على الرغم من مرور أسبوعين تقريباً، على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران الذي تسبب في نشر الاضطرابات في الشرق الأوسط، لكن لا يزال الرئيس دونالد ترامب يرسل إشارات متضاربة حول كيفية وموعد انتهاء القتال، تاركاً العالم في حالة من الحيرة والارتباك بخصوص الأهداف الحقيقية للحرب والمرحلة التالية منها.
وبحسب «موقع إكسيوس» الأمريكـيـ، فعلى الرغم من تصريحات ترامب العلنية بالإنجازات العسكرية للجيش الأمريكي في إيران، وأن الحرب تسير على ما يرام، لكن فيما يتعلق بالهدف الذي برر شنّها، فيبدو أن الولايات المتحدة لم تحققه بعد، إذ تواصلت هجمات إيران الصاروخية على العديد من الدول، كما لم توجد حتى الآن أي بوادر على انتفاضة شعبية تمهد الطريق نحو تغيير النظام الديني.
وبعد مكالمة فيديو لترامب مع قادة مجموعة السبع الأربعاء، صرّح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون علناً بما قاله آخرون سراً: لا أحد يستطيع الجزم بما يريده دونالد ترامب من الحرب.
غموض ترامب يحير الحلفاء
وأفاد مصدران مطلعان على المكالمة، أن ترامب كان «غامضاً وغير حاسم»؛ إذ غادر بعض المشاركين، وهم يعتقدون أنه يريد إنهاء الحرب، بينما شعر آخرون بعكس ذلك تماماً
وقال ماكرون بعد المكالمة: «سيكون على رئيس الولايات المتحدة توضيح أهدافه النهائية والوتيرة التي يعتزم اتباعها في العمليات».
وفي اليوم نفسه الذي عُقدت فيه مكالمة مجموعة السبع، تذبذبت تصريحات ترامب العلنية بين إعلان النصر، والتعهد بالتصعيد، حتى إنه قال ذلك أحياناً في الخطاب نفسه.
وقبل المكالمة، صرّح ترامب لموقع أكسيوس، أن الحرب ستنتهي «قريباً»، لأنه «لم يتبقَّ عمليًا شيء» لاستهدافه في إيران.
وأثناء مغادرته البيت الأبيض متوجهاً إلى تجمع انتخابي في كنتاكي، قال للصحفيين، إن الولايات المتحدة «لم تنتهِ» من ضرب إيران. وعندما سُئل عما لا يزال الجيش بحاجة إلى إنجازه، أجاب: «المزيد من نفس الشيء».
وعلى المنصة، قال ترامب لأنصاره: «لا أحد يُحب أن يُعلن النصر مُبكراً. انتصرنا. في الساعة الأولى انتهى الأمر». وبعد دقائق، أضاف: «لا نريد المغادرة مبكراً، أليس كذلك؟ علينا إتمام المهمة، صحيح؟»
اختلاف أمريكي إسرائيلي على مفهوم النصر
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة وإسرائيل خاضتا الحرب معاً، لكنهما لا يتفقان تماماً على مفهوم النصر، بسبب الأهداف المعلنة من الحرب، فبينما تتحدث إسرائيل عن تغيير النظام، يركز الخطاب الأمريكي على تدمير القدرات النووية والعسكرية لطهران.
ويثير ترامب الحيرة بشأن أهداف الحرب التي شنها في 28 فبراير/ شباط الماضي، إذ حدد أربعة أهداف هي: تدمير البحرية الإيرانية، وإضعاف قدراتها الصاروخية الباليستية، وجعل السلاح النووي بعيد المنال، وإنهاء الدعم الإيراني للحلفاء الإقليميين، وهي أهداف يؤكد التصعيد العسكري الحالي أنها لم تتحقق جميعها بعد.
وأكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، الأربعاء، أن هذه الأهداف لم تتغير، متهمةً وسائل الإعلام بـ«ترويج رواية زائفة مفادها وجود تضارب في الرسائل».
وبحسب إدارة ترامب، فعلى مدار 12 يوماً من الحرب، تم تدمير البحرية الإيرانية بشكل شبه كامل. وتضررت معظم منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية ومخزوناتها بشكل كبير. وتكبدت الصناعة العسكرية الإيرانية أضراراً جسيمة. وكانت الخسائر الأمريكية أقل من المتوقع، حيث كانت الطائرات المقاتلة المفقودة الوحيدة نتيجة نيران صديقة.
