منى الرئيسي

في الشرق الأوسط لا تختبر الدول فقط بقوة جيوشها بل أيضاً بأخلاقها ومبادئها في لحظات التوتر.
فالمنطقة التي عاشت عقوداً طويلة على إيقاع الحروب والصراعات اعتادت على أن ترى الدول وهي تتحول سريعاً إلى معسكرات مواجهة وأن تتحول المجتمعات إلى ضحايا للتوترات السياسية.
لكن الإمارات حاولت منذ تأسيسها أن تقدم نموذجاً مختلفاً.. نموذج دولة ترى في الاقتصاد طريقاً للسلام وفي التنمية طريقاً للاستقرار.
غير أن الجغرافيا كما يقول علماء السياسة لا تمنح الدول رفاهية اختيار محيطها، فالمنطقة التي تقع فيها الإمارات كانت على مدى نصف قرن مسرحاً لأزمات كبرى:
الحرب العراقية الإيرانية، غزو الكويت، الحروب المتلاحقة في العراق، ثم موجات التوتر المستمرة في الخليج.
وسط هذا المشهد حاولت الإمارات دائماً أن تكون جزيرة استقرار وسط بحر من الاضطراب. لكن حين تتحول التوترات إلى اعتداء مباشر تتغير المعادلات.
في حديث مطول أجريته مع الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، ضمن حلقة استثنائية من بودكاست مرايا التابع لهيئة الشارقة للإذاعة والتلفزيون بدا واضحاً أن ما يحدث اليوم في المنطقة ليس مجرد أزمة عابرة بل لحظة مفصلية تعيد تعريف شكل العلاقة مع إيران.
فبحسب البيانات الرسمية، تعرضت الإمارات لهجمات صاروخية ومسيرات غير مسبوقة بالمعنى الفعلي للكلمة استهدفت مواقع مدنية. في تصعيد إقليمي واسع هز المنطقة.
وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا الإمارات؟
الإجابة التي يقدمها قرقاش لا تبدأ من لحظة الصواريخ بل من سياق أعمق.. فالإمارات كانت طوال السنوات الماضية من أكثر الدول التي سعت إلى فتح قنوات الحوار مع إيران، ورفضت الانخراط في صراعات إقليمية تزيد من تعقيد المشهد بل وكانت الوسيط لحل خلافاتها في الإقليم ولدى القوى الكبرى، لكن الاعتداءات الأخيرة — كما وصفها قرقاش أثناء الحوار — تجاوزت كل الخطوط. لقد سقطت ورقة التوت.
فما كان يقال لسنوات عن أن البرنامج الصاروخي الإيراني برنامج دفاعي لم يعد مقنعاً بعد أن استخدم في استهداف دول الجوار، ولهذا يرى المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أن طبيعة المفاوضات الدولية مع إيران لن تعود كما كانت.. فبعد أن كانت تركز لعقدين على البرنامج النووي ستضطر الآن إلى فتح ملف آخر لا يقل خطورة:
البرنامج الصاروخي.
فحين تتحول الصواريخ إلى أدوات ضغط إقليمي لم يعد ممكناً اعتبارها مجرد قدرات دفاعية بل هجومية وخير دليل ما حدث في الأيام الماضية.
لكن ورغم هذا التصعيد.. لا يتحدث قرقاش بلغة المواجهة المفتوحة، بل بلغة دولة تدرك تعقيدات الجغرافيا.
إيران - كما يقول - ستظل جاراً بحكم الموقع.. لكن الجيرة لا يمكن أن تستمر بالشكل ذاته..وهنا يبرز سؤال بسيط لكنه عميق في معناه:
هل الزجاج بعد أن ينكسر يعود كما كان؟
العلاقات بين الدول يمكن أن تُرمم...لكن الشقوق تبقى..!!
