د. حسام حسين*
يسعدني كقنصل عام لجمهورية مصر العربية لدى الإمارات الشمالية أن أُطل على قراء صحيفة الخليج الغراء لتقديم لمحات حول شؤون مرتبطة بمصر، وأشكر الصحيفة على هذه المبادرة الكريمة التي تعكس أحد مظاهر العلاقات الأخوية التاريخية التي تربط بين جمهورية مصر العربية ودولة الإمارات العربية المتحدة.
ويسرّني أن تكون الإطلالة المصرية الأولى لنا على صفحات الخليج العريقة تدور حول «الكتاب الأبيض» الصادر في شهر ديسمبر/كانون الأول 2025 عن وزارة الخارجية المصرية، تحت عنوان «الاتزان الاستراتيجي... ملامح من السياسة الخارجية المصرية في عشر سنوات».
بداية، فإن المقصود بمصطلح «كتاب أبيض» في السياق الدبلوماسي، هو وثيقة رسمية تصدرها عادة وزارات الخارجية لتقديم رؤية متكاملة حول مسألة ذات صلة بقضايا السياسة الخارجية تحظى بأهمية على الصعيد الوطني، تهدف إلى شرح وتفسير سياسات معينة، بما يتيح فهماً واضحاً لمنهج هذه الدولة في التعامل مع هذه القضية، وكذلك تمثل الكتب البيضاء أهمية للمؤرخين والباحثين وصناع القرار والصحفيين والمهتمين بالقضايا السياسية بشكل عام عبر إتاحة مرجعيات موثقة حول رؤية هذه الدولة تجاه هذه القضايا، فضلاً عن مساهمة تلك الإصدارات في تعزيز الشفافية من خلال توضيح أسس ودوافع بعض القرارات ذات الأهمية لدولة ما. وبذلك تكون الكتب البيضاء بمثابة جسر بين الرؤية الرسمية للدولة فيما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية وبين الجمهور على المستويين الداخلي والخارجي.
ومن هذا المنطلق تأتي أهمية الكتاب الأبيض المصري «الاتزان الاستراتيجي.. ملامح من السياسة الخارجية المصرية في عشر سنوات»، في أنه يتناول مفهوم «الاتزان الاستراتيجي» باعتباره الإطار الرئيسي الحاكم للسياسة الخارجية المصرية، عبر التوثيق والتحليل المرجعيين لتطبيق هذا المفهوم ضمن أطر تحرّك الدبلوماسية المصرية في عدة فصول تشمل الدوائر العربية والإفريقية والأوروبية والآسيوية والدولية، وكذلك اتفاقات الشراكات الشاملة مع القوى الكبرى، فضلاً عن بيان مساعي دعم مسارات السلم والأمن، والتنمية، ومكافحة الإرهاب، والدبلوماسية الاقتصادية والبيئية، في الأطر الثنائية والمنظمات الإقليمية والدولية، وذلك ضمن نهج متوازن ومسؤول يستهدف تحقيق الاستقرار على الصعيدين الإقليمي والدولي، وخدمة المصالح الوطنية.
ويمكن تلخيص أهم محددات سياسة مصر الخارجية وفقاً لما ورد في الكتاب الأبيض في:
- احترام الدولة الوطنية وسيادتها، باعتبارها الوحدة الأساسية وحجر الزاوية في النظام الإقليمي والدولي، وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى.
- رفض الانخراط في مختلف مظاهر الاستقطاب الدولي وعدم الدخول في أحلاف مع أحد الأطراف ضد أخرى. ويرتبط بذلك، الانفتاح على كل الفاعلين الإقليميين والدوليين وتنويع الشركاء الاستراتيجيين، والعمل الدائم للوصول إلى تفاهمات وتوافقات بين القوى المختلفة لضمان تحقيق الأمن والسلام والتنمية المستدامة.
- تحقيق السلام في العلاقات الدولية، وفقاً لأحكام القانون الدولي ومبادئ وأهداف ميثاق هيئة الأمم المتحدة. ويشمل هذا الهدف التمسك بمبدأ فض المنازعات بالطرق السلمية وفقاً لقرارات الشرعية الدولية. وذلك في سياق الإيمان بأن التفاوض في النزاعات ينبغي أن يكون على أسس المبادئ القانونية والتاريخية والأخلاقية، حيث لا يمكن أن تصبح المعادلات الصفرية هي وسيلة تحقيق المصالح في عالم سمته الاعتماد المتبادل.
- الالتزام بالحفاظ على النظام الدولي متعدد الأطراف، وفي قلبه الأمم المتحدة وأجهزتها، باعتباره الركيزة الأساسية للحفاظ على مكتسبات السلام والاستقرار والتنمية، والضمانة القوية لحفظ الأمن والسلم الدوليين، مع العمل في الوقت نفسه على تطوير وتحديث هذا النظام.
- الالتزام بمبدأ مكافحة الإرهاب في كل صوره وأشكاله، لكونه يمثل تهديداً للدولة الوطنية ومؤسساتها وأمنها، ومصدراً لإثارة مشاعر الخوف وانعدام الأمن في المجتمع، وزعزعة العلاقات الودية بين الدول.
- إدارة العلاقات الاقتصادية بين الدول بهدف تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في العالم، من خلال إدارة علاقات اقتصادية قائمة على توازن المصالح وتحقيق الفائدة للجميع، وذلك لأن تحقيق هذه التنمية يعد الشرط الضروري لنظام عالمي مستقر، وأفضل سبل الوقاية ومنع النزاعات المسلحة ومواجهة الأزمات الإنسانية.
وأدعو المهتمين للاطلاع على هذا الكتاب الأبيض الذي يتوفر على موقع وزارة الخارجية المصرية www.mfa.gov.eg.
* القنصل العام لجمهورية مصر العربية