رحلت أمس الأربعاء، تمار بن عمي، المعروفة باسم «ريتا»، ملهمة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، عن عمر ناهز 79 عاماً في العاصمة الألمانية برلين، بعد صراع طويل مع مرض السرطان، لتُطوى بذلك صفحة إنسانية وأدبية ارتبطت بإحدى أشهر قصائد الحب المقاوم في الأدب الفلسطيني الحديث.
وصية ريتا قبل الرحيل
في سنواتها الأخيرة، تنقلت الراحلة بين برلين وحيفا، وأدارت مشاريع فنية وثقافية، وظلت محافظة على صلتها بالمشهد الثقافي الفلسطيني.
وفي آخر ظهور علني لها، أوصت بترجمة قصيدة «فكّر بغيرك» إلى جميع لغات العالم، معتبرة أنها تمثل بياناً إنسانياً عالمياً وهوية شعرية تعبر عن شخصية محمود درويش.
كما طالبت بتدريسها في المدارس لما تحمله من قيم أخلاقية واجتماعية عابرة للحدود.
محمود درويش: بين ريتا وعيوني البندقية
تعود جذور الحكاية إلى عام 1963 في مدينة حيفا، حين التقى درويش بالشابة اليهودية تمار بن عمي خلال أمسية شعرية شاركت فيها ضمن فرقة رقص شعبي.
وصفت ريتا ذلك اللقاء لاحقاً بأنه «تيار كهربائي» أشعل حبّاً من النظرة الأولى، في مرحلة مبكرة من مسيرة درويش الشعرية.
غير أن العلاقة لم تكتمل بسبب الظروف السياسية المعقدة وتجنيدها لاحقاً في الجيش، ليصبح الحب محاصراً بواقع الصراع، وهو ما تجسّد بوضوح في قصيدة «ريتا والبندقية» التي كتب فيها درويش: «بين ريتا وعيوني بندقية»، لتتحول القصيدة إلى رمز لاستحالة الحب وسط النزاع الوطني.
وقد خُلِّدت القصيدة بصوت الفنان مارسيل خليفة، مما أسهم في ترسيخ اسم «ريتا» في الذاكرة الجمعية العربية.
لقاء ريتا ودرويش الأخير بعد عقود الفراق
كشف الفنان التشكيلي عبد عابدي، أحد أصدقائها المقربين، أنها سعت في أواخر التسعينات إلى ترتيب لقاء مع درويش في فرنسا، وبالفعل تحقق اللقاء عام 1998، في محاولة لإحياء ذكرى حب قديم لم يمحه الزمن.
وأكد عبد عابدي أن قصة الحب لم تكن معروفة إلا في دوائر ضيقة من أصدقاء الشاعر المقربين، وأن ريتا ظلت ناشطة ثقافياً وإنسانياً حتى أيامها الأخيرة، بحسب صحيفة القدس.
ريتا بين الحقيقة والرمز الأدبي
أكدت ريتا في تصريحات سابقة أن قراءة رسائل درويش القديمة كانت تجربة «مؤلمة وقاسية»، لكنها رأت أنه نجح في البقاء في ذاكرة الإنسانية كشعلة تنير العتمة.
وقد حاول درويش في أمسيته الشهيرة في حيفا عام 2007 التحرر من سطوة القصائد الأولى، ليقدم نتاجه الفكري والشعري الأكثر نضجاً، إلا أن الجمهور ظل متعلقاً برمزية «ريتا» وبقصائد مثل «أحن إلى خبز أمي».
وبرحيلها، يُعاد فتح النقاش حول السيرة الشخصية لدرويش وتأثيرها في شعره، وكيف تحولت تجربة حب خاصة إلى رمز إنساني يتجاوز الحدود والهويات.
وقد أُغلِق فصل حقيقي من فصول إلهام الشاعر، لكن القصيدة ستبقى حيّة، تروي حكاية «العينين العسليتين» اللتين حاصرتهما البنادق، فيما تظل وصيتها بترجمة «فكّر بغيرك» نداءً أخيراً من امرأة عاشت في قلب الشعر الفلسطيني.