على الرغم من مطالبته دائماً منحه جائزة نوبل، وزعمه إنهاء 8 حروب، لكن لجوء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى القوة العسكرية ضد إيران ساعده على دفن خمس أزمات أشعلها، وإبعادها عن طاولة المناقشات، ليفلت بذلك مؤقتاً من المحاسبة السياسية؛ إذ ستعيد المواجهة ضد إيران تشكيل إرث ترامب في نهاية المطاف، إما بتعزيز مكانته بصفته قائداً في زمن الحرب، أو بتكثيف التدقيق في قرارات شنّ الضربات.
وبحسب تقرير لـ«صحيفة نيوزويك» فمع تصاعد الحرب مع إيران، تحوّل تركيز واشنطن بالكامل تقريباً إلى الخارج، وهيمنت التغطية الإعلامية المتواصلة للغارات الجوية، والتهديدات بالانتقام، والجهود الدبلوماسية العاجلة على الأخبار، ما قلّل من الاهتمام بالخلافات الداخلية التي كانت تُحيط بترامب. وفي غضون أيام قليلة، انتقل النقاش السياسي من المناقشات الحزبية الداخلية إلى التساؤلات حول الاستراتيجية العسكرية، وخطر اندلاع حرب إقليمية واسعة النطاق.
وقبل قراره بشن الحرب على إيران، كان ترامب يواجه تدقيقاً في عدة قضايا: فضيحة جيفري إبستين التي كانت تُلقي بظلالها، والنزاعات القانونية حول الرسوم الجمركية والسياسة التجارية، وانتقادات لرسائله الاقتصادية بشأن التضخم. كما أثار دعمه لبعض أجزاء حركة «لنجعل أمريكا صحية مرة أخرى» جدلاً حول اللقاحات وتداول المبيدات، وهناك أيضاً مخاوف بشأن الرقابة على الذكاء الاصطناعي.
وعقب إعطائه الإذن للطائرات بقصف طهران، وبدء عملية قطع رأس النظام، تراجعت هذه المواضيع من جدول أعمال الأخبار اليومية، وبات يركز المشرعون على الإحاطات الأمنية، والتغطية الإعلامية على التطورات الشرق الأوسط، لتنحي بذلك الحرب في الوقت الراهن، الخلافات الداخلية إلى الخلفية.
1. تجدد التساؤلات حول علاقات إبستين
عاد التدقيق في علاقة ترامب السابقة بجيفري إبستين إلى الظهور في الأسابيع الأخيرة، وذلك عقب نشر وثائق جديدة، وتجدد الاهتمام بشخصيات بارزة مرتبطة بالممول المدان بالاعتداء على الأطفال. وعلى الرغم من نفي ترامب المتكرر ارتكاب أي مخالفات، وتأكيده على نأيه بنفسه عن إبستين قبل سنوات من اعتقاله، يرى منتقدون أن هناك تساؤلات عالقة حول الدائرة الأوسع من الأفراد الأثرياء، وذوي النفوذ السياسي المحيطين بإبستين.
وزادت الضغوط بعد موافقة بيل وهيلاري كلينتون على الإدلاء بشهادتهما الأسبوع الماضي، بشأن علاقتهما بإبستين وشريكته غيسلين ماكسويل، ما دفع بعض المشرعين إلى مطالبة ترامب بفعل الشيء نفسه تحقيقاً للشفافية، لكن شن الحرب مع إيران طغى إلى حد كبير على هذه القضية، محولاً تركيز وسائل الإعلام بعيداً عن المسائل الحساسة سياسياً، والمتعلقة بالسمعة، ونحو الحرب في الخارج.
2. قرار الرسوم الجمركية
قبل شن غارات جوية على طهران صباح السبت، واجه ترامب انتقادات جديدة بشأن سياساته التجارية، لا سيما بعد انتكاسة في المحكمة العليا أواخر الشهر الماضي، بعد رفضها جزءاً رئيسياً من حجة إدارته التي تُدافع عن السلطة الرئاسية الواسعة لفرض تعريفات جمركية بموجب صلاحيات الطوارئ. وقلّص القرار نطاق صلاحياته من دون موافقة أوضح من الكونغرس، واعتُبر على نطاق واسع ضربة قانونية لادعائه بأنه يستطيع التصرف بمفرده لإعادة تشكيل السياسة التجارية الأمريكية باسم الأمن القومي.
وفي الوقت نفسه، استمر الجدل حول من يدفع فعلياً التعريفات الجمركية. ولطالما وصفها ترامب بأنها وسيلة للضغط على الحكومات الأجنبية. لكن خبراء الاقتصاد يقولون إن التكاليف غالباً ما تعود إلى الشركات والمستهلكين الأمريكيين من خلال ارتفاع الأسعار. ومع تحوّل الاهتمام إلى أسواق النفط، وخطر نشوب حرب طويلة الأمد، تلاشت إلى حد كبير تلك النقاشات القانونية والاقتصادية.
