القاهرة:الخليج
يدعو «ناووكي هيغاشيدا» ابن الثالثة عشرة، مؤلف كتاب «لهذا السبب أقفز» المتوحد الذي حول الصمت إلى صوت (ترجمة أنطوان باسيل) قراءه إلى تصور حياتهم اليومية، وقد حرموا فيها من ملكة النطق، وأصبحت الدردشة الودية مع صديق تشرح له فيها بأنك جائع، أو متعب، أو متألم، فوق حدود قدراتك.
هذا الكتاب الذي نشر في اليابان عام 2007 وترجم إلى أكثر من 30 لغة حول العالم، تحول إلى وثائقي صدر عام 2020 وحاز 7 جوائز، ورشح إلى 13 جائزة أخرى، وهو الأكثر مبيعاً بحسب نيويورك تايمز.
التوحد ليس مشواراً سهلاً على أهل المتوحد، أو على من يتولون العناية به، كما أن تربية ولد يعاني التوحد ليس عملا لضعفاء القلوب، والواقع أن ضعف القلب قدر مشؤوم لدى أول شك بأن هناك خطباً ما بشأن ابنك ذي السنة وأربعة أشهر، وعندما تعرف بحال ابنك ستدور في دوامة ردود فعل الآخرين: إنه لأمر محزن فعلاً، ماذا؟ هل يصبح مثل داستن هوفمان في «رجل المطر»؟.
هناك رد فعل آخر، وهو أنك ستحاول الاتصال بمعظم مؤسسات الدعم، التي ستدق المسمار الأخير في نعش القلب الضعيف، وتزرع في داخلك طبقة من التشاؤم، بعد ذلك ستلجأ إلى الكتب، لكن المنشورات المتعلقة بذوي الحاجات الخاصة أشبه بالأدغال، فكم من الكتيبات الإرشادية حول كيف تساعد طفلك المتوحد؟ تحتوي على لف ودوران، مع وجبات سخية من الحقوق المحفوظة.
هذه الكتيبات قد تحتوي على أفكار صالحة للاستخدام، لكن قراءتها قد تشعرك بالإحباط، كما لو أن أحداً يحاول أن يقنعك بالانضمام إلى حزب سياسي ما، كما أن الكتب الأكاديمية أكثر صعوبة، وتحتوي على المزيد من الإحالات المرجعية، ومليئة بالمصطلحات التربوية والاختصارات، ومن الجيد أن يجري الأكاديميون بحوثهم في هذا الحقل، لكن الفجوة بين النظرية وما يتكشف على أرض الواقع هي في الغالب أكبر من إمكان ردمها.
* اعترافات
يوضح هذا الكتاب أن هناك صنفاً آخر من الكتب، يتمثل في المذكرات الأميل إلى كونها اعترافات، ويكتبها أحد الوالدين، وتشرح وقع التوحد على العائلة، والتأثير الإيجابي في بعض الأحيان، لعلاج غير تقليدي، وهذا النوع من الكتب يستهوي وسائل الإعلام، ويسلط الضوء على التوحد في نقاش القضايا، التي تستحق الاهتمام.
يقول المؤلف: «لكنني وجدت أن فائدة هذه الكتب على الصعيد العملي محدودة، ومن العدل القول إنها لا تكتب في العادة لتكون مفيدة، يظهر كل متوحد شكل الحالة الخاص به، أو بها، فكلما كان العلاج غير تقليدي لطفل ما، تضاءلت إمكانية مساهمة العلاج نفسه في مساعدة طفل آخر».
أما الصنف الرابع من أصناف الكتب المتعلقة بالتوحد فهو «السيرة الذاتية لمرضى التوحد» يكتبها الملمون بشؤون طيف التوحد، والمثال الأشهر هو كتاب «التفكير من خلال الصور» لمؤلفته تامبل غراندين، وهذه الكتب تلقي الضوء على المسألة، لكنها بحكم التعريف، تظهر كأنها تكتب بيد أشخاص بالغين، باتت آراؤهم معروفة، وعجزوا عن المساعدة.
