صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
يسرا عادل
كاتبة
أحدث مقالات يسرا عادل
3 يونيو 2026
حين تتآلف أبوظبي وروما

إيطاليا التي أحب في أبوظبي التي أعشق، ليست ضيفاً يزور العاصمة من حين إلى آخر، بل نافذة تُفتح كلما قررت السفارة الإيطالية أن تحتفي ببلدها. نافذة يدخل منها شيء من روح المتوسط إلى الخليج، لحن قديم، أو رائحة قهوة، أو طبق يحمل ذاكرة مدينة بعيدة. لهذا لا تبدو أمسية اليوم الوطني الإيطالي مناسبة دبلوماسية بقدر ما تبدو لقاء بين مكانين نجحا، رغم المسافات، في أن يألف أحدهما الآخر.

في أمسية احتضنها، أمس، قصر الإمارات، لم نكن أمام حفل استقبال فحسب، بل تجربة تحمل نكهة إيطالية خالصة، أديرت بتفاصيل يعرفها ويتقنها الإيطاليون جيداً، فهناك، بدا المتوسط أقرب مما توحي به الخرائط، وبدا أن بعض المدن تستطيع أن تعبر البحار من دون أن تغادر مكانها. وقد عكست الفعالية هذا المعنى تحت شعار «أقوى معاً»، الذي لم يكن مجرد عبارة، بل توصيف دقيق لمسار العلاقة بين البلدين.

هذا الدفء لم يكن وليد المجاملة الدبلوماسية، فالعلاقة بين البلدين تجاوزت حدود البروتوكول، لتصبح واحدة من أكثر الشراكات حيوية بين الخليج وأوروبا.

وخلف هذا المسار تقف جهود دبلوماسية نشطة التزمت بتنفيذ الرؤى التي رسمتها قيادتا البلدين، وكان من أبرزها السفير الإماراتي في روما عبدالله السبوسي، والسفير الإيطالي في أبوظبي لورينزو فنارا، اللذان عملا على تحويل التقارب السياسي إلى حضور ملموس في الثقافة والاقتصاد وحياة الناس.

وإذا كانت الأمسية تحتفي باليوم الوطني الإيطالي، فيجب أن نحتفي أيضاً بلغة الأرقام التي تروي حكاية موازية بين البلدين، فالعلاقات الاقتصادية شهدت خلال العقد الأخير نمواً لافتاً، مع توسع الاستثمارات المتبادلة وتنامي الشراكات في كافة القطاعات.

في العاصمة، تستحضرنا إيطاليا بالتفاصيل. كما تستحضر الإمارات نفسها في إيطاليا برائحة القهوة العربية ودفء المجالس وتمور ليوا. لحظات نشعر فيها بأن الجغرافيا فقدت شيئاً من صلابتها، وأن المدن لم تعد تُقاس فقط بما يفصل بينها، بل بما يجمعها.

أجمل ما في العلاقة بين البلدين ليس أن تتناول تمراً إماراتياً في روما، أو تيراميسو إيطالياً في أبوظبي. وليس أن تستنشق العود في نابولي، أو عطر زهرة الوستارية في دبي. أجمل ما فيها أن الأمر لم يعد يثير الدهشة. أن تصبح روما وأبوظبي كلمتين تتجاوران في جملة واحدة من دون أن يشعر أحد بأن بينهما بحراً ومسافات وثقافات مختلفة. 