ومع ذلك، تؤكد الإمارات أن الدبلوماسية لا تُستنفد، ففي مدرسة الواقعية السياسية تبقى قنوات الحوار ضرورية حتى في أشد لحظات التوتر.. لكن الحوار لا يعني الضعف..!
فخلال العقدين الماضيين.. عملت الإمارات بهدوء على بناء منظومة متكاملة للأمن الوطني، ولهذا لم يكن المشهد الداخلي في الإمارات مشهد ارتباك مطلقاً.. بل مشهد ثقة مؤسسية. الحياة استمرت.. المجتمع بقي متماسكاً.. والاقتصاد لم يتوقف.
لكن الحرب الحديثة لم تعد فقط حرب صواريخ، فهناك حرب أخرى تدور في الفضاء الرقمي.. حرب التضليل.
وخلال حديثه، انتقد قرقاش بعض وكالات الأنباء التي تعمل - بحسب اعتقادي- ضمن أجندات مدفوعة من لوبيات سياسية تحاول تشويه صورة الإمارات.
وتأتي المفارقة بأن الواقع غالباً ما يكذب هذه السرديات، إذ إن من يعيش في الإمارات يدرك أن العلاقة بين الدولة والمقيمين لم تكن يوماً علاقة قانونية باردة.. بل علاقة إنسانية.
كما قال قرقاش بوضوح: «تعاملنا مع المقيمين بالأخوّة والإنسانية والرحمة والدعم... أشياء لم يجدوها حتى في أوطانهم».
ولهذا تحولت الإمارات خلال العقود الماضية إلى مجتمع متعدد الجنسيات يعيش فيه أكثر من مئتي جنسية في نموذج اجتماعي نادر في المنطقة.. فالإمارات لا تريد فقط أن تنجح وحدها.
بل - كما يقول قرقاش — تريد أن تقدم نموذج نجاح حماسي في المنطقة نموذج يثبت أن الشرق الأوسط ليس محكوماً بالصراعات الأبدية وأن الاعتدال والانفتاح والتنمية يمكن أن تكون طريقاً آخر..لكن هذا الطريق يحتاج أيضاً إلى وعي مجتمعي.!
ولهذا شدد قرقاش على أهمية عدم الانجرار خلف الشائعات التي تُبث خلال الأزمات.. فهدف كثير من هذه الحملات ليس تحقيق نصر عسكري بل تحقيق هزيمة نفسية داخل المجتمع.
وهذا أخطر.. ولهذا.. كما يقول، فإن أفضل رد على هذه الحملات ليس الانشغال بها، بل تعزيز الجبهة الداخلية.
وفي السياق الخليجي الأوسع، يوجه قرقاش رسالة واضحة: هذه ليست لحظة للمماحكات.. فالخطر مشترك، والمنطقة تحتاج اليوم إلى قدر أكبر من التماسك الخليجي، لأن شعوب الخليج تقف في خندق واحد.
لكن ربما أكثر ما لفتني في حديث قرقاش ليس توصيف الأزمة فقط.. بل فلسفة الدولة الإماراتية في التعامل معها.
لا إنكار للخطر.. ولا تهوين منه.. لكن أيضاً لا انجراف نحو عقلية الحرب.
فالإمارات تدرك أنها تعيش في منطقة صعبة.. لكنها اختارت منذ البداية أن تبني مشروعها على المستقبل لا على الصراع.
ولهذا يمكن تلخيص الموقف الإماراتي اليوم في معادلة بسيطة:
نحن لسنا دولة حرب.. لكننا أيضاً لسنا دولة يُعتدى عليها بصمت.. الدبلوماسية ستبقى خياراً.. لكن الأمن خط أحمر.
أما العلاقة مع إيران فستبقى علاقة جوار بحكم الجغرافيا.. لكن الجوار بعد ما حدث.. لن يكون كما كان.
فالزجاج حين ينكسر.. قد يرمم.
لكن ورقة التوت التي كانت تخفي الحقيقة.. سقطت.