أكد المشاركون في مجلس «الخليج الرمضاني» في ضيافة الشيخة د. خلود حميد القاسمي، رئيسة مجلس إدارة جمعية الإمارات للإبداع، الدور الرئيسي الذي تمثله الأسرة بوصفها الركيزة الأولى في بناء المجتمعات واستدامة قيمها، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من داخل البيت، إذ تتشكل شخصية الأبناء وتتبلور منظومة القيم التي ترافقهم في مسيرتهم الحياتية، مشيرين إلى أن الأسرة المتماسكة تمثل الحاضنة الأهم لغرس مبادئ الانتماء والمسؤولية والوعي، بما ينعكس إيجاباً على استقرار المجتمع وتماسكه.
لفت المتحدثون خلال المجلس الذي جاء تحت عنوان «الاستثمار الأغلى: نحو منظومة أسرية ملهمة» إلى أن بناء منظومة أسرية ملهمة يتطلب وعياً متجدداً بدور الوالدين في التربية وصناعة القدوة، إلى جانب تعزيز الحوار داخل الأسرة ومواكبة التحولات الاجتماعية والتكنولوجية التي تؤثر في الأجيال الجديدة، مؤكدين أهمية توظيف المبادرات المجتمعية والثقافية لدعم الأسرة وتمكينها من أداء رسالتها التربوية، بما يسهم في إعداد جيل قادر على الابتكار والمشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية.
ترسيخ الوعي
أكدت الشيخة د. خلود حميد القاسمي، أن تنظيم المجالس الرمضانية يأتي انطلاقاً من حرصها على ترسيخ الوعي المجتمعي بأهمية المنظومة الأسرية ودورها في بناء مجتمع متماسك، مشيرةً إلى أن الأهداف من هذه المجالس هي توعية الناس بالمنظومة الأسرية، لاسيما أن عام الأسرة الذي تبنته دولة الإمارات لهذا العام يمثل محوراً أساسياً في هذا المجلس، لما يحمله من دلالات تعزز مكانة الأسرة في المجتمع.
ورحبت بالمشاركين، مؤكدةً أن الأسرة تمثل اللبنة الأولى في بناء الإنسان والمجتمع، وأن دورها يمتد إلى غرس القيم وتعزيز الهوية وترسيخ مفاهيم المسؤولية والانتماء لدى الأبناء، مشددة على أهمية تكاتف الجهود المجتمعية والمؤسسية لدعم الأسرة وتمكينها من أداء رسالتها التربوية على أكمل وجه، وأعربت عن أملها في استمرار التواصل بين الجمهور من خلال المجالس الرمضانية بما يحقق الفائدة للمجتمع بشكل عام ويعزز الوعي بقضايا الأسرة.
وفي كلمته، أشاد فيصل الحمادي، نائب رئيس جمعية الإمارات للإبداع، بدور القيادة الرشيدة في فتح أبواب الفرص أمام جميع أفراد المجتمع للمشاركة في برامج التنمية والإبداع، وشدد على أن التوفيق والنجاح في الحياة، سواء على الصعيد الشخصي أو المهني، يبدأ من البر بالوالدين وأن رضا الوالدين يمثل السر الحقيقي وراء أي إنجاز يحققه الفرد في حياته.
بناء الإنسان
أدار الجلسة د. خليفة المحرزي، مستشار وخبير في العلاقات الأسرية، الذي أكد في حديثه أن بناء الإنسان يأتي ضمن عملية منهجية قائمة على أسس واضحة من التربية وغرس القيم الحقيقية منذ المراحل الأولى من حياة الفرد، وأن النشأة التقليدية قد تنتج إنساناً عادياً يسير وفق الأنماط المألوفة، في حين أن العظماء والقادة الذين تركوا بصمتهم في التاريخ لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا نتيجة منظومة تربوية واعية قامت على ترسيخ القيم والمبادئ، لافتاً إلى أن هذه القيم تتحول مع الوقت إلى سلوكيات راسخة تشكل شخصية الإنسان وتوجه مسيرته.
وأوضح أنه عندما نسمع عن مفهوم الاستثمار يتبادر إلى الأذهان الاستثمار المالي أو في التجارة، لكن هناك استثمار غاب عن كثير من الآباء والأمهات وهو الاستثمار في الأبناء، وهم الاستثمار الحقيقي، فالجيل يختلف، مستشهداً بمقولة ابن خلدون «كل عشر سنوات عبارة عن جيل جديد، فالذي يصلح في زماننا لا يصلح في زمان أبنائنا»، مستعرضاً دراسة في المجلس الاستشاري الأسري تؤكد أن التربية قائمة على مهارة تدعى الطريقة المنهجية.