[email protected]

27 مايو 2026
اجعله فرصة

فرصته في أن يعيدنا إلى أنفسنا، إلى جوهرنا الطيب، إلى معدننا الذي ربما غطته طبقات السرعة والانشغال والنسيان. العيد ليس موائد ولحوماً فحسب، بل موازين قلوب وأوزان مروءة، يختبر فينا شيئاً واحداً: هل لا نزال نرى الفضل فضلاً، أم صار كل جميل حولنا «حقاً مكتسباً» لا يستوقفنا ولا يُدهشنا؟

في كل بيت بطل صامت للعيد.. أمٌ تحمل على كتفيها تعب الأيام، ثم تبتسم كأن الأمر هين. زوجة تدير التفاصيل الكبيرة والصغيرة كي يبدو المشهد بسيطاً. عاملة تلم شتات الفوضى لتبقى الصورة أنيقة. عامل يسهر في الشارع والمحطة والمخبز ليبقى البيت عامراً بما نحب. هؤلاء هم «أهل الفضل» في العيد، إن غابوا اختل الإيقاع، وإن حضروا استقام النغم.

جميل أن نُحسن إلى الفقير البعيد، لكن الأجمل ألا ننسى من يقرع أبواب حياتنا كل يوم بإحسانه.

جميل أن نتذكر معنى الأضحية، لكن الأجمل أن نرى من ضحى براحته ليكتمل عيدنا. العيد ليس فقط ما نقدمه نحن، بل ما استقبلناه من عطاء غيرنا، ثم اخترنا: إما أن نمر عليه بلا اكتراث، أو نلتقطه بامتنان يليق به.

ما أيسر أن نقول: «هذا واجبه، وهذا عملها، وهذا دور الأم منذ الأزل». وما أعمق أن نقف لحظة ونسأل: من قال إن الفضل يفقد قيمته لمجرد تكراره؟

أهل الفضل في حياتنا يشبهون الورد الذي يزين حدائقنا في كل صباح، لوناً وعطراً وبهجة، أليس أولى بالشكر من عابر مر مرة واحدة وترك زهرة؟ الذين ينسجون بهجة العيد بخيوط الصبر والخدمة والمروءة أحق بأن نرد لهم الجميل، ولو بكلمة طيبة، بنظرة تقدير، بيد تمتد لا لتأخذ، بل لتخفف الحمل قليلاً.

العيد فرصة أن نغير اتجاه العطاء: أن نُكرِم من يُكرِمنا، وأن نحتفي بمن اعتاد أن يكون في الظل، وأن نقول لمن تعب لأجلنا: «هذا عيدك أنت أولاً».

لا نحتاج إلى خطب طويلة ولا شعارات كبيرة؛ نحتاج إلى قلب يفي، ولسان يعترف، ويد تبادر. نحتاج إلى أن نعيد لأهل الفضل مكانهم في صدارة المشهد، لا في هامش الصورة.

إن فعلنا ذلك، صار العيد ميزاناً نزيد به من رصيد الخير، لا من عدد الولائم. يصبح يوماً للقلوب لا للأطباق فقط، وموسماً نخرج منه أخف ذنباً، وأثقل وفاء.

حينها، لن يعرف العيد طريق الإفلاس أبداً، سيبقى ربحه صافياً في دفتر السماء، وفي دفاتر الناس الذين شعروا أن ما يبذلونه من حب وخدمة وفضل قد وُضع في مكانه الصحيح من التقدير.

25 مايو 2026
من غابارد إلى الدولة.. كيف يتآكل النظام الأمريكي بصمت؟

في المشهد الأمريكي الراهن، تبدو استقالة تولسي غابارد أشبه بحجر صغير سقط في بحيرة راكدة، فعرّى اتساع الموج لا ضآلة الحجر. ليست رئيسة الاستخبارات سوى علامة على نص أكبر يكتبه النظام الأمريكي على جدار تاريخه: نص التآكل من الداخل.

غابارد قصة انعكست فيها تناقضات واشنطن على مرآة فردية. نائبة ديمقراطية ذات نزعة مناهضة للحروب «الليبرالية»، انقلبت على حزبها عندما رأت فيه طبقة من النُخب، ثم وجدت في ترامب منصة للتعبير عن تمردها على المؤسسة. هكذا انتقلت من مقاعد الكونغرس إلى قمة هرم الاستخبارات الوطنية، حاملة معها تناقضاً صعباً: شخصية بُنيت على نقد المؤسسة، ثم وجدت نفسها داخل أكثر مؤسسات الدولة حساسية.

