في عام 2012، اعتمد مجلس الوزراء بدولة الإمارات «وثيقة قيم وسلوكيات المواطن الإماراتي»، وأشارت الوثيقة إلى أن المواطنة ينبغي أن تمارس بدوافع ذاتية وقناعات نابعة من الإيمان بأهميتها، فالمواطنة الحقة تظهر في سلوك المواطن ومعاملاته مع الآخرين.
وقبل أسبوع، واستمراراً في ذات النهج، أصدر سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، رئيس مجلس التعليم والتنمية البشرية والمجتمع، قراراً بتشكيل «لجنة الهُوية الوطنية»، وتتولى اللجنة مهام الإشراف على استراتيجية الهوية الوطنية للدولة وترسيخ حضورها في السلوكيات والممارسات اليومية للمجتمع.
يبدو جلياً أن سلوك المواطن الإماراتي وتعامله مع الآخرين هما حجر الزاوية لتشكيل ورسم الهوية الوطنية الإماراتية، وربما لأن تاريخ الإمارات حديث، فكُثر من الجيل الحالي قد عاصروا بدايات متواضعة، تعلموا في مدارس بسيطة، سكنوا في بيوت شعبية وتنقلوا على طرق غير معبدة.
هذا التحول السريع من البساطة إلى الحداثة خلق وعياً داخلياً بأن الرفاه ليس أمراً مسلّماً به، بل نعمة يجب شكر الله عليها، وهذا الشعور يولّد تواضعاً طبيعياً، وحين يرى المجتمع قيادته تمارس البساطة، يصبح التواضع ثقافة عامة وليس استثناء.
كما أن الثقافة المحلية دائماً ما تعزز التعامل بمبدأ خفض الجناح، وتنتقد التفاخر المفرط، وتنبذ التعالي أو أن يرى الإماراتيون أنفسهم أفضل من الآخرين لكونهم أبناء الدولة.
المجتمعات التي تشعر بالأمان والاستقرار لا تحتاج إلى المبالغة في استعراض الذات، والإمارات حققت نجاحات اقتصادية وسياسية واضحة، وهذا النجاح عندما يقترن بالأمن والرخاء يولد ثقة هادئة بلا صخب.
والتواضع لا يتناقض مع الطموح، بل يحميه من الغرور، ويجعل الإنسان يتذكر بداياته وهو في قمة نجاحه، والتواضع لا يعني أن تُقلل من إنجازك، بل أن تدرك أن إنجازك لم يكن نتيجة جهدك وحدك، بل وراء كل نجاح بيئة، وأهل، ومعلم، ووطن، وقيادة، وظروف لو تغيّرت قليلاً لربما تغيّر المسار، والطموح يدفعك إلى القمة، لكن التواضع يجعلك جديراً بالبقاء فيها.
على أرض الإمارات، يعيش ملايين البشر من ثقافاتٍ وأديانٍ ولغاتٍ مختلفة، يعملون ويحلمون ويبنون، بينما يجدون في المجتمع الإماراتي مساحة احترام وأمان، لم يكن التعايش شعاراً يُرفع، بل ممارسة يومية في وطن يطمئن فيه الضيف كما يطمئن فيه أهله.
لعل أبلغ وصف للشخصية الإماراتية نجده في قصيدة للشاعرة الإماراتية عوشة بنت خليفة السويدي (فتاة العرب) حين قالت:
يملكون نفوس صغيرة
والخواطر مرحبانيه