياً كلا من موسكو وواشنطن من مجموعة من القيود المفروضة على ترسانتيهما النوويتين. وكانت المعاهدة، التي وُقّعت لأول مرة عام 2010، قد حدّدت سقفاً لنشر 1550 رأساً نووياً استراتيجياً لكل طرف، بنسبة خفض تقارب 30% مقارنة بالحدود التي فرضتها معاهدة عام 2002. كما شكّلت آلية التفتيش المتبادل أحد أعمدة الاتفاق، إذ سمحت لكل طرف بإجراء عمليات تفتيش ميدانية على الترسانة النووية للطرف الآخر، غير أن هذه العمليات عُلّقت خلال جائحة كوفيد-19 ولم تُستأنف منذ ذلك الحين، ما جعل المعاهدة تفقد عملياً احدى أهم أدواتها الرقابية قبل أن تنتهي صلاحيتها بالكامل.

موسكو: غير ملزمين بقيود التسلّح النووي


أعلنت روسيا أنها لم تعد «ملزمة» بمعاهدة «نيو ستارت» النووية مع الولايات المتحدة، والتي تنتهي صلاحيتها الخميس، ما يفتح الباب على مرحلة ضبابية وسط مخاوف من سباق تسلح جديد. وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان «نفترض أن أطراف معاهدة نيو ستارت لم تعد ملزمة بأي تعهدات أو إعلانات متبادلة في إطار المعاهدة». غير أن موسكو أكدت قبيل ذلك أنها ستتصرف «بحكمة ومسؤولية» في المجال النووي.

واشنطن تلتزم الصمت وترغب في إشراك الصين في أي مناقشات


لكن واشنطن تلتزم الصمت إلى حد كبير حيال نياتها في هذه المرحلة. وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الأربعاء إنه ليس لديه إعلان في الوقت الراهن، لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيتحدث «لاحقا» في هذا الشأن، من دون تحديد موعد. وأشار روبيو إلى أن الولايات المتحدة ترغب في إشراك الصين في أي مناقشات. وصرّح للصحفيين «لقد كان الرئيس واضحاً في الماضي أنه من أجل تحقيق سيطرة حقيقية على الأسلحة في القرن الحادي والعشرين، من المستحيل القيام بشيء لا يشمل الصين، بسبب مخزونها الواسع والمتزايد بسرعة».

غوتيريش: الإسراع في توقيع اتفاق جديد

وحض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الولايات المتحدة وروسيا على الإسراع في توقيع معاهدة جديدة، معتبراً أن انتهاء صلاحية المعاهدة الحالية يشكل «لحظة عصيبة على السلام والأمن الدوليين». ودعا غوتيريش واشنطن وموسكو إلى «العودة لطاولة المفاوضات دون تأخير والاتفاق على إطار بديل».

برلين: العمل من أجل نظام دولي للحد من التسلح


من جهتها، أعربت برلين عن قلقها إزاء موسكو، وحمّلتها مسؤولية الفشل.


ودعت فرنسا، القوة النووية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي، القوى النووية الكبرى - الولايات المتحدة وروسيا وكذلك الصين - إلى العمل من أجل نظام دولي للحد من التسلح.

فرنسا: زوال أي حدّ لأكبر الترسانات النووية بالعالم


واعتبرت وزارة الخارجية الفرنسية أن نهاية «نيو ستارت» تعني «زوال أي حدّ لكبرى الترسانات النووية في العالم للمرة الأولى منذ الحرب الباردة»، محمّلة بدورها روسيا مسؤولية هذا التراجع. كذلك، دعت الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية (ايكان) روسيا والولايات المتحدة إلى الالتزام علناً باحترام حدود المعاهدة «أثناء التفاوض على إطار جديد». وقالت المديرة التنفيذية للحملة ميليسا بارك في بيان إن «الخطر حقيقي في أن يتسارع سباق التسلح الجديد بين الولايات المتحدة وروسيا - مزيد من الرؤوس النووية ووسائل الإطلاق والمناورات النووية - وأن تشعر قوى نووية أخرى بضرورة اللحاق بالركب».

«منطق الخوف»


ودعا البابا لاوون الرابع عشر إلى «منع سباق تسلح جديد»، تعليقاً على انتهاء المعاهدة. وقال «أحضّكم بشدة على عدم التخلي عن هذه الأداة من دون ضمان متابعة ملموسة وفعالة لها»، معتبراً أنه «أصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى استبدال منطق الخوف وعدم الثقة بأخلاقيات مشتركة».

80 % من الرؤوس الحربية النووية

وفي أيلول/سبتمبر 2025، اقترح بوتين على واشنطن تمديد شروط المعاهدة عاماً واحداً، وهو ما وصفه نظيره الأمريكي بأنه «فكرة جيدة»، لكن الولايات المتحدة لم تمض في ذلك. وكانت الولايات المتحدة قد انسحبت عام 2019 من معاهدة كبرى لنزع السلاح أبرمت عام 1987 مع روسيا بشأن الصواريخ النووية المتوسطة المدى. وتسيطر روسيا والولايات المتحدة على أكثر من 80% من الرؤوس الحربية النووية في العالم، لكن المعاهدات التي تحد من التسلح تتلاشى تدريجياً.