لكن ما بدا في البداية تقاطعاً بين إدارة تبحث عن أصوات متمردة، وسياسية ترى نفسها خارج النخبة التقليدية، انتهى سريعاً عند حدود السلطة نفسها. فمع تصاعد الخلافات حول ملفات الأمن القومي، بدأت المسافة تتسع بين لغة السياسة ولغة الاستخبارات. ولم تكن التسريبات عن جلسات التوبيخ التي تعرضت لها في البيت الأبيض سوى إشارة إلى لحظة يصبح فيها المسؤول مضطراً لمواءمة تقديراته مع السياق السياسي، لا الاكتفاء بمعايير العمل المهني.

لذلك، حين أعلنت غابارد أن زوجها يواجه مرضاً نادراً وأنها قررت التفرغ إلى جانبه، بدا العذر الإنساني ستارة شفافة تخفي خلفها مسرحاً مكتظاً بالخلافات، وبيتاً أبيض.. يضيق بهامش التباين أكثر مما يحتمله نظامه السياسي نظرياً.

غير أن هذه الحالة لا تقف عند حدود تجربة واحدة. ففي غضون خمسة أشهر فقط، غادرت أربع سيدات مواقعهن في الإدارة الحالية: وزيرة الأمن، وزيرة العدل، وزيرة العمل، وصولاً إلى موقع حساس كالاستخبارات. تتابع هذه المغادرات يطرح تساؤلاً لا يمكن تجاهله: هل تعاني الإدارة من ضيق تجاه الاختلاف عموماً؟ أم أن الإشكال يتفاقم عندما يأتي هذا الاختلاف من نساء في مواقع القرار؟

هذا التساؤل لا يُطرح من زاوية جندرية بحتة، بل من منظور مؤسسي أوسع. فالاستقالات لا تُفهَم إلا إذا أُدرجت في سياق أوسع في بنية السلطة التنفيذية. إدارة تحولت إلى غرفة انتظار تزدحم فيها الاستقالات والإقالات: وزراء سيادة يخرجون تحت وطأة الفضائح أو الخلافات، مسؤولون كبار يغادرون احتجاجاً أو يطاح بهم في تغريدة فجائية، وجهاز بيروقراطي فيدرالي يتهيأ منه عشرات الآلاف للمغادرة ضمن موجات محسوبة من «إعادة هيكلة» الدولة. ما يحدث ليس اختلافاً في الأسماء، بل في الفلسفة: من دولة بُنيت تاريخياً على تراكم الخبرة واستقرار الرجال والنساء الرماديين خلف الكواليس، إلى دولة تُدار بعقلية شركة عائلية تُستبدل فيها الطواقم كما تُستبدل فرق الحملة الانتخابية.

هنا يتقدم البعد البنيوي إلى الواجهة. النظام الأمريكي، كما صاغه الآباء المؤسسون، قام على الحذر من البشر، أياً كانوا، وعلى توزيع متقن للسلطة بين ثلاث سلطات تتجاذب وتتكافأ. جوهر الفكرة كان في شيء واحد: لا أحد يملك الدولة بمفرده، والمؤسسات لا الأفراد هي وعاء القوة. ما نراه اليوم، هو انقلاب على هذه الفلسفة. الرئيس يميل إلى التعامل مع الوزارات والأجهزة الأمنية بوصفها امتداداً لإرادته، لا كيانات مستقلة نسبياً تُلزمه بقواعد اللعبة.