الأهداف النووية
لكن الحرب الحالية لم تحقق تقدماً فيما يخص تدمير البرنامج النووي الإيراني، فلم تتمكن الولايات المتحدة وإسرائيل من السيطرة على 450 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب الذي تحتفظ به إيران في منشآتها النووية. كما لم يتم استهداف جبل بيك آكس، وهو منشأة محصنة تحت الأرض قرب نطنز، تبنيها إيران سراً منذ عام 2020، ويُحتمل أن تكون مدفونة على عمق 100 متر تحت سطح الأرض.
الإشارات الأمريكية الإسرائيلية المتضاربة بشأن أهداف الحرب أثارت حيرة الحلفاء، وأشار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لنظرائه الغربيين إلى أنه بينما يتفق الحليفان على الأهداف العسكرية، توجد «اختلافات دقيقة» فيما يتعلق بمسألة تغيير النظام.
ويريد رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو أن تُمهد الحرب الطريق لتغيير النظام في إيران. وتعتبر الولايات المتحدة ذلك مكسباً إضافياً، وفقاً لمصادر.
وبحسب مسؤولون إسرائيليون، فإن ترامب لا يخطط لإنهاء الحرب خلال الأسبوعين، أو الثلاثة أسابيع القادمة، لكنهم يأخذون في الحسبان احتمال اتخاذه قراراً مفاجئاً، إذا ما خلص إلى أن أهدافه تحققت.
الجستابو الإيراني
وكان كل من ترامب ونتنياهو يأملان أن تُزعزع الضربة الافتتاحية - التي أسفرت عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وأربعين من كبار مسؤولي الأمن - استقرار النظام بسرعة، لكن بعد مرور 13 يوماً، أدرك كلاهما أن ذلك لم يحدث. ولا يزال كلاهما يأمل في اتساع الفجوة.
ووصف مصدر تحدث إلى ترامب الثلاثاء الرئيس بأنه «متحمس» لمواصلة الحرب لمدة ثلاثة إلى أربعة أسابيع أخرى على الأقل قبل اتخاذ قرار.
وسينصب تركيز تلك المرحلة على حملة متواصلة ضد «الحرس الثوري» الذي يطلق عليهم ترامب «اسم الجستابو».
وستركز الضربات على إضعاف الحرس الثوري بما يكفي لجعل الانتفاضة الداخلية ممكنة. وقال المصدر: «إنهم ليسوا ضعفاء بما يكفي في الوقت الحالي، لكنهم سيصبحون كذلك في غضون ثلاثة إلى أربعة أسابيع».
وأضاف: «ستُبذل جهود لإطلاق العنان للقوات داخل إيران. ربما تسقط مدينة أو تنقلب وحدة عسكرية»، متوقعاً أن الشعب الإيراني «سيستعيد حماسه» لإسقاط النظام.
نزهة قصيرة لمحاربة الشر
وعلى مدار الأيام الماضية أكد ترامب أن الولايات المتحدة تسيطر على المعركة التي وصفها مؤخراً بأنها «نزهة قصيرة» للقضاء على الشر، لكن ليس من الواضح ما إذا كانت الحرب ستنتهي عندما يقرر ترامب إنهاءها.
وأثناء عودته إلى البيت الأبيض الأربعاء، قدّم ترامب تقييمه الأكثر صراحة حتى الآن: «وصلنا تقريباً إلى نهاية المطاف. هذا لا يعني أننا سننهي الحرب فوراً، إنها مسألة وقت فقط». وأضاف: «لا نريد أن تتفاقم الأمور، ونتمنى أن نرى شخصاً في السلطة يعرف ما يفعله».
وصرح ترامب علناً باستيائه من إعلان طهران مجتبي خامنئي مرشداً عاماً خلفاً لوالده الأمر الذي يثر الغموض بشأن رغبة إيران في إنهاء المعركة، وأكد مسؤول رفيع المستوى، مشارك في جهود الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، لموقع أكسيوس، أن طهران أوضحت أنها لا تنوي وقف الحرب وفقاً للجدول الزمني الذي حددته واشنطن.
تجارب مفاوضات مريرة
ويريد الإيرانيون الذين باتت لديهم تجربة مريرة من جولات المفاوضات التي انتهت بطبول الحرب، ضمانات دولية بعدم استئناف الصراع، لا وقف مؤقتاً آخر للهدنة يتوقعون خرقه، خاصةً، أن حرب الأيام الـ 12 السابقة لم يمضِ عليها عام.
ومع إغلاق مضيق هرمز وتعطل إمدادات النفط، وامتداد الحرب في المنطقة بتعمد طهران استهداف دول عدة لتوسيع رقعة المواجهة، يبقي الطريق نحو إنهاء الحرب غير واضح المعالم، في ظل غياب حوار مباشر بين واشنطن وطهران، وتلميح ترامب إلى رغبته في اغتيال المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، ونكوث إيران المتواصل بتعهداتها بوقف هجماتها على دول المنطقة.
