بقلم المستشار سعود بوهندي
الحب الحقيقي لا يُعرَف في مواسم الرخاء، ولا يُقاس في أيام الطمأنينة والراحة؛ فالكلمات في تلك اللحظات تكون سهلة، والمشاعر تبدو طبيعية كنسيمٍ هادئٍ يمرّ دون أن يختبر صدقها. أمّا حين تضيق الأيام، وتشتدّ المحن، وتلوح التحديات في الأفق، هناك فقط يُكشف المعدن الحقيقي للمحبة، وهناك تُختبر القلوب.
وفي هذه الأيام، تعيش دولة الإمارات لحظةً لم نألفها من قبل؛ لحظة امتزجت فيها المشاعر، وتداخلت فيها الدهشة مع القلق، والفخر مع الحميّة. لكنها، في الوقت ذاته، كشفت عن حقيقةٍ جميلة وصورةٍ مدهشة من صور الحب والانتماء؛ صورةٌ لا تُرسم بريشة، ولا تُكتب بقرار، بل تنمو بهدوء في القلوب عبر السنين.
لقد رأينا كيف تحوّلت معالم الإمارات – مطار دبي، وجزيرة النخلة، وأبراج الاتحاد، وغيرها من رموز العمران – من مبانٍ شامخة إلى معالم تسكن وجدان الإنسان، وجزءٍ أصيل من ذاكرة كل من يعيش على أرضها.
ولذلك، حين تعرّض مطار دبي للاعتداء بطائرةٍ مسيّرة، تحوّلت أحاديث الناس إلى حديثٍ عن مكانٍ يحمل في القلوب معنى خاصاً، فامتلأت القلوب بالكلمات، واندفعت مشاعر المواطنين والمقيمين على حدّ سواء، وكأنهم يدافعون عما يعنيهم شخصياً، لا عن مرفقٍ عام. وتناقلت منصات التواصل صورة للمطار مرفقة بعبارة: «مطار العالم... وسيبقى مطاراً للعالم»، في تعبيرٍ صادق عن هذا الارتباط العميق.
إنه مشهدٌ نادر أن ترى علاقةً عاطفية تتشكّل بين الأفراد والمدن، وبين الإنسان والعمران؛ بين القلوب والطرقات، والمطارات والأبراج، وبين السكان ومعالم المكان، غير أنّه في الإمارات يبدو أمراً طبيعياً.
وقد ظهرت تلك الحقيقة جلية في مقاطع الفيديو والرسائل التي بثها كل من يعيش على أرض الإمارات من مختلف الجنسيات، وهم يعبرون عن حبهم للإمارات ودفاعهم عنها.
هكذا تولد المحبة الصادقة: حين يشعر الإنسان بأن هذه الأرض تحميه كما يحميها، وأن هذه الدولة تمنحه من الطمأنينة ما يجعله يبادلها الوفاء، إنها علاقة تتجاوز حدود المواطنة والجنسية، علاقة بين الإنسان والمكان، بين الروح والمدينة، بين الحلم والعمران.
لقد كشفت هذه اللحظات الصعبة عن أجمل ما في النفوس: التضامن، والتعاطف، والوفاء. وأظهرت أن الإمارات ليست مجرد دولة يسكنها الناس، بل وطن يسكن قلوبهم.