لا يعني هذا أن الدولة الأمريكية تقف على حافة الانهيار غداً؛ الإمبراطوريات الكبيرة لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل طبقة طبقة. لكن ما يحدث يشبه، في جوهره، انتقالاً من «دولة المؤسسات» إلى «دولة الإرادة»: إرادة زعيم يزعم أنه وحده يجسد الشعب في مواجهة «نخبة فاسدة»، وإرادة مؤسسات تحاول أن تحافظ على دورها التاريخي فلا تجد إلا أدوات التمرد الناعم: استقالات، تسريبات، شهادات علنية تضع الخط الفاصل بين ما يمكن تحمّله وما لا يمكن السكوت عنه.

هذا التآكل الداخلي له كُلفة خارجية ثقيلة. الولايات المتحدة ستظل لعقد قادم على الأقل قوة عظمى في الاقتصاد والعسكر والتكنولوجيا، لكن معضلتها لن تكون في نقص القوة، بل في فائضها بلا بوصلة.

استقالة تولسي غابارد تصلح لأن تكون افتتاحية لهذا المشهد لا خاتمته. هي حكاية ديمقراطية تاهت في يمين شعبوي، واستخباراتية وجدت نفسها بين أخلاق المهنة وضغوط السلطة، وإنسانية اختارت أن تختبئ خلف مرض زوج لتخرج من مسرح لم يعد يحتمل الأصوات المترددة.

لكن خلف هذه الحكاية الخاصة يتشكل سؤال عام: حين تتعب المؤسسات من محاولات ترويضها، وحين يُصرّ السياسي على محاربة النظام الذي أوصله إلى السلطة، أيهما ينتصر في النهاية؟ التاريخ يُغري بالقول إن الدولة الأمريكية ستجد، كما فعلت من قبل، صيغة جديدة للتوازن. لكن التاريخ نفسه يهمس بأن كل توازن جديد يأتي بعد كلفة، وأن ما نراه اليوم ربما يكون بداية فاتورة تُدفع على مهل، في الداخل أولاً، ثم في خريطة العالم بأسره.

[email protected]

20 مايو 2026
جسر من الضوء.. بتوقيع أوروبي

في كل عام أعود إلى مهرجان الفيلم الأوروبي في أبوظبي، لا بوصفه فعالية موسمية، بل علامة صغيرة على الطريقة التي تتغير بها المدن بهدوء. قبل ثلاث نسخ بدا المهرجان أشبه بنافذة نطل منها على أوروبا من بعيد، مدنها الباردة، شوارعها الضيقة، أبطالها الذين يمشون في أفلامهم ببطء يشبه الحياة نفسها. كنا نشاهد، ثم نخرج بانطباع جميل عن قارة تعرف كيف تقول الكثير دون أن ترفع صوتها، لكن شيئاً ما تغيّر هذا العام.

ربما لأن المهرجان نفسه كبر، فما كان محصوراً في قاعات أبوظبي، تمدد هذه المرة إلى رأس الخيمة. والأجمل أن برنامج الأفلام ترك مساحة لأفلام إماراتية قصيرة، لتجلس الحكايات المحلية إلى جانب أفلام أوروبية، بدون ذلك الإحساس القديم بأن هناك «ضيفاً» وآخر «صاحب بيت». فقط شاشة واحدة، وضوء واحد، وحكايات تتقاسم حقها الطبيعي في أن تُروى.

ربما هذا ما نجحت بعثة الاتحاد الأوروبي في الدولة في بنائه، بهدوء، عبر النسخ المتتالية للمهرجان: جسر ثقافي لا يقوم على الخطب بقدر ما يقوم على الحكايات. وحتى الرابع والعشرين من مايو، ستتنقل القاعة، ليلة بعد أخرى، بين بولندا واليونان وإيرلندا والتشيك ومالطا وليتوانيا ورومانيا ولوكسمبورغ وهولندا والنمسا وألمانيا وأوكرانيا وإسبانيا وفرنسا وسلوفينيا وإيطاليا، والإمارات أيضاً، لا كاستثناء محلي، بل كجزء طبيعي من هذا الحوار الطويل بين الشاشات والثقافات.

