د. سالم علي بن ارحمه

الأخلاق هي الأساس المتين لبناء القيم والفضائل في المجتمعات، فهي الميزان الحقيقي لقيمة الإنسان، والركيزة التي تقوم عليها الحضارات وترتقي بها الأمم، ولا يمكن لأمة أن تزدهر بدون منظومة أخلاقية قوية تحكم سلوك أفرادها وتغرس وتعزز القيم، وقد عبّر أمير الشعراء أحمد شوقي عن هذه الحقيقة الخالدة في بيته الشهير
إِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْ ذَهَبُوا
والأخلاق هي العمود الفقري لبقاء الأمم واستقرار المجتمعات، وبدونها يختل ميزان الحياة، وتفقد الحضارة روحها ومعناها. وقد جاء الإسلام ليؤكد هذه الحقيقة، فجعل الأخلاق جوهر رسالته ويدل على ذلك اختِصار النبي صلّى الله عليه وسلّم الحِكمَة مِن بعثَتِه حيث قال صلّى الله عليه وسلّم: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق» في إشارة واضحة إلى أن رسالة الإسلام تقوم على تهذيب النفس الإنسانية وتوجيهها نحو الخير والفضيلة، وذلك أنه يريد للبشرية أن تتعامل بقانون «حسن الخلق» الذي ليس فوقه قانون، وأحسن من قال:
لن يصلح القانون فينا رادعاً حتى نكون ذوي ضمائر تردع
فبداية القوانين تكون رادعة ونهايتها ثقافة، و‏خوف الله جل جلاله هو الأصل، فإن ذهب لم تسدَّ مكانه الغرامات ولا القوانين، لأن القانون يبقى ما بقي المراقب، فإذا أمِن الناس أن يراها المراقب لم تُبالِ بالقانون. والأخلاق تبقى ما بقي الضمير يخشى الرقيب الحسيب جل جلاله، فأخلاق المؤمن مستمدة من عقيدته، والعقيدة في جوهرها تقوم على صدق الإيمان واليقين.
والدين كله منهج للأخلاق في شتى الروابط والصلات، وحسن الخلق ثمرة من ثمرات الإيمان، ينبع من عقيدة وقلب سليمين، قال ابن القيم: «الدين كله خُلق، فمن فاقك في الخلق، فقد فاقك في الدين».
وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أعظم قدوة في مكارم الأخلاق، حتى قالت السيدة عائشة، رضي الله عنها، عندما سُئلت عن خُلُقه: «كان خلقه القرآن». كان صلى الله عليه وسلم مثالاً في الصدق والأمانة والرحمة والتواضع.. وكان أحسن الناس خلقاً وقد شهد الله له بقوله تعالى: «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ»، فكان أصدق الناس حديثاً، وأوفاهم عهداً، وأرحمهم بالناس، وأكرمهم خلقاً.
والله ما خلق الإله ولا برا خلقاً ولا خُلُقاً كأحمد في الورى
والأخلاق أساس مهم من أسس البقاء والاستمرار في المجتمع الإنساني المستقر، فقد هلكت الأمم السالفة بسبب انحرافها عن النهج القويم والصراط المستقيم، قال تعالى: «وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً».
والأخلاق هي أساس الحضارات والرقي والازدهار. والأخلاق المستمدة من العقيدة الصحيحة سر بقاء الأمم، ولا بقاء لأمة تفرط في أخلاقها وتتهاون في قيمها ومبادئها، وصدق الشاعر حين قال:
وإذا أصيبَ القومُ في أخلاقِهمْ فأقمْ عليهم مأتماً وعويلا
والأخلاق هي حياة الأفراد والأمم والمجتمعات، وبالأخلاق تسمو النفوس، وتستقيم العلاقات، ويُصان المجتمع. وأحسن من قال:
وليس بعامر بنيان قوم إذا أخلاقهم كانت خرابا
[email protected]