مع تصاعد نذر الحرب في المنطقة على وقع الحشود العسكرية الأمريكية، وفشل المفاوضين الإيرانيين والأمريكيين في كسر الجمود بشأن خطوطهم الحمراء في المفاوضات النووية، باتت احتمالية نشوب صراع إقليمي جديد أمراً لا مفر منه، إذ ترى طهران بحسب محللين أن رضوخها للشروط الأمريكية بشأن برنامجها الصاروخي، سيشكل تهديداً وجودياً للنظام الإيراني وخطراً أكبر بكثير من خوض الحرب.
وذكر محللون لصحيفة «نيويورك تايمز»، أنه بالنسبة لحكام إيران، الذين يرغبون في تجنب الحرب، ويخوضون حالياً مفاوضات صعبة مع واشنطن، فإن رفض المطالب الأمريكية سيعد مخاطرة تستحق المجازفة لضمان بقاء النظام، في الوقت الذي يعد فيه الاستسلام لمطالب واشنطن بشأن وقف تخصيب اليورانيوم وتفكيك برنامج الصواريخ الباليستية أكثر خطورة على بقائها من خوض الحرب.
- حيرة أمريكية من الرفض الإيراني
وفي ظلّ مناورات حافة الهاوية المحفوفة بالمخاطر، مع حشد السفن الحربية والطائرات المقاتلة الأمريكية قبالة سواحلها، رفضت إيران الاستجابة لمطالب الرئيس ترامب بشأن برنامجها النووي وأسلحتها، وهو موقف أثار حيرة المسؤولين الأمريكيين.
ويؤكد المحللون أن حكام إيران يرون هذه التنازلات - التي يعتبرونها تُعرّض أيديولوجيتهم الأساسية وسيادتهم للخطر- تهديداً أكبر لبقائهم من خطر الحرب.
ويقول الخبراء، إن التباين الخطر في وجهات النظر بين إيران والولايات المتحدة هو السبب وراء هشاشة الجهود المبذولة للتفاوض على اتفاق بشأن القدرات النووية والعسكرية الإيرانية، يبدو معها أن نشوب صراع إقليمي جديد أمرٌ لا مفر منه.
ويقول ساسان كريمي، عالم السياسة في جامعة طهران: «إن تجنب الحرب يُمثّل أولوية قصوى، ولكن ليس بأي ثمن. ففي بعض الأحيان، قد تُولي دولة سياسية - وخاصةً دولة أيديولوجية - أهميةً بالغةً لمكانتها في التاريخ، تُضاهي، أو حتى تفوق، أهمية بقائها المباشر».
وفي محاولة لإبعاد شبح الحرب، يكافح المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون لكسر الجمود بشأن خطوطهم الحمراء في المفاوضات التي شهدت عدة جولات لم تكن فعالة حتى الآن في تغليب الدبلوماسية. وتتمسك إدارة ترامب بوقف إيران تخصيب اليورانيوم لضمان عدم قدرتها على صنع سلاح نووي. وأصرّ مسؤولون أمريكيون في بعض الأحيان على الحدّ من مدى صواريخ إيران الباليستية، وإنهاء دعم بلادهم للميليشيات المتحالفة معها في المنطقة.
تقويض النظام الإيراني
أما بالنسبة لإيران، التي تؤكد أن برنامجها النووي سلميٌّ فقط، فإن تخصيب اليورانيوم حقٌّ يدافع عنه المرشد الإيراني علي خامنئي، ولا يمكن لمسؤوليه التخلي عنه. وتعتبر إيران امتلاك صواريخ قادرة على الوصول إلى إسرائيل أمراً بالغ الأهمية للدفاع عن النفس، مشددين على أن الصراع أبعد بكثير من البرنامج النووي للبلاد، وأن الهدف الرئيسي للولايات المتحدة سيكون تقويض نظام الحكم.