في الافتتاح، جاءت «غلوريا» من إيطاليا، فتاة تبحث عن صوتها وسط صرامة مدرسة داخلية في البندقية. وفي اليوم التالي، ظهرت على الشاشة وجوه إماراتية شابة تحمل كاميراتها إلى البحر والجبال والبيوت القديمة، وتبحث هي الأخرى عن لغتها الخاصة. لم يكن الفرق بين العالمين كبيراً كما يبدو في الخرائط، مجرد لغات مختلفة، وسماء تتغير فوق الشخصيات، بينما الأسئلة تكاد تكون واحدة.

وهنا تحديداً بدا المهرجان أكثر ذكاءً من مجرد عرض أفلام أوروبية. لم تكن الفكرة أن نشاهد أوروبا، بل أن تجلس الحكايات متجاورة دون أن تسأل إحداها من أين أتت. وهذا، ربما، أجمل ما يحدث للمدن حين تنضج ثقافياً: أن تتوقف عن التعامل مع الثقافات كزائرين.

في ظلام القاعة، وأنا أرى فيلماً إماراتياً يتوسط العروض الأوروبية، شعرت أن حركة صغيرة وقعت بصمت. لم نعد فقط جمهوراً يشاهد العالم من مقاعده الأمامية، بل أصبح لدينا مكان طبيعي داخل الصورة نفسها. وربما لهذا تبدو مثل هذه المهرجانات مهمة أكثر مما نظن، لأنها لا تجعلنا نرى الآخرين فقط، بل تجعل المدن ترى نفسها بطريقة جديدة أيضاً.

[email protected]

18 مايو 2026
ترامب في حضرة «التنين»

في بكين، لم يكن دونالد ترامب وحده من يدخل القاعة الكبرى. كانت تدخل معه صورة أمريكا التي اعتادت أن تصل بوصفها مركز النظام الدولي لا مجرد طرف فيه. لكن المشهد هذه المرة بدا مختلفاً، رئيس أمريكي اشتهر بالصخب والاندفاع، يجلس داخل المسرح البروتوكولي الصيني الهادئ كأن إيقاع المكان انتزع منه ضجيجه المعتاد. لا تغريدات نارية، لا استعراضات لفظية، ولا تلك اللغة التي اعتاد أن يصف بها الصين بوصفها «سارقاً للوظائف» و«منافساً غير نزيه».

في بكين، بدا ترامب أكثر هدوءاً مما اعتاده العالم، كأن القمة لم تكن فقط لقاء بين رجلين، بل لحظة اعتراف متبادل بأن الصين لم تعد مجرد قوة صاعدة تطرق باب النظام الدولي، بل هي قطب يجلس داخله ويعيد ترتيب أثاثه بهدوء طويل النفس.

المشهد، في رمزيته، كان أكبر من ملفات التجارة والرسوم الجمركية. كان أشبه بصورة لنظام دولي يحاول التكيف مع حقيقة جديدة: النسر لا يزال القوة العسكرية والمالية الأولى، لكنه لم يعد وحده في مركز المسرح. والتنين، الذي أمضى عقوداً يُقدَم بوصفه «المستقبل»، دخل الحاضر فعلاً.

ترامب يدرك ذلك أكثر مما يظهر في خطاباته الانتخابية. هو لا يرى الصين دولة بعيدة تنافس بلاده على بعض الأسواق، بل مرآة تعكس أكثر ما يخشاه الأمريكيون: مصانع أغلقت، وسلاسل توريد انتقلت شرقاً، وتكنولوجيا لم تعد حكراً على الغرب. لهذا يهاجم بكين بعنف حين يخاطب قاعدته الشعبية، لكنه حين يجلس بحضرة شي يتبدل الإيقاع فجأة.

