«كانت آية للمبصر، وغاية لم تقصر، سبقت فحول الرجال، وأغرمت بحب السهر، وملكت نفسها ملك من قهر، فأصبحت لها شكيمتها وأصبحت مثل الصباح شيمها، ودامت في أدويتها هائمة، وفوق ألويتها حائمة، إلى أن دعيت فأجابت، فتمت إرادتها، وختمت بالخير سعادتها».
تلك الكلمات البديعة التي تفيض رقة وجمالاً، جاءت في وصف العابدة الزاهدة رابعة العدوية (100 -180ه)، وذلك لفضلها الكبير وخيرها الوفير.
هي رابعة بنت إسماعيل، العدوية البصرية، وتكنى ب«أم الخير»، ولدت في مدينة البصرة، من أب عابد فقير، وهي ابنته الرابعة وهذا يفسر سبب تسميتها رابعة، وهي من عشيرة القيسيين، وبالرغم من كثرة التراجم التي نقلت عن رابعة إلا أن هناك خلطاً بينها وبين سميات لها مثل «رابعة بنت إسماعيل»، لذلك كان يميزها كل من الشعراوي وابن الجوزي باسم رابعة العدوية البصرية عن الأخرى الشامية، وأشار المؤرخون إلى أن من المنعطفات المهمة في حياة العدوية وفاة والدها وهي طفلة دون العاشرة ولم تلبث الأم أن لحقت به، لتجد رابعة وأخواتها أنفسهن بلا عائل يُعينهن على الفقر والجوع والهزال، فذاقت رابعة مرارة اليتم الكامل دون أن يترك والداها من أسباب العيش لهن سوى قارب ينقل الناس بدراهم معدودة في أحد أنهار البصرة.
بعد وفاة والديها غادرت رابعة مع أخواتها البيت بعد أن دب البصرة جفاف وقحط ووباء وصل إلى حد المجاعة ثم فرق الزمن بينها وبين أخواتها، وبذلك أصبحت رابعة وحيدة مشردة، وأدت المجاعة إلى انتشار اللصوص وقُطَّاع الطرق، فخطف رابعة أحدهم وباعها بستة دراهم لأحد التجار القساة من آل عتيق البصرية، وأذاقها التاجر سوء العذاب والذل، لكن نفسها الأبية كانت تقودها إلى الله سبحانه وتعالى فتناجيه وهي تنتحب فتقول: «إلهي، أنا يتيمة معذّبة أرسف في قيود الرّق، وسوف أتحمّل كل ألم وأصبر عليه، ولكنّ عذاباً أشد من هذا العذاب يؤلم روحي ويفكّك أوصال الصبر في نفسي، باعثه ريب يدور في خَلَدي: هل أنت راضٍ عنّي؟ تلك هي غايتي».
بداية المسير
كان زاد رابعة في الطريق هو المحبة الخالصة، ووسيلتها المناجاة والتضرع بالقول والشعر، فكان لها رؤيتها واتجاهها وفلسفتها في التعبد والتقرب لنيل الرضا والقول ولتتنزل عليها فيوض المعارف والأنوار، كان طريقاً وعراً لكن إرادة العدوية جعلته يسيراً، فقد سكن الحب قلبها وانشغل بالذكر لسانها، وكان لها من الأدعية والمقولات ما خلده الزمان ورددته الأجياة.
وأشار الكثير من المؤرخين والمؤلفين إلى أن رابعة العدوية أصبحت علامة في عالم الحب الروحي الخالص، حيث كانت مصدر اهتمام مفكرين وشعراء من كل أنحاء الدنيا، وربما ذلك ما جعل المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون، يؤكد أنها كانت السابقة إلى وضع قواعد الحب والحزن في هيكل التصوف الإسلامي، وهي التي تركت في الآثار الباقية نفثات صادقة في التعبير عن محبتها وحزنها، وأن الذي فاض به بعد ذلك الأدب الصوفي من شعر ونثر في هذين البابين لهو نفحة من نفحات العدوية، وإلى جانب ذلك وجدت العدوية الثناء والقبول من قبل أئمة السلف منهم سفيان الثوري والإمام الذهبي وابن الجوزي، وغيرهم من أهل السنة.
عذوبة
اشتهرت رابعة العدوية بالمقولات والأدعية، وعرفت بالشعر الذي أتي هو الآخر في صورة مناجاة عذبة، ومن أشهر أشعارها قولها في مقام المحبة الصادقة:
أحبّكَ حُبَّينِ حُبَّ الهَوَى
وحُبّاً لأنكَ أهْلٌ لِذَاكَ
فَأمَّا الذِي هُوَ حُبّ الهَوى
فشُغْلِي بذكرِكَ عمَّنْ سِوَاكَ
أعلام المحبة
رابعة العدوية.. المناجاة سبيل المؤمن
25 فبراير 2026 01:37 صباحًا
|
آخر تحديث:
25 فبراير 01:37 2026
شارك