يقدّم كتاب «أنشودة أمريكية» لأوليڤيا نوزي، سرداً توثيقياً ذاتياً لتحوّلات الحياة السياسية والإعلامية في الولايات المتحدة خلال عقد كامل. يستند النص إلى تجربة صحفية بدأت عام 2014، وهي مرحلة شهدت إعادة تشكّل المشهد السياسي حول شخصية مركزية ذات حضور طاغٍ في الفضاء العام. تابعت الكاتبة هذه التحوّلات من موقع مهني قريب، معتمدة على الملاحظة الدقيقة والوصول المباشر إلى الفاعلين السياسيين، فوثّقت الحملات الانتخابية وإدارة الحكم وما رافقهما من نزاعات ومحاكمات، وأسهمت كتاباتها في صياغة النقاش العام خلال تلك السنوات.
يمتد السرد ليشمل الجذور المبكرة لتكوّن وعي الكاتبة، حيث تستعيد مشاهد الطفولة في أحياء نيوجيرسي ونيويورك، وتربط بين الخبرة الشخصية الأولى وصور السلطة والإعلام التي أحاطت بها منذ الصغر. يظهر الحيّ والأسرة والجيران على أنهم الإطار الأول لفهم العالم، فيما تبرز شخصيات بعينها، مثل الجارة الأكبر سناً، كنموذج مبكر للمعرفة والعدالة والسلطة الأخلاقية. من خلال هذه الذكريات، توضّح الكاتبة كيف تشكّلت لحظات الانكشاف الأولى، حين انتقل الإدراك من براءة الطفولة إلى وعي أكثر تعقيداً بطبيعة الواقع، عبر تفاصيل حسية مثل الوجوه والألوان والمساحات.
في هذا السياق، يحضر دونالد ترامب باعتباره جزءاً ثابتاً من المشهد العام منذ طفولة الكاتبة، لا كشخصية سياسية فحسب، بل كصورة متكررة في الصحف والشوارع والذاكرة اليومية. تصفه نوزي كعنصر مألوف من بنية العالم المحيط بها، وتربط هذا الحضور المستمر بآليات صناعة الرموز في الثقافة الأمريكية. تستدعي أيضاً قصة جونبينيت رامزي لتوضيح كيفية تحويل الأفراد إلى صور إعلامية متداولة، حيث يتداخل الجمال مع العنف، وتتحوّل السيرة الفردية إلى مادة استهلاك جماعي. من خلال هذا التوازي بين الخاص والعام، تبيّن الكاتبة كيف تتكوّن السرديات السياسية والثقافية عبر التكرار والتراكم.
يتناول الكتاب طبيعة العلاقة بين الصحافة والسلطة في سياق سياسي متحوّل، حيث غدت السياسة حدثاً دائماً، وأصبحت التغطية الإعلامية جزءاً عضوياً من المشهد العام. توضّح نوزي كيف أدّى القرب المهني المستمر من مراكز النفوذ إلى تداخل الأدوار، وتحوّل الصحفي إلى عنصر فاعل داخل السياق الذي يرصده. هذا المسار بلغ ذروته عام 2024، حين واجهت الكاتبة فضيحة إعلامية واسعة. تعود هذه الفضيحة إلى علاقة شخصية نشأت ضمن الإطار المهني مع شخصية على صلة بالمجال السياسي، ورُبطت هذه العلاقة بمسألة المعايير المهنية في الصحافة السياسية. تطوّرت القضية سريعاً إلى حدث إعلامي موسّع، وتحوّلت إلى مادة تداول عام، ما ترتّب عليه فقدان الكاتبة لمنصبها وتضرّر سمعتها.
عقب هذه المرحلة، انتقلت نوزي إلى غرب البلاد، واختارت العيش في عزلة مقصودة استمرّت قرابة عام، شكّلت هذه العزلة مساحة لإعادة النظر في التجربة الشخصية وفي المناخ السياسي والإعلامي الذي أحاط بها. خلال هذه الفترة، كتبت هذا العمل كقراءة تحليلية لمسار عاشته، ولواقع تشكّل عبر تراكم طويل من الصور والأحداث والخطابات. يقدّم النص سرداً تأملياً يتتبّع أثر هذا الواقع في الأفراد والمؤسسات، ويكشف كيف تتسلّل السياسة إلى الحياة اليومية والذاكرة الشخصية.
يحمل عنوان الكتاب دلالة مفهومية أساسية، فكلمة «كانتو» تشير في السياق الأدبي إلى مقطع طويل ضمن أنشودة أو ملحمة، يقوم على التتابع والتراكم. باستخدام هذا المصطلح، تشير الكاتبة إلى أن تجربتها تمثّل جزءاً من أنشودة جماعية أوسع، تتكوّن من مقاطع زمنية مترابطة، وتعكس تحوّلات الوعي السياسي والثقافي عبر الامتداد الزمني. الأنشودة هنا تعبير عن حركة مستمرة، تتغيّر فيها الصور والمعاني مع الزمن.
بهذه المقاربة، يقدّم هذا الكتاب الصادر عن دار أفِد ريدر برس/ سايمون وشوستر في 320 صفحة خلال ديسمبر 2025، شهادة عن أثر العمل السياسي والإعلامي في الأفراد المنخرطين فيه، وعن التحوّلات التي تطال الوعي المهني عند مرافقة السلطة عن قرب.
كما يضيء على طبيعة الصحافة السياسية المعاصرة كونها ممارسة تتشابك فيها التجربة الذاتية مع التاريخ العام. يشكّل «أنشودة أمريكية» وثيقة عن مرحلة مفصلية في التاريخ الأمريكي الحديث، تكشف آليات تشكّل السرد السياسي والإعلامي، وامتداد هذا السرد إلى حياة من شاركوا في صناعته.