لهذا كان لافتاً أنه، رغم خطابه القاسي، لم يهاجم شي شخصياً، بل وصفه بالرجل القوي. ترامب يحب الزعماء الذين يشبهون الصورة التي يحملها عن السلطة: قرار مركزي، حضور حاسم، وقدرة على فرض الإيقاع. يمكنه أن يهاجم الصين أمام الكاميرات، لكن بحضرتها يتحدث كرجل أعمال يعرف أن الطاولة لا تحتمل استفزازاً زائداً قد يفسد الصفقة كلها.

في النهاية، يتعامل ترامب مع الصين بعقلية رجل الصفقات: خصم خطِر، لكن يمكن الجلوس معه إلى الطاولة لتعديل شروط اللعبة، لا لشن حرب أيديولوجية طويلة النفس على وجوده.

أما الصين فترى ترامب بطريقة أكثر تعقيداً مما يبدو. في بكين، يُنظر إليه كرئيس غير قابل للتوقع، رجل قد يستيقظ صباحاً فيقرر رفع الرسوم الجمركية أو تشديد القيود على أشباه الموصلات لأنه يرى في ذلك مكسباً داخلياً سريعاً. هذا يجعل التعامل معه محفوفاً بالحذر. لكن على نحو متناقض هناك ارتياح نسبي لطريقته مقارنة ببعض خصومه في واشنطن.

الصينيون يقلقون أكثر من الإدارات الأمريكية التي ترى فيهم تحدياً بنيوياً طويل الأمد، وتسعى إلى تطويقهم عبر التحالفات والتكنولوجيا وإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي بهدوء مؤسساتي مستمر. ذلك النوع من الاستراتيجيات يبدو لبكين أخطر من رئيس يرفع صوته في الإعلام ثم يجلس إلى الطاولة باحثاً عن صفقة قابلة للبيع لجمهوره. ترامب، بهذا المعنى، خطر تكتيكي، أما الاستراتيجية الأمريكية طويلة النفس فهي الخطر الذي يهدد النموذج الصيني نفسه.

ومع ذلك، يدرك الطرفان أن الصدام الكامل بينهما لم يعد ترفاً ممكناً. الصين تعرف أن الأسواق الأمريكية لا تزال شرياناً أساسياً لاقتصادها، وواشنطن تدرك أن أي مواجهة مفتوحة مع بكين قد تعني اهتزاز سلاسل التوريد والطاقة والتكنولوجيا في العالم كله.

لهذا لم يكن استقبال ترامب مجرد بروتوكول. بل أقرب إلى عرض مدروس لقوة تعرف جيداً كيف تستخدم الرمزية. بكين لم تحاول مجاراة صخب ترامب، بل فعلت العكس تماماً: امتصته داخل هدوئها. في القاعة الكبرى، بدا شي جين بينغ كمن يتحرك داخل بيته السياسي الطبيعي، فيما بدا ترامب، للمرة النادرة، كأنه مضطر إلى التكيف مع إيقاع لا يملكه بالكامل.

إذا استمرت العلاقة على هذا النحو - تنظيم للتنافس بدلاً من حسمه - سنكون أمام نظام دولي تعيش فيه واشنطن وبكين في حالة «هدنة باردة»: لا حرب شاملة، ولا شراكة حقيقية، بل إدارة دائمة لللاثقة. في مثل هذا العالم، تصبح الدول المتوسطة - من أوروبا إلى آسيا - مضطرة إلى إعادة تعريف علاقاتها مع القطبين، والبحث عن هوامش مناورة لا تسحقها تحت أقدام النسر والتنين معاً.

وربما هنا تكمن الخلاصة الحقيقية للقمة. لم تخرج باتفاق تاريخي، ولم تُعلن «الصفقة الكبرى» التي يحب ترامب التفاخر بها. لكن القمة كشفت شيئاً أعمق: العالم دخل مرحلة لم يعد فيها ممكناً التعامل مع الصين بوصفها مشروع قوة مستقبلية فقط. لقد أصبحت قوة حاضرة تفرض على خصومها، حتى أكثرهم ضجيجاً، أن يخفضوا أصواتهم قليلاً حين يدخلون إلى بكين.