وتناول المحرزي أبرز الأرقام والإحصاءات التي تعكس تطور دور المرأة في المجتمع الإماراتي، مشيراً إلى أن عدد رائدات الأعمال شهد نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، ليرتفع من نحو 11 ألفاً عام 2015 إلى 23 ألفاً عام 2020، ثم إلى 25 ألفاً عام 2024، وصولاً إلى أكثر من 33 ألف رائدة أعمال حالياً، يدِرن ما يزيد على 60 ألف مشروع باستثمارات تقدر بنحو 60 مليار درهم.
وتعكس هذه المؤشرات حضوراً متنامياً للمرأة في سوق العمل، لتشكل النساء نحو 46.6% من إجمالي القوى العاملة، وهو ما يعكس طموح المرأة الإماراتية وإقبالها على التعليم والعمل والقيادة، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات تتعلق بقدرتها على التوفيق بين مسؤولياتها المهنية ومتطلبات الأسرة، وهو ما يستدعي مزيداً من الدعم والوعي لتحقيق هذا التوازن.
الأسرة الإماراتية
أكد د. أحمد آل علي، رئيس المجلس الاستشاري الأسري الإماراتي، نائب رئيس جمعية المعلمين، أن الأسرة الإماراتية تمثل النواة الأساسية في بناء المجتمع وصياغة شخصية الإنسان، وأنه كثيراً ما يشبهها بمنظومة متكاملة مثل شركة ناجحة تقوم على توزيع الأدوار والمسؤوليات، إذ تقوم الأم بالدور المحوري في إدارة شؤون الأسرة وتعزيز استقرارها، فيما يشكل الأبناء والبنات عناصر فاعلة في هذه المنظومة، مبيناً أن نجاح الأسرة يرتبط بمدى تمسكها بالقيم الأصيلة مثل الاحترام والرحمة والمسؤولية والالتزام، وهي القيم التي تشكل رأس المال الحقيقي لأي مجتمع، وأن ترسيخ هذه القيم ينعكس إيجاباً على المجتمع بأكمله ويعزز بناء أجيال قادرة على مواصلة مسيرة التنمية.
وتطرق آل علي إلى التحديات التي تفرضها التقنيات الحديثة، حيث يمثل التطور التكنولوجي فرصة كبيرة إذا ما تم توظيفه بشكل صحيح، لكنه في الوقت نفسه يفرض مسؤوليات على الأسرة والمؤسسات التربوية في توجيه الأبناء نحو الاستخدام الإيجابي لهذه التقنيات، مؤكداً أن المجتمع يقف اليوم أمام خيارين إما الاستسلام لتأثيرات التقنية وترك الأبناء يواجهونها من دون توجيه، وإما العمل على تسليح الأجيال بالقيم والوعي الذي يمكنهم من التعامل معها بوعي ومسؤولية.
وشدد على أن القيم تبقى الركيزة الأساسية في بناء المجتمعات واستدامة تقدمها، وأن تعزيز هذه القيم مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والجامعات، حيث إن المؤسسات التعليمية يجب أن تقوم بدور أكبر في إعداد القيادات الشابة وصقل شخصياتهم منذ سنوات الدراسة الأولى.
تحديات المرأة
تحدثت د. نورة القصير، عضو المجلس الأسري الإماراتي، عن أبرز التحديات التي تواجه المرأة في العصر الحالي، خصوصاً أن طموحها في تحقيق النجاح المهني والتألق في مختلف المجالات أمر طبيعي ومشروع، لكن التحدي الحقيقي يكمن في قدرتها على التوازن بين هذه الطموحات ودورها الأسري، مبينةً أن كثيراً من الاستشارات الأسرية تكشف عن صعوبة هذا التوازن لدى بعض النساء، خاصة في ظل الضغوط المهنية والتأثر بما يطرح عبر وسائل التواصل الاجتماعي من رسائل قد تدفع المرأة إلى التركيز على الإنجاز الفردي دون الالتفات الكافي إلى منظومة الأسرة وقيمها.

وأكدت أن نجاح المرأة الحقيقي لا يقتصر على التميز المهني فقط، بل يرتبط أيضاً بقدرتها على الحفاظ على استقرار الأسرة وغرس القيم في الأبناء، باعتبارها الركيزة الأساسية في بناء الهوية والانتماء داخل الأسرة، وأن تنظيم الأولويات وإدارة الوقت يمكن أن يساعدا على تحقيق هذا التوازن، لافتة إلى أن الأسرة تبقى الاستثمار الأهم في حياة الإنسان، وأن تمكين الأبناء وتنمية مواهبهم وتعزيز ارتباطهم بهويتهم وقيمهم مسؤولية مشتركة، تلعب فيها الأم دوراً محورياً لا يمكن الاستغناء عنه.