3. حركة «لنجعل أمريكا صحية مجدداً» وفضيحة الغليفوسات
زاد الخلاف بين ترامب وحركة «لنجعل أمريكا صحية مجدداً» الشهر الماضي، بعد توقيعه أمراً تعزيز الإنتاج المحلي لمادة لغليفوسات، وهو أحد مكونات مبيدات الأعشاب واسعة الاستخدام. ويوفر الأمر حماية قانونية محدودة للمصنعين الذين يلتزمون بالتوجيهات الفيدرالية.
ودافع وزير الصحة الأمريكي روبرت ف. كينيدي جونيور، الذي سبق أن جادل بأن الغليفوسات قد يسبب السرطان، عن هذه الخطوة باعتبارها ضرورية للاستقرار الزراعي والأمن القومي. وبينما وصف المبيدات بأنها «سامة بطبيعتها»، قال، إن ترامب ورث النظام الحالي ويستحق الدعم.
ولم يقتنع العديد من نشطاء الحركة بسياسة غدارة ترامب، واتهموها بالإخلال بوعودها بتقليل التعرض للمبيدات الحشرية، وخاصة للأطفال.
وكشف هذا الخلاف عن توترات داخل إدارة ترامب، قبيل انتخابات التجديد النصفي، حيث يسعى الديمقراطيون إلى استغلال هذا الانقسام الذي تراجعت أهميته لاحقاً منذ أن قاد ترامب الولايات المتحدة إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط.
4. الذكاء الاصطناعي وإلغاء القيود
عرفت إدارة ترامب بتشجيعها التوسع في الذكاء الاصطناعي، بهدف ضمان التقدم على الصين. ويقول المؤيدون، إن تخفيف البيروقراطية في هذا المجال يشجع الابتكار، ويعزز الأمن القومي. إلا أن المنتقدين يحذرون من أن ضعف الرقابة قد يزيد المخاطر، بما في ذلك فقدان الوظائف، والمعلومات المضللة، وإساءة استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي القوية.
وقد تصاعدت هذه التوترات إلى مواجهة كاملة بين البنتاغون وشركة الذكاء الاصطناعي «أنثروبيك». فبعد رفض الشركة إزالة قيود أمنية على نموذج «كلود» الخاص بها - بما في ذلك القيود المتعلقة بالأسلحة ذاتية التشغيل، والمراقبة الجماعية - صنّف وزير الدفاع بيت هيغسيث شركة «أنثروبيك» على أنها «تشكل خطرًا على سلسلة التوريد»، وهي خطوة قد تحرمها من العقود الفيدرالية المستقبلية.
كما هدد البنتاغون بإلغاء اتفاقية دفاعية رئيسية، بحجة أن الضمانات تتعارض مع صنع القرار في ساحة المعركة في الوقت الفعلي. وتمسكت «أنثروبيك» بموقفها، وقد تطعن في هذا التصنيف.
5. رسائل التضخم والشكوك الاقتصادية
لطالما تباهي ترامب بدوره في استقرار الأسعار وتعزيز النمو الاقتصادي، مشيراً إلى بيانات التضخم العامة ومكاسب السوق. ويرى النقاد أن رسائله تتجاهل الواقع الذي لا يزال يواجهه العديد من الأمريكيين، بما في ذلك ارتفاع تكاليف السكن، وزيادة أقساط التأمين، وارتفاع أسعار المواد الغذائية. وعلى الرغم من تباطؤ التضخم مقارنةً بذروات سابقة، فإن الأسعار لا تزال أعلى مما كانت عليه قبل بضع سنوات، وتقول العديد من الأسر إن ميزانياتها لا تزال تعاني ضغوطاً مالية.
ومع تحول التغطية الإعلامية إلى حرب إيران، خفت حدة هذا النقاش، لكن الصراع الجديد قد يُولّد ضغوطاً اقتصادية جديدة، فقد ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير، ما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار البنزين، وزيادة تكاليف الشحن. ويمكن أن تنعكس هذه الزيادات على أسعار السلع اليومية. كما أن حالة عدم اليقين في السوق والزيادات المحتملة في الإنفاق الدفاعي قد تؤثر في تكاليف الاقتراض. وبالنسبة للعديد من الأسر، قد تُصبح الآثار المالية للحرب محسوسة قريباً إلى جانب مخاوف غلاء المعيشة القائمة.
حرب إيران ستُحدد إرث ترامب
وعلى الرغم من ترويجه لنفسه بدعم إنهاء الحروب الأمريكية، ساق ترامب ذرائع عدة لتبرير قراره الخطر بقصف إيران والذي أشعل التوترات في الشرق الأوسط، أبرزها حرمان طهران من صناعة قنبلة نووية، والتخلي عن ترسانة صاروخية يراها أكبر تهديد لإسرائيل، وأصاف إليها لاحقاً هدف إسقاط النظام الحاكم.
يُظهر التاريخ أن الحرب قد تُحدد مسار الرؤساء وتُؤخر في الوقت نفسه المحاسبة السياسية، لكن الحرب ضد إيران ستعيد تشكيل إرث ترامب في نهاية المطاف، وعلى الرغم من استفادته منها بتنحية القضايا الداخلية، لكن مع انحسار الأزمة، يُتوقع أن تعود هذه القضايا العالقة إلى الواجهة.