من المقرر أن يجتمع مسؤولون أمريكيون وإيرانيون في جنيف الخميس المقبل، لإجراء محادثات تُعتبر محاولة أخيرة للتوصل إلى حل وسط قبل أن يأمر الرئيس ترامب بشنّ ضربة. ووفقاً لمصادر مطلعة على مداولات الإدارة الأمريكية، سينظر الجانبان في مقترح يُتيح مخرجاً من الحرب: السماح لإيران ببرنامج تخصيب نووي محدود للأغراض المدنية.
لماذا يرى ترامب إيران ضعيفة؟
وقال مسؤولون إقليميون، إن إدارة ترامب ترى طهران ضعيفة، بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل، والأزمة الاقتصادية، والاحتجاجات الشعبية الحاشدة مؤخراً والتي سقط فيها الآلاف، وهو ما يلزم طهران بقبول المطالب الأمريكية.
وفي يونيو/ حزيران الماضي، تكبّدت إيران خسائر فادحة خلال حرب استمرت ١٢ يوماً شنّتها إسرائيل، وانضمت إليها لفترة وجيزة طائرات حربية أمريكية، استهدفت منشآت رئيسية للبرنامج النووي الإيراني، وأدى هذا الصراع، إلى جانب العقوبات الدولية القاسية، إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية الإيرانية.
وفي يناير/كانون الثاني الماضي، استخدمت السلطات القوة المفرطة لقمع الاحتجاجات الشعبية التي طالبت برحيل المرشد وسقوط النظام. وعادت بعض الاحتجاجات الصغيرة للظهور خلال عطلة نهاية الأسبوع، ما يُظهر مدى العداء الذي يكنّه إيرانيون لقادتهم.
علاوة على ذلك، تواجه حكومة طهران حشداً كبيراً للقوة الأمريكية قرب سواحلها، بما في ذلك مجموعتان من حاملات الطائرات الهجومية، وانتشار كثيف لطائرات الاستطلاع، والتزود بالوقود في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من الضغوط العسكرية، لكن إيران لم تبد إشارة للقبول بالمطالب الأمريكية، ووصف ستيف ويتكوف، كبير مفاوضي الرئيس ترامب مع إيران، الرئيس بأنه «يتساءل عن سبب عدم استسلامهم»، وذلك في مقابلة مع قناة فوكس نيوز خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وصرح نائب الرئيس، جيه دي فانس، لقناة «فوكس الأسبوع الماضي بأنه على الرغم من التهديد بالحرب، فإن الإيرانيين «ليسوا مستعدين بعد للاعتراف بالوضع والعمل على حله». مع ذلك، فإن مجرد تصور ضعف إيران هو ما يدفع طهران، بحسب الخبراء، إلى المقاومة.
وصرح علي واعظ، مدير ملف إيران في مجموعة الأزمات الدولية: بالنسبة لإيران، يُعدّ الخضوع للشروط الأمريكية أخطر من تلقّي ضربة أمريكية أخرى. فهم لا يعتقدون أن الولايات المتحدة ستخفف الضغط بمجرد استسلامهم، بل يعتقدون أن ذلك سيشجع الولايات المتحدة على توجيه ضربة قاضية.
وأكد خامنئي مراراً وتكراراً على رأيه بأن هدف واشنطن النهائي هو إسقاط نظام الحكم في إيران. وقال في خطاب العام ٢٠٢٤: «المشكلة ليست في الطاقة النووية، ولا في حقوق الإنسان؛ بل تكمن مشكلة أمريكا في وجود جمهوريتنا نفسها». ويقول محللون، إن قادة إيران استخلصوا دروساً من صراع العام الماضي قد تساعدهم في الحفاظ على سيطرتهم.
رهان عسكري
قال داني سيترونوفيتش، الخبير في المجلس الأطلسي والذي ترأس سابقاً فرع إيران في الاستخبارات الدفاعية الإسرائيلية، إنه بالإضافة إلى الحسابات الاستراتيجية كالصواريخ الباليستية، يُصرّ خامنئي على تخصيب اليورانيوم باعتباره ركيزة أساسية للنظام نفسه. وأضاف أنه إذا تنازل قادة إيران عن هذه النقاط، «فسيقوّضون وجود النظام برمته». وأضاف: «أعتقد أنه ليس أمامهم خيار آخر سوى المراهنة على الجانب العسكري».