حوار الأبناء
بيّن د. إسماعيل البريمي، عضو المجلس الاستشاري الأسري، أن المجتمع الإماراتي يقوم على منظومة راسخة من القيم والعادات التي توارثتها الأجيال، وأن هذه القيم تُغرس في نفوس الأبناء منذ الصغر من خلال القدوة التي يقدمها الوالدان في حياتهم اليومية، مبيناً أن الطفل بطبيعته شديد الملاحظة، ويتعلم الكثير من السلوكيات عبر ما يراه ويسمعه داخل الأسرة، فعندما يستجيب الأبناء تلقائياً لسماع الأذان أو يتفاعلون مع الممارسات الدينية والاجتماعية في المنزل، فإن ذلك يعكس نجاح الأسرة في ترسيخ هذه القيم بطريقة عملية ومستدامة.
وأكد أهمية تعزيز ثقافة الحوار داخل الأسرة، والذي لا ينبغي أن يقتصر على الجلسات الجماعية فقط، بل يشمل أيضاً الحوار الفردي بين الوالدين وكل ابن على حدة، لأن لكل طفل احتياجاته الخاصة وطريقته في التعبير عن أفكاره ومشكلاته، وكثير من الأبناء يفتقدون هذا النوع من التواصل المباشر مع الوالدين بسبب انشغالات الحياة اليومية وكثرة الالتزامات، الأمر الذي قد يضعف الروابط الأسرية ويؤثر في عملية التربية.
ودعا البريمي إلى تخصيص أوقات منتظمة تجمع أفراد الأسرة، سواء عبر وجبات مشتركة أو جلسات عائلية أو أنشطة خارجية، لما لذلك من دور مهم في تعزيز الترابط الأسري واكتشاف مواهب الأبناء وتنمية قدراتهم.
وأكد أن النجاح الشخصي مهما كان باهراً لا يكتمل إلا بالنجاح الأسري والتربية السليمة للأبناء، ولفت إلى أن الاستثمار في الأبناء لا يقتصر على الجانب المادي، بل يشمل الرعاية الروحية والتعليمية والمعنوية، مشيراً إلى أن غياب التوجيه والرقابة الأسرية أمام الانفتاح الرقمي قد يوجد تحديات كبيرة.
جهود مؤسسية
بدوره استعرض د. جاسم الحمادي، مدير مكتب المعرفة بدائرة الخدمات الاجتماعية في الشارقة، جهود المؤسسات الحكومية في دعم الأسرة وأهمية التكامل بين دور البيت والمؤسسة، مؤكداً أن النجاح الاجتماعي والتربوي للأبناء لا يتحقق إذا ما غابت المشاركة الفعالة من الأسرة نفسها، حيث تظل المنظومة الأسرية الركيزة الأساسية لبناء قيم الأجيال.
وأوضح أن الدائرة تولي أهمية كبيرة للدراسات الميدانية لمعرفة الواقع الاجتماعي، مشيراً إلى دراسة نفذوها عن أثر العمالة المنزلية على الأطفال، والتي كشفت عن أن 25% من عينة 500 امرأة أقررن بوجود تحرشات أو اعتداءات من العمالة، لكنها غالباً لا تكشف خوفاً من الفضائح، كما أشارت الدراسات إلى التأثير الكبير للتواصل الاجتماعي على الأطفال، إذ يؤدي الانشغال المستمر بالأجهزة والبرامج الرقمية إلى ضعف القدرة على التواصل الاجتماعي ومواجهة المواقف الواقعية، ما يستلزم توجيه الأبناء وغرس القيم الصحيحة في المنزل.
وأكد الحمادي أن مشاركة الأسرة في البرامج المجتمعية والتطوعية تعد عنصراً أساسياً لتعزيز القيم، وشدد على أن جميع المؤسسات يجب أن تعمل ضمن مظلة استراتيجية موحدة لتقديم برامج متنوعة تستهدف فئات المجتمع المختلفة، مع التركيز على التعاون والتنسيق بين المؤسسات الحكومية والخاصة والجمعيات لضمان وصول الدعم والتوعية لأكبر عدد من الأطفال والعائلات وبجودة عالية، بما يعزز منظومة القيم في المجتمع.