د. سالم علي بن ارحمه
تحضر الأم في السِّير الذاتية على نحو خجول فثمة تردد في سرد ذاكرة الأمومة، لتسود الذاكرة الأبوية وتسيطر على المشهد، لكن صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، في «قصتي»، يجعل للأم حضورها الوفي، فهي ليست مستقبل أبنائها فحسب، إنها مدرسة تحرّك بيدٍ سريرَ طفلِها وبالأخرى تحرّك العالم بأكمله، فالأم هي الأصل الذي يبدأ منه وعليه ارتكاز بناء كل المجتمع والأسرة والدولة والوطن، فهي الحاضن للرجال، وهي مربية الأجيال.
وجسَّد ذلك الشاعر معروف الرصافي، فقال:
ولم أرَ للخلائق من مَحَلّ
يُهذِّبها كحِضن الأمهات
فحضن الأم مدرسة تسامت
بتربية البنين أو البنات
وأخلاقُ الوليد تُقاس حسناً
بأخلاق النساءِ الوالدات
وليس ربيب عالية المزايا كمثل ربيب سافلة الصفات
وليس النبت ينبت في جنان
كمثل النبت ينبت في الفَلاة
ولعلكم رأيتم صورة تعود لعام 1956م لأم بدوية تجلس بجانب ولدها في الخيمة وهو يدرس وتبري له القلم ليكتب به، فالأم وإن كانت أميّة، فهي مدرسة تربوية متكاملة. هكذا اختصرها شاعر النيل حافظ إبراهيم منذ أكثر من قرن فقال:
الأُمُّ مَدْرَسَةٌ إِذَا أَعْدَدْتَهَا
أَعْدَدْتَ شَعْباً طَيّبَ الأَعْرَاقِ
الأُمُّ رَوْضٌ إِنْ تَعْهَدَهُ الْحَيَا
بِالدِّينِ أَوْرَق أَيَّمَا إِيرَاقِ
الأُمُّ أُستاذُ الأَساتِذَةِ الألى
شَغَلَت مَآثِرُها مَدى الآفاقِ
وهنالك الكثير من الأمثلةِ والنماذج الرائعة لرجال عظام أفذاذ وعلماء جهابذة في شتى المجالات قدَّموا الإنجازات العظيمة والأعمال الخالدة للإنسانيّة والبشريَّة جمعاء.
ويرجعُ الفضلُ بعد الله إلى أمهاتِهم الماجدات اللواتي مَهَّدنَ السُّبلَ أمامهم ليصلوا إلى ما وصلوا إليهِ من مراتب سامية.
ومن هذه الأمثلة الكثيرة: دور الأم في حياة الأئمة المشهورين، مثل الإمام البخاري، والشافعي وأحمد بن حنبل ومالك، وأصحاب المذاهب الفقهية المشهورة.
قال الإمام مالك: «كانت أمي تُعَمِّمُني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه».
وعاش الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، يتيمَ الأب فربّته أمه واعتنت به أيّما عناية وكانت تصحبه للمسجد وتنتظره لحين خروجه لتعود به للمنزل.
يقولُ الإمام أحمد بن حنبل عن أمه: «حفظتني أمي القرآن وأنا ابن عشر سنين وكانت توقظني قبل صلاة الفجر وتُحمي لي ماء الوضوء في ليالي بغداد الباردة وتُلبسني ملابسي ثم تتخمر وتتغطى بحجابها وتذهب معي إلى المسجد لبعد بيتنا عن المسجد ولظلمة الطريق».
وكذلك الإمام الشافعي نشأ يتيماً وقد رزقه الله بأم عاقلة حاذقة، ارتحلت به حين بلغ عامين من عمره من غزَّة، مسقط رأسه، إلى مكة، حيث العلم والفضل، وحيث البادية حولها، والتي فيها يقوَّم لسان الغلام وتصح لغته، فكان الإمام الشافعي هو ثمرة جهود تلك الأم الفاضلة.