ولكن السؤال الحاسم: هل سيصل الهجوم الأمريكي إلى محاولة إسقاط النظام السياسي في إيران؟ وهل ستتمكن طهران من الردّ بما يكفي لجعل الصراع مؤلماً لترامب أيضاً؟
ويرجح خبراء، أن تسعى طهران إلى امتصاص الضربات المحدودة، والحد من ردها على الهجمات التي تستهدف القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، كما فعلت في يونيو/ حزيران الماضي، وفقاً لفرزين نديمي، المحلل المتخصص في الشأن الإيراني في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.
وأضاف نديمي، أنه إذا اختار الرئيس ترامب المضي في شن الحرب، فسيتعين على القوات الأمريكية، بمساعدة إسرائيل على الأرجح، أن تسارع في الأيام الأولى لتدمير أكبر قدر ممكن من القدرات العسكرية الإيرانية، لإحباط أي محاولة لردٍّ أشد وأوسع نطاقاً.
- تحييد الصواريخ الإيرانية
لكن الأمر سيتطلب جهداً مكثفاً من الولايات المتحدة وإسرائيل - ليس فقط القوة الجوية، بل أيضاً القوات البرية - لضمان تحييد تهديد الصواريخ الإيرانية. ويقول خبراء، إن إيران ستحاول بدورها محاكاة نجاح ميليشيات الحوثي، حليفتها في اليمن، حين نجحوا العام الماضي، في إيقاف حملة عسكرية أمريكية كانت تهدف إلى لوقف هجماتهم على الملاحة الدولية في البحر الأحمر. وشنّ الحوثيون آنذاك هجمات متواصلة على طائرات أمريكية وسفن دولية، بما في ذلك حاملة طائرات أمريكية. وكلّفت المواجهة التي استمرت ٣١ يوماً واشنطن أكثر من مليار دولار، وفي نهاية المطاف، توصّل الرئيس ترامب إلى اتفاق بدلاً من المخاطرة بدخول البلاد في صراع عسكري مطوّل.
وقال محللون، إن إيران قد تحاول إشعال مواجهة طويلة الأمد ودامية قد تضرّ بترامب في عام انتخابات التجديد النصفي.
ويبقى أحد الأمور المجهولة هو ما إذا كانت إيران ستشنّ هجمات على ناقلات النفط العابرة لممرات ملاحية استراتيجية كمضيق هرمز، أو ما إذا كان حلفاؤها الحوثيون سيشنّون هجمات على سفن في البحر الأحمر، بحسب محمد علي شباني، رئيس تحرير موقع أمواج ميديا الإخباري الإقليمي.
وأضاف شبانة، أن نشوب صراع جديد قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار البنزين دولاراً أو دولارين للغالون، وهو ما قد يُشكّل خطراً كبيراً على ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي هذا الخريف.
دروس حرب الـ 12 يوماً
ويمكن للقوات الأمريكية والإسرائيلية توجيه ضربة سريعة ومدمرة، كما فعلت في حرب الـ 12 يوماً في يونيو/ حزيران الماضي، عندما قُتل عدد من كبار المسؤولين العسكريين الإيرانيين في غضون ساعات، وتعرّضت المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية لأضرار بالغة.
لكن طهران استخلصت العبر من تلك الحرب، وفقاً لمسؤولين إيرانيين وإقليميين، وأعدّت عدة مستويات قيادية لتولي مهام أي شخص يُقتل. ويهدف هذا إلى ضمان استمرار النظام، بعد انتهاء الصراع حتى لو لم ينجُ خامنئي وغيره من القادة.
ويقول مسؤولون إقليميون تحدثوا إلى طهران وواشنطن، إنه إذا اختار ترامب شنّ ضربة، فمن المرجح أن يكون هدفه صدم القيادة الإيرانية بشدة لإجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروطه. لكن خبراء قالوا، إن إيران رفضت الخضوع للشروط الأمريكية بعد الحرب الأخيرة، وإذا نجت من حرب أخرى، فمن المرجح أن ترفضها مجدداً.