في المسافة بين ترامب الذي جاء حاملاً لغة القوة، وشي الذي استقبله بلغة الثبات، ظهرت صورة النظام الدولي الجديد: عالم لا يستطيع فيه أحد إلغاء الآخر، ولا يملك فيه أحد ترف التصرف كأنه السيد الوحيد للمشهد.

[email protected]

13 مايو 2026
احجز موعداً مع الإمارات

في عالم لا يتوقف عن الجري، تبدو الإجازات أحياناً كأنها محاولة صغيرة للحاق بأنفسنا.

والسعادة، في كثير من الأحيان، ليست شيئاً نعثر عليه بالصدفة، بل لحظة نقرر أن نمنح أنفسنا حق عيشها. وكذلك كسر الروتين، الذي لا يبدأ دائماً من بوابة سفر مزدحمة، ولا يشترط رحلة طويلة بقدر ما يحتاج إلى رغبة حقيقية في تغيير الإيقاع، ولو لعدة أيام فقط.

وحين نعيد التفكير في معنى التغيير بهذه البساطة، ندرك أن المسألة ليست في الذهاب بعيداً، بل في رؤية القريب بطريقة مختلفة، في اكتشاف ما نظنه مألوفاً كأنه جديد للمرة الأولى.

هل تعلم أن الإمارات استقبلت نحو 29 مليون سائح العام الماضي؟ أناس جاؤوا من كل مكان ليبحثوا عما نملكه نحن هنا يومياً، ثم نمر عليه أحياناً دون أن نتوقف عنده. وهنا تبدأ الفكرة: ماذا لو لم نكن مجرد سكان، بل «زوار» في بلدنا؟

عطلة عيد الأضحى هذا العام قد تكون فرصة سانحة لعيش تجربة لا تتكرر، ليست مجرد أيام راحة، بل مساحة مفتوحة لاكتشاف الإمارات من جديد. بلد صغير في حجمه، واسع في تنوعه، كأنه عدة تجارب في خريطة واحدة، فبين سلاسل الجبال الشرقية في الفجيرة، إلى صخب الترفيه في جزيرة ياس بأبوظبي، ومن هدوء استراحة السحاب في خورفكان إلى الحيوية التي لا تنام في دبي. ومن عبق التراث في العين إلى شواطئ رأس الخيمة، تفصلنا ساعات عن تغيير المكان والمتعة، لكل مدينة مزاجها الخاص، ولكل طريق فيها شعور مختلف، وكأنك تسافر أكثر مما تتنقل.

الحقيقة أن الأجواء الصيفية ليست عذراً كافياً إذا قمت بصناعة جدولك باتقان. الهايكنج عند ساعات الصباح الأولى له متعته الخاصة، والشواطئ والسباحة تبدوان أكثر انسجاماً مع الأجواء. أما المرافق العائلية المغلقة، من مدن الألعاب إلى المراكز التجارية والوجهات الترفيهية، فهي تمنح العائلة أو الأصدقاء يوماً كاملاً من المتعة دون الاكتراث بواقع الطقس. كل ما تحتاجه فعلياً هو خطة خفيفة، ومزاج مستعد للاستمتاع.

مَن لم يحجز تذكرة سفره بعد، ولم ينظم جدوله في إجازة العيد بعد، لا يعني أنه تأخر عن الإجازة، بل ربما ما زال أمامه الخيار الأذكى: احجز موعداً مختلفاً مع الإمارات، أعد اكتشافها كما يراها الملايين من السياح، مدركاً أن بعض الرحلات لا تحتاج أن تغادر فيها المكان، بل أن تغير طريقة روتينك ووجهتك، وأن تكون في بلادك بروح استكشافية - استطلاعية «بعيون سائح».