يعد تزفيتان تودوروف من أبرز رموز الفكر الأوروبي، فهو إلى جانب كتاباته النقدية منخرط في مساءلة الفكر الغربي، خارج قيود العقائدية الفكرية، ويمثل كتابه «روح الأنوار» تواصلاً مع نهجه الفكري في صياغة تصورات جديدة ومختلفة بشأن رؤية الفكر الغربي عامة لقضايا الإنسان المعاصر.
تكمن أهمية هذا الكتاب في مراجعة التقبل الغربي لعصر الأنوار في ضوء الراهن الحضاري، حيث لا ينخرط الكتاب في رؤية تأريخية لفكر الأنوار، تعتقله في زمنيته التاريخية بل ينظر في الأنوار من زاوية قدرتها الفاعلة في التأثير في حياة المجتمعات، وينتقد التوظيف الغربي السيئ للأساس العقلاني والاختلافي الذي قام عليه التنوير، مشخصاً الممارسات السياسية الغربية وناعتاً إياها بالإساءة إلى فكر الأنوار، وفي ذلك إحراج للسلطة السياسية الغربية وتضمين لخيانة الممارسة لفكر الأنوار.
أسئلة
يتساءل تودوروف في بداية كتابه: على أي أساس فكري وأخلاقي نريد بناء حياتنا الاجتماعية بعد انهيار اليوتوبيات؟ ويرى أننا في حاجة لأن نتصرف بمسؤولية وفي حاجة إلى إطار مفهومي كفيل، لا بوضع أساس لخطاباتنا فحسب – وهو أمر يسير – بل كذلك لأفعالنا، فخلال ثلاثة أرباع القرن التي سبقت سنة 1789 حيث المنعطف الكبير الذي يعتبر مسؤولاً أكثر من أي منعطف آخر على تشكيل هويتنا التي نحن عليها، حيث قررت الكائنات البشرية لأول مرة في التاريخ أخذ مصيرها بيدها، وتواضعت على اعتبار رفاه الإنسانية الهدف الأسمى لأفعالها، وقد انبثقت هذه الحركة الفكرية من أوروبا بأكملها، لا من بلد واحد، وعبرت عن مقاصدها من خلال الفلسفة والسياسة ومن خلال العلوم والفنون وكذلك عبر الرواية والسيرة الذاتية.
يقول تودوروف: «إن مجرد العودة إلى الماضي بطبيعة الحال أمر غير ممكن ولا مرغوب فيه، فالكتاب ليس بوسعهم حل المشاكل التي استجدت منذ ذلك الحين والتي ما انفكت تمزق العالم كل يوم، ومع ذلك فإن فهماً أعمق لهذه النقلة الجذرية من شأنه دون شك أن يساعدنا على العيش على نحو أفضل اليوم، وعلى هذا الأساس أردت الكشف عن الخطوط العريضة لفكر الأنوار دون إغفال مشاغل عصرنا، وذلك في سياق حركة مراوحة مستمرة بين الماضي والحاضر، ذهاباً وإياباً».
يتمثل درس الأنوار في القول إن التعددية يمكن أن تفضي إلى وحدة جديدة، وذلك بثلاث طرق على الأقل: فهي تحث على التسامح ضمن المنافسة، وهي تنمي وتحمي الفكر النقدي الحر، وهي تساعد على الموضوعية والتجرد من الذات، بما يؤدي في مستوى أرقى إلى اندماجها مع الآخر.
انتقادات
يقول لويس دي بونالد أحد أكثر خصوم الأنوار ضراوة، «لقد بدأت الثورة بوثيقة الإعلان عن حقوق الإنسان ولهذا السبب بالذات انتهت بحمام من الدم» إن الصورة التي يقدمها بونالد عن الأنوار أو غيره من المحافظين خلال فترة الملكية هي صورة صحيحة– كما يقر بذلك تودوروف– إجمالاً لأن فكر الأنوار يعلي فعلاً من شأن الإنسان والحرية والمساواة، نحن في هذا السياق إذن إزاء صراع وجهاً لوجه، وإزاء خلاف أساسي حول المبادئ والمثل العليا للمجتمع، فالحديث في هذه الحالة عن رفض الأنوار أمر مشروع.
من الانتقادات التي توجه إلى الأنوار كونها وفرت المستندات الأيديولوجية للاستعمار الأوروبي، ويقوم هذا الانتقاد على المنطق التالي: بما أن الأنوار تقر بوحدة الجنس البشري فهي تقر بكونية القيم، ولما كانت الدول الأوروبية مقتنعة بأنها تحمل قيماً أرقى من القيم السائدة عند غيرها من الأمم، اعتقدت أن من حقها حمل حضارتها إلى الذين هم أقل حظاً منها، وكي تضمن نجاحها في أداء هذه المهمة كانت مجبرة على احتلال المناطق التي يقطنها سكان تلك الأمم.
هناك لوم آخر ذو خطورة استثنائية يوجه إلى روح الأنوار يتمثل في أنها أنتجت ولو عن غير قصد، الأنظمة الشمولية بما صحبها من مواطن إبادة جماعية ومساجين وعذابات، ويقوم اللوم في هذا السياق على مهمة يمكن صياغتها في ما يلي: أصبح الناس بعد رفضهم العمل بالتعليمات يختارون بأنفسهم مقاييس الخير والشر وصاروا مهووسين بقدرتهم على سبر أغوار العالم ما جعلهم يسعون إلى إعادة تشكيله حتى يكون مطابقاً للمثال الأعلى عندهم.
يرى تودوروف أن مشروع الاتحاد الأوروبي حتى ينجح لا ينبغي الاكتفاء بالاتفاقيات الخاصة بالجمارك ولا بتحسين البنى البيروقراطية فقط، بل لا بد من العمل كذلك على تبني نوع من الفكر الأوروبي يحق لسكان القارة أن يفتخروا به، لكن مشكلاً يفرض نفسه هنا، وهو كون ما تشترك في امتلاكه كل الأمم الأوروبية (العقلانية العلمية، مبدأ الدفاع عن دولة القانون وحقوق الإنسان) له نزعة كونية لا أوروبية بالتخصيص، وهذا الرصيد المشترك هو في الوقت نفسه غير كاف لتنظيم كيان سياسي يطيب فيه العيش وينبغي أن تضاف إليه تلك الاختيارات الثقافية الخاصة المنغرسة في تاريخ كل أمة وثقافتها على حدة.
حاجات ملحة
يؤكد تودوروف أن البشر في حاجة إلى الأمن بدرجة لا تقل عن حاجتهم إلى الحرية والحقيقة، وهم يفضلون الدفاع عن أعضاء المجموعة التي ينتمون إليها على تبني القيم الكونية، أما الرغبة في امتلاك السلطة وما تؤدي إليه من عنف فهي أيضاً خصلة مركزة في طبيعة النوع البشري وليست أقل وسماً له من قدرته على الاستدلال العقلاني، وإضافة إلى كل هذا ظهرت مجموعة من التيارات المعاصرة حولت مكتسبات الأنوار عن وجهتها الحقيقية، تيارات من بين مسمياتها العلموية والفردانية والقول بفقدان المعنى والنسبية المعممة.