الخطاط المغربي عبد الرحيم كولين، هو أحد المبدعين الذين تشكل أسلوبهم الخاص بعد تجربة عميقة مع الحرف العربي، ونجح في التعبير عن جماليات الخط بأشكاله المتنوعة خاصة «المبسوط المغربي»، وأصبح بذلك من أهم مراجع الخط المغربي المعاصر، حيث له العديد من الأعمال الفنية التي تعكس الأبعاد الجمالية وتتضمن الرؤى الفكرية التي تؤكد اشتغالات مختلفة ومبتكرة.
من أبرز تلك اللوحات التي تؤكد براعة كولين، اللوحة التي تحمل في نصها الآية 53 من سورة فصلت: «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق»، وهي الآية التي تعبر عن معانٍ روحية عظيمة وتعكس قدرة الله تعالى، وتحتشد بالمعاني والدلالات التي عمل الفنان على تمثلها وعكسها في العمل الفني بشكل يقترب من تلك الهالة الجمالية العظيمة في الآية والتحليق نحو السماوات والآفاق الرحبة.
*أصالة
تعامل كولين مع الآية بتوظيف المبسوط المغربي وهو أحد أبرز أنواع الخط الأصيل، وقد جاء تطور من الخط الكوفي المشرقي الذي دخل بلاد المغرب والأندلس مع الفتح الإسلامي. اشتق من الكوفي القديم وتطور في القيروان ثم الأندلس، لينتشر بشكل واسع كخط ليّن ورقيق وخاصة في كتابة المصاحف، وتميز بوضوحه، استدارته، وسهولة قراءته، ما منحه اسمه «المبسوط»، وهو كذلك قريب في بنيته الفنية من خطي النسخ والثلث، وأصبح لهذا الخط «المبسوط»، طابعه المميز وصار واسع الانتشار في بلاد المغرب، لكن اللوحة اعتمدت كذلك على أسلوبية خاصة بالفنان كولين، حيث تميز أعماله بأسلوب فريد يسمى «الأسلوب الفاسي الحديث»، وهو تطوير معاصر للخط المغربي المبسوط يجمع بين أصالة الحروف المغربية ومرونة التراكيب الفنية الحديثة.
تجلّت براعة الخطاط في التعامل مع هذا الخط في اللوحة، وهو خط يدمج بين القواعد الكلاسيكية للخط المغربي، وبين رؤية فنية معاصرة تعتمد بشكل كبير على الابتكار والخروج عن المألوف، خاصة في ما يتعلق بتوزيع الكتلة والفراغ، ويلاحظ الناظر للوحة وجود الامتدادات الطويلة للألف واللام، وهي سمة بارزة في هذا الأسلوب تمنح اللوحة شموخاً واتزاناً، وهو ما يظهر جلياً في العمل، ولئن كان الخط الكوفي، والذي هو أصل هذا الحرف المغربي، يُبنى ب«مسطرة وفرجار»، في أصوله، فإن هذا الخط المبسوط يعتمد على «روح» الخطاط وسرعة القلم «القصبة»، مع الحفاظ على التوازن الفني، ومن هنا تبرز مسألة اختلاف كل فنان عن الآخر.
نلاحظ كذلك، في اللوحة، اتسام الحروف بالانسيابية، حيث تتميز بليونة واضحة خاصة حروف مثل السين والياء، كما أن المنعطفات والمنحنيات تمنح انطباعاً بالحركة والحيوية داخل اللوحة، وكذلك الألفات المعقوفة قليلاً من الأسفل، وذلك بخلاف ما هو سائد في بقية الخطوط التي تعقف فيها عادة من الأعلى، كما تتميز اللوحة ببساطة شكل الحروف والكلمات ووضوحها، وهي مميزات قد تبدو سهلة التنفيذ، إلا أنها في الحقيقة تتطلب خبرة ومهارة لا تتوفر إلا للخطاط والفنان الذي يمتلك خبرة طويلة في التعامل مع هذا الخط وأبدع فيه، وهنا تظهر البصمة الخاصة بكولين.
ولعل من أبرز السمات الأسلوبية لكولين، هي مسألة توزيع النقاط، حيث إن لكل فنان رؤيته الخاصة في هذا الشأن، حيث قام الخطاط بتوظيف وتوزيع النقاط الملونة باللون الأحمر، كعناصر زخرفية تساعد على التكوين الفني، بالتالي هي جزء من الجهد الإبداعي داخل اللوحة، وهي تستخدم كذلك كميزان لقواعد الحروف وتناسقها، حيث تعتبر النقطة مقياساً أساسياً لضبط طول الحرف وعرضه، وتحدد المسافات بين الحروف والكلمات.
*إيقاع بصري
اعتمدت هذه اللوحة في بنائها الجمالي على إيقاع بصري مدهش، ويظهر ذلك من خلال صعود الحروف الرأسية مثل «الألف واللام»، بنظام معماري صارم ودقيق، يشبه الأعمدة الضخمة التي تعانق السماء، ولئن امتدت بعض الحروف، فإن حروفاً أخرى تبدو ملتوية بدور محدد داخل هذا البناء أشبه بالقاعدة مثل «السين والراء والياء»، ما يمنح اللوحة تبايناً يحتشد بالألق والجمال، وكذلك تعامل الخطاط مع مسألة «هندسة الفراغ والامتداد»، بحيث تظهر بعض الحروف وكأنها في حالة نمو وتصاعد، فالامتدادات الطولية التي تبدو وكأنها مبالغ فيها ليست مجرد زينة، بل هي تعبير بصري عن مفهوم «الآفاق» الوارد في النص، ما يمنح المشاهد شعوراً بالاتساع واللانهاية.
وجاء التعامل مع الألوان بشكل مميز يخدم رؤية الفنان الذي اختار الأزرق المتدرج بما يضفي مسحة من الهدوء والسمو، بحيث يشبه صفاء البحر، ليكتمل هذا الجمال من خلال اللقاء باللون الأحمر في النقاط والتشكيل، ثم تتأكد البراعة في التعامل مع الكتلة والفراغ من خلال تجمع الكلمات وسط اللوحة لتشكل كتلة متماسكة، ثم تنطلق منها الخطوط الرأسية والمنحنية لتملأ الفراغ المحيط، وهذا التوزيع اللافت يجعل العين تتحرك بسلاسة داخل اللوحة التي لا تكتفي بكونها نصاً يُقرأ، بل هي «هيكل بصري» يُتأمل، فالخطوط المتداخلة في الأسفل تشبه الجذور، بينما السيقان الرأسية تشبه البناء الذي يقتحم الأفق.