في زمن يمتلئ بالأخبار المتسارعة والقلق الذي يتسلل إلى تفاصيل أيامنا، تأتي العشرة الأواخر من رمضان كمساحة نادرة للعودة إلى الداخل، فبعض الليالي لا تُقاس بعدد ساعاتها، ولا بأحلك ظلماتها، بل بما تمنحه للروح من وضوح وسكينة.
هذه ليست دعوة إلى إنكار الواقع، ولا إلى سكينة الوهم، بل إلى سكينة الوعي، تلك التي ترى العتمة كما هي، لكنها تعرف أيضاً أن النور جزء من سنّة الأشياء.
الخطر الحقيقي في أزمنة القلق ليس الحدث نفسه، بل اعتياده. حين يتحول الخبر قبل السحور إلى مصدر خوف دائم، أو يصبح الحديث على مائدة الإفطار دليلاً على مستقبل مظلم. هنا، نكون قد سمحنا لحرب نفسية غير مرئية أن تدخل إلى دواخلنا، وهو الاختبار الحقيقي: أن نحرس نافذة الروح من أن تُغلق، وأن نمنع العتمة من أن تصبح تفسيرنا الوحيد للعالم.
لدينا في هذه البلاد ذاكرة مختلفة مع الأزمات، فالإمارات لم تُبن في زمن الطمأنينة، بل في مواجهة التحديات. آباؤنا وأجدادنا رأوا الصحراء تتحول إلى مدن نابضة بالحياة، وجيلنا عايش أزمات عالمية كبرى، من اضطرابات الاقتصاد إلى جائحة «كورونا». وفي كل مرة راهنوا على انكسارنا، كنا أكثر انغماساً في العمل، وأكثر إصراراً على الإنتاج. لم تكن الفكرة أن الليل غير موجود، بل أن الفجر يستحق أن يُبحث عنه حتى في أكثر اللحظات ظلمة. تلك ليست مجرد حكاية تنموية، بل عقلية وطنية: تحويل القلق إلى عمل، والضباب إلى رؤية.
الفجر في النهاية يكافئ الطريقة التي نقضي بها الليل. يمكن لاثنين أن يعيشا الظرف نفسه، أحدهما يخرج منه أكثر قسوة، والآخر أكثر صفاء. الأول يعتاد الظلام حتى إذا جاء النور أزعجه، أما الثاني فيحافظ على شمعة صغيرة في داخله، يسأل نفسه كل يوم: هل جعلتني الأيام أقل عدلاً، ورحمة، وثقة بالمستقبل، أم أكثر تمسكاً بما أريد أن أبقى عليه حين يطلع النهار؟ قد لا نملك أن نختصر ليلاً نعيشه، لكننا نملك أن نحافظ على يقين بسيط وعنيد: أن وظيفة الظلام ليست أن يخيفنا إلى الأبد، بل أن يذكرنا بقيمة الضوء. وإذا خرجنا من هذا الضباب وفي داخل كل منا بقعة نور واحدة لم تنطفئ، فربما نكون قد فعلنا أهم ما يمكن فعله في زمن القلق: أن نؤمن بأن الفجر يبدأ في القلب، قبل أن يظهر في الأفق.
آخر الكلام
اعتدنا أن نصنع الفجر
11 مارس 2026 00:07 صباحًا
|
آخر تحديث:
11 مارس 00:07 2026
شارك