*سيرة
ولد مؤلف هذا الكتاب في اليابان عام 1992 وكان لا يزال تلميذاً في المرحلة المتوسطة عند نشر الكتاب، بلغ توحده درجة من الحدة، جعلت قدرته على التواصل الشفهي عملية مستحيلة، إلى حد كبير، وهي مستمرة حتى اليوم، غير أنه بمثابرته وبفضل أستاذه تعلم هجاء الكلمات مباشرة في شبكة الحروف الأبجدية الخاصة بالمتوحدين.
يتواصل ناووكي مع الآخرين، من خلال التأشير إلى حروف هذه الشبكات لهجاء الكلمات كاملة، فيقوم من بعدها المساعد الجالس بجانبه، بكتابتها، وتركب الكلمات في جمل ومقاطع وكتب كاملة.
هذه الطريقة سمحت له وهو في المدرسة الابتدائية، بالتواصل مع الآخرين، وبتأليف الشعر، وكتابة الروايات، غير أن شرحه السبب الذي يدفع بالأولاد المتوحدين إلى القيام بما يقومون به، هو الذي أعطى حرفياً الإجابات التي كنا ننتظرها.
*دليل
كتاب «لهذا السبب أقفز» وضعه كاتب لا تزال إحدى قدميه في مربع الطفولة، ويشكل توحده بالحد الأدنى تحدياً وتغيييراً جذرياً للحياة، غير أنه يذهب إلى ما هو أبعد كثيراً من توفير المعلومات، فهو يقدم الدليل على أن جسم الشخص، الذي يبدو متوحداً ومغلوباً على أمره، يمتلك ذهنا على القدر نفسه من فضول عقلك وبراعته وتعقيده.
من السهل إن كنت ترعى شخصاً متوحداً أن تنسى في خضم كل الجهد الذي تتطلبه منك تلك الرعاية، أن هذا الشخص أكثر ذكاء منك بكثير في مجالات مختلفة، ومع تحول الأشهر إلى سنين، يمكن أن يتحول النسيان إلى جحود، فيؤدي غياب الإيمان هذا إلى جعل كل من المعتنى به والمعتني عرضة للسلبيات.
يقول ناووكي: لم أعرف حتى وأنا صغير، أنني فتى من ذوي الحاجات الخاصة، فكيف اكتشفت ذلك؟ اكتشفته عبر من قالوا لي إنني مختلف عن الآخرين، وتلك هي المشكلة، وهذا صحيح إلى حد كبير، فقد صعب علي كثيراً التصرف كإنسان عادي، وأنا حتى اليوم لا أستطيع حتى إجراء محادثة حقيقية.
لا يجد ناووكي أية مشكلة في قراء ة الكتاب بصوت مرتفع، وفي الغناء، لكن ما إن يحاول التحدث مع شخص ما حتى تتبخر الكلمات، يستطيع في أي حال أن يتفوه ببضع كلمات، لكنها تأتي معاكسة تماماً لما يريد قوله، ولا يستطيع التجاوب كما يجب عندما يطلب إليه القيام بأمر ما، وكلما توتر هرب من أي شيء، بالمصادفة يقوم به، وهكذا يمكن لنشاط بسيط مثل التسوق، أن يشكل تحدياً فعلياً، إذا قام به وحده.
يتساءل ناووكي: ماذا سأصبح إذا كان توحدي لا يشفى أبداً؟ هذا السؤال شكل مبعثاً للكثير من القلق، كان يخشى ألا يتمكن أبداً من يعيش بحق كإنسان، طالما هو متوحد، فهناك أمور كثيرة، عجز عن فعلها مثل بقية الناس، كما أن اضطراره إلى الاعتذار يوماً بعد يوم، قد استنزف كلياً أي أمل لديه.